Close ad

«الحب بهدلة».. كيف وقع المازني ضحية الحب الكاذب؟| صور

28-6-2024 | 12:55
;الحب بهدلة; كيف وقع المازني ضحية الحب الكاذب؟| صور الكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازني

يعتقد البعض أن الناس في الماضي كانوا في راحة من القضايا التي تنبثق من العلاقات عن بعد عبر الفيس بوك وغيره من التطبيقات، حيث الكذب والتدليس في العلاقات العاطفية بين الجنسين، والتي قد تؤدي لكوارث كما ترى في بعض حوادث القتل هذه الأيام التي تنشأ عن الثقة الزائدة بين طرفين لم يتقابلا أو يتعارفا إلا من خلال الحاسوب ..علاوة على ظنهم أن "ناس زمان" كانوا يقدرون الأصول ويضعون اعتبارات للفوارق السنية في مسائل الزواج.

موضوعات مقترحة

الدكتور محمد فتحي عبد العال ينقلنا إلى واحدة من تلك القصص في كتابه "شج رأس التاريخ"، حيث يقول:"إن المغامرات العاطفية في زماننا تجمع الجنسين ولا تضع اعتبارات سنية لهذا الموضوع ..هذا حقيقي وهي تختلف عن الماضي في كونها تستأثر بالنصيب الأعظم لكنها تبقى موجودة في كل الأزمنة .. طبعا لو كنت من مرتادي النزوات النسائية وما أكثرها مع الانفتاح الحالي عبر الإنترنت فحتما ستقع فريسة لمقالب من بعض الشباب الذين يدعون كونهم فتيات على الفيس بوك بأسماء مستعارة وصور جذابة والهدف أحيانا إما النصب وسلب الأموال بشكل مباشر وهذا في الغالب أو للتصيد والابتزاز بعد وقوع الرجل الولهان في المصيدة ..كنت أظنها ظاهرة حديثة لكن كما يقولون "ما يقع إلا الشاطر". 

هذا حال كاتبنا "إبراهيم عبد القادر المازني" حيث أدعى شاب يدعى "عبد الحميد رضا " أنه يعمل خادمًا لدى سيدة تدعى "فاخرة" وقد قدم لمكتبه بجريدة السياسة حاملاُ رسالة منها تبدي إعجابها بروايته "غريزة امرأة" وأنها كتبت مثلها ولم تخرجها للناس وتستأذنه في نسخة من روايته وتقول:"فهل تأذن؟ .. أرجو أن تبعث لي بشيء من آثارك مع( تابعي) وقد يكون كتابي هذا ركيكا وغير معبر تماماً عن روح الإعجاب الذي ملك نفسي وأخذ بتلابيب قلبي وقد يكون لي خير من هذا يوم أن نتعرّف أجسادا وأرجو أن أوفّق إلى ما يتناسب وقدرك السامي.. فاخرة"..

تجاوب المازني مع الرسالة فرد قائلا :"سيدتي الفاضلة: تحياتي إليك وشكري على رسالتك الرقيقة الكريمة، واعتذاري عن الكتابة بالقلم الرصاص فإني أولاً مريض، وثانيا ليس في بيتي حبر!! وثقي أني أقدّر نبل الإحساس الذي دفعك إلى كتابة هذه الرسالة ولولا أني مريض متعب ويدي ترتعش قليلاً من الضعف لحاولت أن أوفيها حقّها من الشكر، فهل تقبلين عذري وتغفرين لي كل هذه الزلات ؟ أرجو ذلك، ويسرني أن أبعث إليك بنسخة من كل كتاب لي توجد منه نسخ في البيت، إجابة لطلبك، ومن بواعث أسفي أنّ نسخ الرواية في مكتبي ، فإذا سمحت بإرسال تابعك يوم السبت إلى المكتب فإني أكون سعيداً بأن أقدم لك نسخة منها، ولقد شوقتني إلى روايتك، ولكني لا أجرؤ أن أطمح في الاطلاع عليها قبل نشرها إلا إذا شئت أن تغمريني بفضلكِ...كلا، ليس في لغتك ركاكة، ولكنها سليمة جدا، ومن أرقى ما عرفت من أساليب الرسائل النسوية، أرقى من رسالتي هذه مثلا، وسلامي إليك وتحياتي وشكري الجزيل وأسفي الشديد... المازني".

توالت الرسائل ..ومنها "عزيزتي الآنسة فاخرة هانم... أظن أنك حيرتني، حيرتني جدا إلى حد- لا تضحكي من فضلك -إلى حد أني بدأت أظن أن الذي يراسلني ليست آنسة ذكية القلب نافذة البصيرة، بل هو شاب داهية يكاتبني باسم آنسة ليتفكه بي ويسخر مني، فما رأيك في هذا الخاطر. أعترف لك أنه خاطر جرى ببالي من أول يوم وهذا هو السبب في التحرز الشديد الذي بدا مني في رسائلي الأولى -على الأقل رسالتي الأولى- ولكني تساهلت مع نفسي وأرسلتها على سجيتها إلى حدّ محدود، فهل تدرين السبب في نشوء خاطر كهذا في رأسي..السبب أنني كنت ولا أزال أعتقد أنه ليس في هذه الدنيا امرأة يمكن بأي حال من الأحوال أن يعجبها إبراهيم المازني ولست أقول هذا تواضعاً أو على سبيل المزاح، ولكني أقوله لأنه عقيدة راسخة مخامرة لنفسي مع الأسف، وقد كانت نتيجة هذه العقيدة أني كما أخبرتك في رسالتي الماضية تحاشيت في حياتي أن أحاول التحبب إلى أية امرأة ولو كانت روحي ستزهق من فرط حبي لها، ذلك أني -لاعتقادي في نفسي- أخشى أن أتلقّى صدمة فتكون النتيجة أن تجرح نفسي فتثور فأتعذب وأعذبها معي..لا أدري ..كيف يكون رأيك في رجل هذه حالته النفسية بلا مبالغة، وإني أقسم لك بكل ما يحلف به الأبرار أني لست كاذبا، ولا متخيلا. وأن هذه هي حقيقة اعتقادي في نفسي وحقيقة الواقع ولا شك أنها حالة شاذة - ولكن ما حيلتي؟ وأنا أخسر بسببها كثيراً ما يفوز به الرجال، وأرى مفاتن الحياة تتخطاني وتقع على سواي بغير سعي منه لها، فلا أتحسر لأني رضت نفسي على الحرمان ووطنتها على ألا تأسف على شيء، وما أكثر ما يفوتني وأحرمه في دنياي في كل باب حتى في باب المعيشة المادية ولكن ماذا أصنع؟..لا شىء ..صرت أتفلسف وأقول إن رياضة النفس على الزهد تتطلب قوة نفسية أكبر وأعظم من القوة التي يحتاج إليها الإقدام على التمتع بلذات الحياة وأنعم العيش، فهل هذا صحيح؟ لا أدري، ولكني أري أني لم أطق باريس أكثر من ربع الساعة ولا لندن أكثر من أسبوع. وأحببت الريف والبساطة وكنت في رحلتي أفضل أن أجوب الريف بسيارة صديق أحمل فيها طعامي وأبيت أحياناً كثيرة فيها بعد إغلاق نوافذها، لقد قلت مرة لصاحبة اجتمعت بها على ظهر السفينة : يا سيدتي إنك جميلة وحرام عليك أن تلقي بجمالك بين يدي حمار مثلي لا يعجبه إلا البرسيم... هي مرارة نفس تطفح أحياناً وتقطر من اللسان أو من القلم، ولكني ربما كنت معذوراً، ولعلي أكون أسعد في حياتي لو عشت في كهف بعيداً عن الناس. أي نعم، وقد حاولت هذا مرة وقضيت بضعة أسابيع في جبل المقطم على إثر صدمة قوية تلقيتها من يد القدر وكنت أشرب الماء بحفنتي من كفّي وآكل من شبه ماجور من الطين فهل تصدقين؟!..إني رجل أحفظ الجميل ولا أكفره، ولا أجحد فضل الله وفضلك علىّ، فإذا كنت قد وجدت في ردي ما يشعر أني تألمت فإني آسف جدا وأرجو أن تحملي هذا على محمل المرارة التي في نفسي، وهي مرارة طبيعية لا تتأثر بشيء من الخارج أبداً فسامحيني بالله واعفي عني واغفري لي زلاتي وكوني معي على الدنيا ..ألم أقل لك إني جاهل؟ بلى. وإني لأجهل الجهلاء وأبلد البلداء فهل صح عزمك على أن تتفرجي على هذا الجاهل الغبي وتريه بعينك يوم الأحد؟ وسلامي وتحياتي وأشواقي وشكري العميق وما هو فوق الشكر والتحيات والأشواق وأبلغ من كل ذلك..المازني ".

طبعا اعتذرت "فاخرة " عن الموعد لأنه مستحيل وأرسلت له رواية قصيرة بعنوان "فاخرة والمازني" لتلهب مشاعره وتزيد اشتياقه وبدأت أعراض الحب العفيف تتملكه فكانت رسائلها تحت "مخدته" يطالعها كل يوم كما جهز رواية يرد بها على روايتها ..وفي رسالة منه يعتبر أن تخلفها عن لقائه عقاب ويقول "فلاشك أني استحق ذلك العقاب وفيك تلتقي الجنة والنار وعندك تجد نفسي الرضوان والعذاب وقد ذقت طعم الجنة وفزت ببعض العذاب "..وأرسل لها صورته القديمة بناء على طلبها فردت "فاخرة" بأن أرسلت صورتها ..فكتب إليها "المازني" : "أنا أكتب الآن على عجل كأني أخاف أن لا... لا... لا أخاف شيئا بل أتمنى أن أنقلب زفرة... تنهدة تطير إليك على جناح النسيم وتشعرك بما في قلبي... وليت أن أزفر روحاً تكشف عن حقيقة أمري..فاخرة!! أسأل الله السلامة من كل هذا الحسن .. السلامة؟ وأي أمل فيها؟ لقد كان ما خفت أن يكون وانتهى الأمر، أحببتك خيالاً، وهأنذا اليوم أحبك إنسانة ..حقيقية وقعت ,لا بل رفعني الله إلى سماء كنت أتخيلها.إن مثل هذا الحب نعمة يا فاخرة، ومثل حبي لك مفخرة لي ورفعة لنفسي وسمو أنت ما زلتِ معنى سامياً.. لم تتجسدي لي قط على الرغم من الصورة. كل ما أرتنينه الصورة أن ظني لم يخب... وأن الحقيقة أكبر وأفتن وأسحر من الخيال.. تريدين أن تقابليني لتكرهيني وأكرهك ؟!..نعم ستكرهينني وسأشقى بكرهك لي وحبي لك ..هذا قضاء الله ولا راد لقضائه ..وقد طلبت الآن "ويسكي" فإني مضطرب ..سأصير بعد أيام عاري القلب "...

المؤلم أنه وبعد هذا البوح النفسي الذي أظهر ضعف الرجل ومكنون قلبه تجاه تجربة حب عن بعد وشعوره الخفي أنه قصير، دميم واستكثاره على نفسه حب امرأة جميلة له واقتناعها به خاصة وقد أصيب بالعرج في شبابه في حادثة وهو يعطى العلاج لزوجته المريضة .

كانت صدمة عمره أن ما حاشاه وأنكره كان حقا وأن الرسائل كانت احتيالا من الشاب الخادم لفضحه على الملأ ..ونشرت الرسائل في الأوساط الأدبية في حدود عام 1932م .. ولا أشك أن هذه الفضيحة قد سببت جرحًا غائرًا لدى المازني . بقي سؤال : ماهي دوافع الشاب "عبد الحميد رضا " لما فعله بالمازني ؟!!. 

يكشف الاستاذ "طاهر الطناحي" في مجلة الهلال (الجزء العاشر ، المجلد57 ) في أول أكتوبر 1949 م أن "عبد الحميد رضا " أديب شاب وصديق له منذ مرحلة التلمذة وأنه جاءه ذات يوم وكان قد خرج من تجربة عاطفية فاشلة وآلمه هجر الحبيبة فسخط على نفسه وكره صنف النساء وأراد أن يوقع بأحد الأدباء في تجربة مماثلة ووقع اختيارهما معا على "المازني " المسكين !!.

د.محمد فتحي عبد العال

الباحث في التاريخ والتراث المصري


الكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازنيالكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازني

الكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازنيالكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازني

الكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازنيالكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازني

الكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازنيالكاتب الأديب إبراهيم عبد القادر المازني

المازني في مكتبتهالمازني في مكتبته

المازني في مكتبتهالمازني في مكتبته

كتاب شج رأس التاريخ للدكتور محمد فتحي عبد العالكتاب شج رأس التاريخ للدكتور محمد فتحي عبد العال

الدكتور محمد فتحي عبد العالالدكتور محمد فتحي عبد العال
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة