Close ad

معا لإنقاذ محمد.. مأساة طبيب شاب عاش 100 يوم في الشارع

6-7-2024 | 14:13
معا لإنقاذ محمد مأساة طبيب شاب عاش  يوم في الشارعالطبيب الشاب محمد حليم
ميادة حافظ
الشباب نقلاً عن

طبيب الأسنان د.محمد حليم: كنت أنام واقفاً.. ونظرات التعاطف دمرتني نفسيا

موضوعات مقترحة

حياته "فيلم عربى قديم" لم يفهمه إلا فى النهاية، شاب فى الأربعينات من عمره، من أسرة ميسورة الحال ويعمل طبيب أسنان، كان والده- رحمه الله- جراح قلب شهيراً، وكانت والدته- رحمها الله- طبيبة نساء وولادة معروفة، وبعد وفاة والدته التى لم يستوعب فقدانها ولم يتحمل ألم رحيلها، تدهور به الحال واضطرته الظروف لبيع ممتلكاته الواحدة تلو الأخرى، لكنه تعرض للاستغلال والنصب وفقد كل ثروته ولم يقف أحد بجانبه ليجد نفسه مشردا فى الشارع لأكثر من ثلاثة أشهر... القصة الكاملة للدكتور محمد حليم فى الحوار التالى . 


بدأت الحكاية عندما علمنا بأن مؤسسة "معانا لإنقاذ إنسان" المسئولة عن إنقاذ ورعاية المشردين، نشرت خبراً عن تلقيها بلاغاً من أهالى منطقة حلمية الزيتون بتواجد د. محمد حليم  فى الشارع لأكثر من 3 أشهر كاملة، ويقول مهندس محمود وحيد- رئيس مجلس إدارة المؤسسة-: بمجرد أن تلقينا البلاغ بدأنا بعمل بحث للحالة وتواصلنا مع أهالى المنطقة واكتشفنا بالأوراق الرسمية الموجودة معه أنه طبيب أسنان، لكنه مر بظروف نفسية قاسية بعد وفاة والدته فاضطر لبيع كل ممتلكاته وعندما لجأ لأقاربه لم يساعده أحد، ووجد مصيره الشارع، وقد رحب جدا بالذهاب إلى الدار بعدما أقنعه الفريق بضرورة عدم الجلوس فى الشارع، وكل حالة يتم استقبالها بالمؤسسة يكون لها برنامجها الخاص  وفقا لوضعها، حيث يتم عمل ملف صحي وملف اجتماعي ونفسى، ومحاولة تقديم كل المساعدات للشخص لتحقيق الهدف الأهم وهو تمكين الحالات بحيث تستطيع تحمل المسئولية والعودة لحياتها بشكل طبيعى.


نشأة
ثم انتقلنا بعد ذلك للحديث مع الدكتور محمد حليم فيقول:  نشأت في أسرة ميسورة الحال لأب وأم يعملان بمهنة الطب، فوالدي كان من أوائل جراحى القلب فى مصر لكنه توفي وأنا طفل صغير لم أكمل ٥ سنوات، ووالدتي كانت طبيبة نساء وولادة شهيرة، وتخرجت فى كلية طب الأسنان دفعة 2003، ولدي أخ وحيد كان يعمل بالمحاماة توفي قبل وفاة والدتي بنحو سنة ونصف، ومنذ طفولتى وأنا متعلق بوالدتى بشدة، حيث غمرتنا بحبها وحنانها ورعايتها كمحاوله منها لتعويضنا عن فقدان الأب، فكانت أمى هى أيقونة حياتى، وكانت حياتنا مستقرة بشكل كبير حتى وفاة أخى منذ ما يقرب من 5 سنوات بعد مروره بأزمة نفسية شديدة، ثم توفيت والدتى عام 2021 بعد إصابتها بفيروس كورونا واحتجازها بالمستشفى لفترة. 

ألم الفراق
ويكمل قائلاً: عندما توفيت والدتى، أصبت بصدمة شديدة وحزن كبير لفراقها، فهو موقف صعب بكل المقاييس حيث كانت والدتي بمثابة كل شىء بالنسبة لي، وتوقفت تماما عن العمل وجلست فى المنزل وحيدا لمدة شهر كامل، وكانت نفسيتى تزداد سوءًا يوما تلو الآخر، ويؤكد أن علاقته بوالدته لم تكن علاقة ابن بأمه فحسب، بل كانت أمه بمثابة الأخت والصديقة، لدرجة أنه كان متزوجا من طبيبة روسية وانفصل عنها بسبب رغبتها فى السفر للإقامة فى بلدها لكننى رفضت بسبب ارتباطى الشديد بوالدتى وعدم قدرتى على تركها بمفردها فى مصر، خاصة بعد وفاة شقيقى، وحاولت كثيراً الخروج من حالة الحزن والعودة لحياتى الطبيعية لكني لم أستطع، وفكرت فى تحويل عيادة والدتي إلى عيادة أسنان، لكن بسبب فشلي الشديد فى إدارة المال تعرضت للاستغلال والنصب من القائمين على تجهيز العيادة واضطررت لبيع ممتلكاتي بشكل تدريجي لتوفير المبلغ المطلوب لتجهيز العيادة الجديدة.


تخلي الأهل
وعن رد فعل الأهل بعد وفاة والدته، يؤكد د. محمد أنه على الرغم من أن والدته كانت على علاقة ممتازة مع أهلها إلا أنه فوجئ بعد وفاتها بعدم وقوف أحد من الأهل بجانبه، خاصة بعدما تعرض لضائقة مالية واضطر لبيع معظم ممتلكاته من فيلا وعيادة وخلافه لتغطية نفقاته، ويضيف: كانت والدتى شديدة الكرم مع أهلها وكانت تعطى ببذخ شديد لكنى للأسف لم أجد منهم أى دعم.


لا يوجد صديق وقت الضيق
وعن دور الأصدقاء فى محنته، يؤكد د.محمد أنه لم يلجأ سوى لشخص واحد كان يعتبره صديق عمره، لكنه للأسف خذله، فيقول: عندما لجأت له لكي يساعدني بمبلغ مالي بسيط جدا كمساعدة فوجئت برفضه، وأيقنت وقتها أنى أخطأت فى حق نفسى من البداية، وبدأت أفهم الدنيا من حولي من منظور آخر، فأكثر من وقف بجانبي أشخاص لم يكن بيني وبينهم قرابة ولا سابق معرفة علي الإطلاق. 


100 يوم فى الشارع
وعن تفاصيل الأيام التى قضاها فى الشارع، يقول د. محمد: ذهبت إلى عمى حتي يساعدني بعدما خسرت كل فلوسي وأصبحت غير قادر علي الوقوف مرة أخري، وطلب منى مهلة لترتيب أموره، واضطررت للإقامة عنده لمدة 4 أشهر على أمل أن يساعدنى فى العودة إلى عملى وتأسيس عيادة، لكنه للأسف لم يساعدنى ولأن الإنسان بطبعه "ثقيل" مهما كانت صلة القرابة، قررت ترك منزل عمى، وكان معى وقتها كل مقتنياتى فى 18 حقيبة، وكنت فى أسوأ حالاتى النفسية لدرجة أنى شعرت وكأن الموت يقترب منى، ونزلت للشارع وأنا لا أعرف ماذا أفعل، لكن كان الجلوس فى الشارع بالنسبة لى أهون كثيرا من الإقامة عند الأقارب، وظللت أتنقل من مكان لآخر ومن شارع لآخر حتى استقر بى الحال إلى ميدان النعام بمنطقة حلمية الزيتون، وضعت حقائبى وجلست بجانبها بجوار أحد بائعى الخضروات والفواكه، الذى احتضننى وتعامل معى بكل ود وذوق خاصة بعدما استمع لقصتى. 


جدعنة أهالي المنطقة
وعن ردود أفعال أهالى المنطقة، يقول د.محمد: وجدت معاملة طيبة من أهالى المنطقة، وكان الكثير من الناس يأتون للتحدث معي وبعضهم يعرض علىّ مبالغ مالية لحل مشكلاتي أو حتى على سبيل السلف، لكنى رفضت كل ذلك، وعندما كان يصر البعض على منحي مبلغ بسيط فى حدود 100 أو 200 جنيه، كنت أبحث عمن هو أكثر احتياجا منى لأعطيها له، ولن أنسى أبدا سيدة من أهالى المنطقة عرضت علي ٥ آلاف جنيه كمساهمة فى حل مشكلاتي، لكنني رفضت، وكنت فقط أقبل وجبات الطعام يوميا خلال المدة التى قضيتها بالشارع، وهناك شخص من أبناء المنطقة اسمه "محمد عبد الكريم" ساعدني ووقف بجانبي بدون أى سابق معرفة، وأصر على أن ينفق من ماله الخاص ما يقرب من 4 آلاف جنيه لتجديد بطاقتي الشخصية وإنهاء بعض الإجراءات الخاصة بنقابة أطباء الأسنان وغير ذلك.


خوف شديد
وعن شعوره أثناء وجوده فى الشارع يوضح د.محمد أنه كان يشعر بخوف شديد، لأنه يجلس فى الشارع لأول مرة فى حياته، لذلك كان يخجل من النوم على الأرض، وكان يفضل أن ينام جالسا فكان يغفو لمدة دقائق معدودة، كما كان يضطر لاستخدام الحمامات بالمقاهى والكافيهات الموجودة فى المنطقة، ويشير إلى أن نظرات التعاطف والشفقة فى عيون المارة هي أكثر ما دمره نفسيا، ويؤكد د.محمد أنه ظل طوال حياته يعتقد بأن الحياة وردية والجميع يحبونه ويتمنون له الخير، لكن بعدما جلس فى الشارع أصبح أكثر نضجا وتعلم أنه مثلما يوجد خير كثير، هناك شر أكثر، كما أصبح أكثر حذرا فى تعاملاته لأن المعاملة الطيبة فى بعض الأوقات قد تكون فخا، فلم يعد يصدق كل ما يراه، وتوقف عن الطيبة التى تصل إلى حد "الهبل" أو السذاجة، ويضيف: اكتشفت أيضا أن الأهل مش سند وكل شيء وارد فى هذه الحياة، وكل شخص لا يهمه سوى نفسه. 
أما عن المواقف السخيفة التى واجهها أثناء إقامته فى الشارع، فيؤكد أنه تعرض لسرقة هاتفه المحمول، كما سرقت ساعته التى تبلغ قيمتها 180 ألف جنيه، كما سرقت منه أيضا بعض الكتب والمقتنيات الأخرى. 

طموحات وأحلام
ويحكى لنا د.محمد عن أحلامه فى الفترة المقبلة، وهى أن يعود إلى عمله فى أسرع وقت وأن يعوض مافاته وأن يرزقه الله تعالى ويعوض كل ما خسره من أموال، ليمتلك شقة وسيارة وعيادة ويعيش حياة مستورة، لكنه لا يحلم أبدا بأن يمتلك الملايين؛ لأنه اكتشف أن المال وسيلة وليس غاية فى حد ذاته. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة