Close ad

«مُطرب الطربوش ورفيق جارة القمر».. ماذا تبقى من الإرث الغنائي لنصري شمس الدين؟| صور نادرة

27-6-2024 | 15:43
;مُطرب الطربوش ورفيق جارة القمر; ماذا تبقى من الإرث الغنائي لنصري شمس الدين؟| صور نادرةفيروز ونصري شمس الدين
أحمد عادل

ينظر إليه النقاد باعتباره أحد أركان المدرسة الرحبانية في الموسيقى والغناء، وفارس الصوت الجبلي اللبناني إلى جانب وديع الصافي، هذه النظرة كانت مختلفة لدى جارة القمر فيروز، فكانت تنظر إليه نظرة المُعلم المُبدع، والصديق الوفي الذي لم يفارقها إلا مُجبرًا، وحامل شفرة التألق والنجاح في مسيرتها الغنائية الخالدة.. إنه المطرب اللبناني الكبير نصري شمس الدين، أو مطرب "الطربوش" كما كان يُطلق عليه عشاقه ومحبيه، الذي تحل اليوم ذكرى مولده.

موضوعات مقترحة

الميلاد وظهور الموهبة

وُلد نصر الدين مصطفى شمس الدين في بلدة جون أعلى تلال جبل لبنان في السابع والعشرين من يونيو عام 1927م، لأسرة كبيرة كان ترتيبه فيه السادس بين تسعة أخوة، وبين ربوع جبل لبنانه وتلاله أمضى نصري طفولته شاديًا بصوت قوى رخيم، كان الأمر صعبًا بل مستحيلاً على الطفل في إظهار موهبته الفنية، وهو الذي ينتمي لعائلة دينية معروفة بعائلة "المشايخ"، ومع ذلك شجعته والدته واشترت له عودًا، ليُمارس هوايته في أطراف الجبل الأخضر بعيدًا عن الأعين.


فيروز ونصري شمس الدين

واصل نصري مسيرته العلمية حتى حصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، ولاشك أن هذه الدراسة قد أثرت على طريقة غناءه فيما بعد ليخرج الصوت قويًا خاليًا من عيوب النطق، وعمل مدرسَا للغة العربية في أحد المدارس بمزارع شبعا، وأسند إليه الإشراف على الحفلات الموسيقية، بعد أن أدى عزفًا منفردًا على العود، وخيره مدير المدرسة بين تدريس اللغة أو الموسيقى فاختار عشقه الأول، وانتصر نصري الفنان على الأديب واختار الموسيقى.

السفر إلى القاهرة

أدرك نصري أنه لن يحظى بفرصة حقيقية تتيح له الانتشار إلا بالسفر إلى بيروت فانتقل إليها، وهناك ظهرت له أول بادرة أمل حقيقية بالسفر إلى  القاهرة "هوليوود الشرق"، وتعاقد للعمل مع أستوديو نحاس، فرأى نصري إن العمل هناك قد يكون الباب إلى الشهرة الواسعة، وارتسمت أمامه تجارب الشوام في سماء الفن بالقاهرة مثل فريد الأطرش وشقيقته أسمهان ونور الهدى وصباح ونجاح سلام وغيرهم.


فيروز ونصري شمس الدين

الموهبة وحدها لا تكفي

بمرور الوقت خاب مسعى شمس الدين بالقاهرة، وأدرك أن العمل بالموسيقى والغناء لا تكفيه الموهبة ما لم تستند على دراسة أكاديمية، فقرر السفر إلى بلجيكا لمتابعة دراسة الموسيقى ليعود إلى لبنان حاملاً دبلوماً في الموسيقى والغناء، لكن مساحات العمل الفني في ذلك الوقت كانت ضيقة؛ مما اضطره إلى العمل في مركز الاتصالات الهاتفية ببيروت.


فيروز ونصري شمس الدين

إذاعة الشرق الأدني ولقاء فيروز والرحابنة

وبينما كان نصري يُطالع الصحف كعادته صبيحة كل يوم، لفت نظره إعلان من إذاعة الشرق الأدنى تطلب مواهب جديدة في الغناء، اندفع شمس الدين مُلبيًا النداء، كان الاختبار صعبًا مع لجنة تحكيمية مؤلفة من الأخوين رحباني "عاصي ومنصور"، وأستاذهما المُلحن الكبير حليم الرومي، والد الفنانة ماجدة الرومي ومكتشف فيروز والرحابنة، ونجح نصري عن جدارة واستحقاق، وبدأ مشواره الفني مع فيروز وآل رحباني في أغنياتهم ومسرحياتهم وأفلامهم بدءًا من الخمسينيات وحتى عام 1978م.


فيروز ونصري شمس الدين

المسرحيات والإسكتشات

بدأ التعاون بين فيروز ونصري من خلال الاسكتشات الغنائية مثل "براد الجمعية، والحلوة والأوتوموبيل"، وأحيانا أخرى بمشاركة وديع الصافي كما في اسكتش "المصالحة"، والسهرة التلفزيونية "حُب" وأوبريتات "مواسم العز" و"جسر القمر"، ثم واصلا الإبداع من خلال المسرحيات الغنائية الكاملة، والتي تجاوزت الـ 20 مسرحية خلال فترتي الستينيات والسبعينيات، لعل أبرزها (هالة والملك، الشخص، المحطة، صح النوم،  ميس الريم،  لولو، بترا).


فيروز ونصري شمس الدين

سينما فيروز ونصري

ولا يُمكن تخطى فترة الستينات دون التطرق إلى "سينما فيروز" من خلال ثلاثيتها الشهيرة "بياع الخواتم" إنتاج عام 1965م من إخراج يوسف شاهين، و"بنت الحارس" و"سفر برلك" وكلاهما إنتاج عام 1967م، وهما من إخراج هنري بركات، كانت هذه التجربة بمثابة الظهور الأول لرفيق نجاح فيروز أمام العلن، بعيدًا عن أثير الراديو والأسطوانات، فقد كان نصري غير مهتم بالظهور الإعلامي، منصرفًا إلى فنه فقط.


فيروز ونصري شمس الدين

القصص السينمائية لأفلام فيروز لم تخرج عن إطار "القرية الرحبانية"  أو الضيعة التي تستند لمبادئ المدينة الأفلاطونية، فلا تسمع إلا الألحان بين ربوعها، ولا صوت يعلو فوق صوت الحب، وقد أدى نصري في فيلم "بياع الخواتم" و"سفر برلك" دور "المختار" وهو كبير القرية، الذي يسهر على نشر السلام بين أفرادها، ويقف في وجه أي محاولة لتكدير هذا السلم، ففي "بياع الخواتم" يقف في وجه اللصوص الذين حاولوا إشاعة الخوف في "عيد العزاب" وهو موسم تلاقى الشباب والشابات من أجل التعارف للزواج، وينتهي الأمر بأن يتم القبض على هؤلاء اللصوص، وتتزوج ابنة أخته "فيروز" من أحد أبناء راجح "بياع الخواتم".

وفى "سفر برلك" وهو فيلم مأخوذ عن قصة واقعية حول قرية محاصرة جوعا أثناء الحرب العالمية الأولى، يدعم نصري رجال المقاومة الذين يواجهون القوات التركية التي تحاصرهم، حتى تصل شحنة القمح إلى القرية المحاصرة، أما فيلم "بنت الحارس " فيقوم بدور والد نجمة" فيروز" الذي يتم إقصاؤه من حراسة المدينة التي تقع في الفوضى، وتدخل ابنته في قصة حب تنتهي بعودته إلى وظيفته ليعود الآمان إلى المدينة من جديد.


فيروز ونصري شمس الدين

لقد شدت فيروز في هذه الأفلام أكثر أغانيها شهرة على الإطلاق، كانت تتفاءل بوجود نصري إلى جانبها مثل "يا مرسال المراسيل، نسم علينا الهوى، وبياع الخواتم، وعلموني هني علموني، ويا عاقد الحاجبين، وطيري يا طيارة، وأم سليمان، وغيرها من الأغنيات".

ومع بداية السبعينات تعرضت مدرسة الرحابنة لمحنة قاسية مع إصابة عاصي بنزيف حاد في المخ منعه من الكلام والحركة، واضطر منصور الرحبانى وفيروز ومعهما نصري في إعادة أداء اسكتشات قديمة، وقفت فيروز لأول مرة تغنى بدون زوجها عاصي، فأبكت القلوب قبل الأعين بأغنيتها الشهيرة التي لحنها نجلها زياد الرحبانى "سألونى الناس عنك يا حبيبي..خطوا المكاتيب، أخدها الهوى..يعز علىّ غنى يا حبيبي لأول مرة ما بنكون سوى" فنجحت نجاحًا كبيرًا، وزالت الغُمة بشفاء عاصي، لتضيء أنوار مسرح "البيكاديلى" في لبنان من جديد عام 1974مع أكثر مسرحيات فيروز شعبية "ميس الريم" وكالعادة تصدر نصري مشهد البطولة كما كان، وشدا بأغنيته الشهيرة "يا مارق على الطواحين والمياه مقطوعة .. خايف تدور الطواحين، والحلواية توعى".


نصري شمس الدين

لقد أدت فيروز أعظم أغانيها مثل "كنت نتلاقى، كان الزمان وكان، ميس الريم، آخر أيام الصيفية، حبوا بعضن، نطرونا كتير"، وغيرها يصاحبها نصري مغنيًا ومؤديا، وبعدها بعامين أطلقت فيروز سلسلة حفلاتها في مصر، وجاء معها نصري وسائر الرحابنة، ونصري، وشدت فيروز بأغنيتها الشهيرة لمصر "مصر عادت شمسك الذهب".

مسك الختام بين فيروز ونصري والرحابنة كانت مسرحية "بترا" عام 1978م حين أدى أمام فيروز دور "الوزير ريبال" حينها كان الخلاف بين فيروز وعاصي قد وصل إلى طريق مسدود، وأنهى الطلاق بينهما عصرًا كاملاً من الإبداع.


نصري شمس الدين

نصري شمس الدين دون فيروز للمرة الأولى

شكل هذا الطلاق طلاقًا بين الرباعي الأشهر في تاريخ الأغنية اللبنانية " فيروز، عاصي، منصور، نصري " فطوال رحلته الغنائية اكتفى شمس الدين أن يكون ظلا لفيروز والرحابنة، فوجد نفسه فجأة أمام الجمهور، فتعامل مع الموقف بشجاعة تناسب مع فداحته، وشدا المواويل و الأغاني منفردًا، واعتمد على ألحانه وألحان كبار موسيقى لبنان زكى نصيف، وفيلمون وهبى، وملحم بركات، وأطلق ألبومه الأول "أغاني الطربوش" معتمدًا على زيه التقليدي الذي عرفه الجمهور به.

وخلال هذه الفترة غنى نصري لوطنه الجريح لبنان، ورفض أن يغادر بيروت طيلة الحرب الأهلية والغزو الإسرائيلي عام 1982م، كان مجروحًا من تلك النكبات التي أصابت وطنه ورفاقه من الرحابنة، وتذكر مزارع شبعا المحتلة، الذي بدأ منها مدرسًا للموسيقى ومغنيًا يبحث عن الشهرة، كان يرى أن سلواه الوحيد هو أن يُغنى، ولو كان وحيدًا حتى آخر عمره، وقد كان، فقد توفى وهو يغنى على المسرح في يوم 18 مارس عام 1983م، وظنه الجمهور يُمثل، لكنها كانت الفجيعة المُرة.


نصري شمس الدين

العودة إلى الوطن

وبين ويلات الحرب وأصوات القنابل، حُمل نعش نصري على "سيارة أجرة" ليوارى الثرى في بلدته "جون" بين تلال جبل لبنان، مرعى أحلام صباه، ترك نصري أكثر من خمسمائة عمل غنائي بين اسكتشات وأغاني ومواويل ومسرحيات، ولعل أبرز أغانيه "يا مارق على الطواحين، موال يا دروبي، أغنية الطربوش، سامحينا، لاقطفلك وردة حمرا، ويا طير يا طاير على فلسطين" وغيرها من الأغاني، وحصل على عدة أوسمة من لبنان، ومصر، والكويت، وسوريا، والأردن، والبرازيل وباريس.

رثاء فيروز

ومثلما غنت فيروز عن مرض عاصي، غنت باكية "سألوني الناس" على رحيل نصري، ولعل نعيها له أبلغ استحقاق ناله نصري حيث بكته بحُرقة قائلة:"غيابك بكّاني يا نصري..كنت قول إذا غبت: بكرا بيرجع..ما سبق وطلعت على مسرح ببلدي، وأنت مش معي..اليوم..لا وجهك، ولا صوتك، ولا قلبك اللي بيشبه الذهب، راح يكونوا معي..بالماضي، عالمسرح، كنت أنطرك بفرح..اليوم رح اتذكّرك بحزن..نصري..يا رفيقي الوفي وفنّاني الكبير، في شيء بفنّي زاد، لأنك جيت..وفي شي بفنّي نقص، لأنك رحت..كنت ربحي الكبير، وخسرتك يا نصري . 


نصري شمس الدين

نصري شمس الدين

نصري شمس الدين

نصري شمس الدين

نصري شمس الدين

نصري شمس الدين

نصري شمس الدين
   

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: