Close ad

الأوقات الأصعب قادمة!

26-6-2024 | 10:36

يبدو المشهد في الشرق الأوسط وكأنه يراوح مكانه؛ حيث قوات الاحتلال غارقة في مستنقع غزة، وحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى ترفض تبادل الرهائن دون وقف دائم للحرب الهمجية الإسرائيلية، ويبدو وضع "حرب الاستنزاف" ملائمًا لقوى المقاومة، فهي فيما يبدو ترى أن استنزاف الاحتلال، وإنهاكه، وتفجير الخلافات داخله هو أقصى ما يمكنها أن تفعله، وفي الوقت نفسه فإن "حزب الله" وبقية القوى الموالية لإيران في سوريا والعراق واليمن تشارك حماس هدف إطالة أمد الحرب، وخوض حرب استنزاف طويلة الأمد وبتكلفة عالية، وسط حرص شديد على عدم تفجر الوضع لحرب إقليمية واسعة النطاق.

وفي المقابل فإن رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو محاصر بدعاوى فساد، ومذكرات اعتقال تودي به إلى السجن بتهم جرائم حرب وجرائم عار، وهو أيضًا محاصر بعجزه عن سحق حماس والمقاومة، وعدم تحرير الرهائن، بل موتهم بأيدي قواته، وعدم استعادة الردع ولا هيبة الجيش الذي بات يقهر، وتموت قواته حرقًا. 

وباتت إسرائيل محاصرة بسؤال عريض: هل هذه الدولة الوظيفية التي تخدم وتحمي مصالح أمريكا والغرب، باتت عاجزة عن أداء المهمة، ولم تعد قادرة على حماية نفسها، والأخطر هل باتت قوى التطرف بها تدفع في اتجاه حرب دينية تحمل مخاطر زوال إسرائيل؟

.. ومن الواضح أن الأوقات الأصعب قادمة لا محالة، وباتت القوى الفاعلة في المنطقة، سواء الإقليمية أو الدولية تعيد حساباتها بشأن ما إذا كان من الممكن تبريد الوضع وتجاهل القضية الفلسطينية، وما إذا كانت إسرائيل باتت عبئًا لا مصدر قوة، وهل "الحياد ممكنًا"، وهل ينتقل صراع الغرب وروسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران للمنطقة من "بوابة غزة"؟!

.. وأحسب أن إدارة بايدن رغم كل البلاغة، والحرص على ترميم صورتها القبيحة بدعمها جرائم الإبادة فهي مستمرة في تمويل وتزويد الاحتلال الإسرائيلي بكل ما يلزمه من أسلحة فتاكة لإنهاء المهمة، وفي المقابل فإن نتنياهو؛ سواء بدافع الحصار ورغبته في البقاء في السلطة؛ لتجنب السجن، أو وهذا هو الأخطر، إدراكه من تجربة زيلينسكي في أوكرانيا أن واشنطن والغرب لن يسمحا "بهزيمة أوكرانيا"، وبالتالي بايدن وترامب والدولة العميقة وأوروبا لن يسمحوا بهزيمة إسرائيل.

ومن هذه الوقائع الظاهرة على الأرض بات الغرب " رهينة نتنياهو"، وأغلب الظن أننا أقرب لمحاولة "الهروب إلى الأمام"، وهذه المرة إلى لبنان، وشن حرب ضد حزب الله.

.. وتبدو التطورات على الأرض وحالة الانسداد الراهنة، تدفع باتجاه التصعيد، وذلك على الرغم من أن القوى الأساسية في المنطقة لا تريد أن يمتدّ الصراع إلى أجزاء أخرى، لكنها عالقة في مواقف قد تقودها نحو الاتجاه المعاكس.

.. والآن نحن نشهد تصعيدًا كبيرًا، وتهديدًا متبادلًا بين إسرائيل وحزب الله حول إشعال الحرب علي الجبهة اللبنانية، وسبق أن حذرت طهران، على لسان وزير الخارجية الإيراني الراحل، من أن هذا التطور سيدفع حزب الله إلى فتح جبهة شمال إسرائيل والجولان. 

تري هل هذه أمنية نتنياهو تتحقق، فهو من زمن بعيد يبحث بأي طريقة عن نزاع يمكن أن يمتدّ إلى سائر الشرق الأوسط؟! ولا يسعى فقط لتورط الغرب وواشنطن بل الدول العربية في حرب واسعة ضد إيران والقوى الحليفة لها في المنطقة وخارجها.

 .. وتبدو التطورات الميدانية مهيأة للتصعيد لا التهدئة حتى الآن، فنحن نرى "حماس" تواجه تهديدًا وجوديًا لا رجعة عنه في غزة، و"حزب الله" والقوى المساندة تعمل على إشعال جبهتَي لبنان والجولان لتشتيت إسرائيل. 

وقد تتطور الأمور وتذهب الميليشيات العراقية إلى الانتشار في سورية أو لبنان دعمًا لحزب الله، ولا سيما أن هذه الميليشيات كانت تتحضّر تحديدًا للتدخل في لحظة كهذه. 

وقد تدفع هذه الخطوات إسرائيل إلى تكثيف قصفها وتورطها في سوريا، وربما حتى في داخل العراق، لكن الأمر الأهم للإيرانيين هو وجود القوات الأمريكية على طول الحدود السورية العراقية، واحتمال تدخّلها لمنع الميليشيات العراقية أو حتى الإيرانيين من تعزيز حزب الله عسكريًا. 

ويقول الخبراء إن ما يزعج طهران هو أن الولايات المتحدة أرسلت مجموعتَين من حاملات الطائرات إلى شرق البحر المتوسط، في رسالة ردع من إدارة بايدن مفادها أنها لن تسمح  لمحور المقاومة بتوسيع دائرة الحرب على إسرائيل.

وحرص المتحدّث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي مرارا على القول "إننا نوجّه رسالة قوية وواضحة، وهي أن الولايات المتحدة مستعدّة لاتخاذ إجراءات إذا فكرت أي جهة معادية لإسرائيل بمحاولة التصعيد أو توسيع نطاق هذه الحرب".

إذن، تبدو كل المكوّنات جاهزة لإشعال انفجار كبير في الشرق الأوسط، فالحكومة الإسرائيلية تنوي إنهاء وجود حركة حماس في غزة؛ ومحور المقاومة يتدخّل من الجبهتَين اللبنانية والسورية للحفاظ على قوة الردع، وحماية حماس التي تشكّل رصيدًا سياسيًا وعسكريًا مهمًّا لإيران في المنطقة؛ والولايات المتحدة تبدو عازمة على الدفاع عن إسرائيل مهما كان الثمن، ما يعني أن إيران قد تُضطر في لحظة ما إلى التورط بشكل مباشر في الصراع للحفاظ على نفوذها الإقليمي.

لكن، إذا كان الخيار في يد إيران، فستفضّل على الأرجح عدم جرّ "حزب الله" إلى حرب ضدّ إسرائيل والولايات المتحدة، لأن هذه الخطوة من شأنها أن تُضعف حليفها الأساسي  في المنطقة.

وفي الوقت الذي تفرض عمليات الإبادة والدمار في فلسطين تحديات كبيرة على العواصم العربية، ويختبر صبرها بشدة، ويفجر موجات غضب لدى الرأي العام العربي فإن دمارًا مماثلًا في لبنان وبعض دول الخليج وربما الأردن قد يدخل المنطقة في متاهة كبرى.

.. وأغلب الظن أنه إذا تعرّض لبنان ودول عربية أخرى للدمار، فلا أحد يمكنه أن يجزم بأن إسرائيل وإيران، بل ودول أخرى كقبرص لن ينالها قدر كبير من الخسائر والدمار، وهذا ما قد يحدث على الأرجح.
 
.. وفي المقابل الأمر الأغلب أن تهتزّ بشدة  وضعية حزب الله على الساحة اللبنانية، وقد تؤدّي هذه النتيجة، مقرونةً بهزيمة حماس في غزة، إلى وضع تخسر فيه إيران ومحور المقاومة الكثير من المكاسب التي حقّقها خلال السنوات الماضية، وحتى لو لم تحقق إسرائيل انتصارها الساحق، ولو لم يُهزَم محور المقاومة بشكل كبير فإن الأمور في اليوم التالي لن تكون مثل ما قبلها على الإطلاق لكل الأطراف. 

نحن أمام سيناريو"خاسر خاسر"؟!

وبعد تهديدات نصرالله إلى قبرص فإن أخطار الحرب في لبنان باتت تحتل الأولوية الآن، ووفقًا للخبراء اللبنانيين لا يبعث تقدم الجبهة اللبنانية إلى أولويات المحادثات والاتصالات الأمريكية والإسرائيلية على الاطمئنان، بل على العكس تمامًا، إذ إنه تطور ينذر بتعاظم احتمالات خطر اندلاع الحرب الشاملة التي يظهر الجانب الأمريكي -تحديدًا- اندفاعًا قويًا لمنع حصولها، ولكن التطورات الميدانية الأخيرة التي واكبت جولة الموفد الأمريكي آموس هوكشتاين بين تل أبيب وبيروت أبرزت تراكم المزيد من التعقيدات أمام المسعى الأمريكي، ولو أن الأيام التي تلت جولة هوكشتاين أظهرت عودة الطرفين، إسرائيل و”حزب الله”، إلى التقيد بوضوح بقواعد اشتباك غير معلنة تحت ستار تصعيد الحرب الكلامية بينهما.

.. ويبقى أن الحكمة تقتضي توقع الأسوأ والعمل على تجنبه، لا تمني الأفضل وانتظار تحققه، وأغلب الظن أن هناك طرقًا بديلة يمكن أن تسلكها الأطراف الإقليمية الفاعلة لتفادي التورّط الكامل في الحرب. 

وأحسب أن الأمر يتطلب جهودًا مكثفة لإنهاء حرب غزة، ووقف إطلاق النار، وبدء تسوية سياسية، وإرسال رسالة واضحة لواشنطن للجم إسرائيل، والتأكيد لإيران على عدم الرغبة بإشعال المنطقة، وتفضيل الحلول السلمية للنزاع، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا في اللحظة الراهنة، فيمكن  لحزب الله وحلفاء طهران الآخرين حصر عملياتهم بالمنطقة الحدودية الواسعة، لتقييد القوات الإسرائيلية، إنما من دون تجاوز الخطوط الحمر من خلال قصف أهداف إستراتيجية ومدن إسرائيلية، ولا تصعيد التهديدات مثلما جرى ضد قبرص؛ مما يهدد بتدويل الحرب. 

وعلى أي حال يرى كثير من المراقبين أن "الأوقات الأصعب قادمة".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: