Close ad

صالح جودت.. شاعر الوطن ومداح الزعماء وصاحب «الثلاثية المقدسة»

22-6-2024 | 10:35
صالح جودت شاعر الوطن ومداح الزعماء وصاحب ;الثلاثية المقدسة;الشاعر صالح جودت
أحمد عادل

داعبت رقة كلماته قلوب الملايين عبر عشرات الأغاني العاطفية، فمن ينسى "حكاية العمر كله" لفريد الأطرش، و"رايداك والنبى رايداك" لليلى مراد، و"يا نخلتين في العلالى" لوردة، و"قاهرتى" لفايزة أحمد، و"أنشودة الفن" لمحمد عبد الوهاب، و"الثلاثية المقدسة" لكوكب الشرق أم كلثوم. 

كتب للحب، وأنشد للوطن، ومدح الزعماء، وأجاد في كل هذا وذاك، وكيف لا والإجادة والجودة جزءًا من اسمه؟!.. إنه الشاعر الكبير صالح جودت، تلميذ أمير الشعراء و"مداح الملوك والزعماء".

وُلد الشاعر والكاتب الكبير صالح جودت، في الثاني عشر من الشهر الثاني عشر"ديسمبر" من العام الثاني عشر للقرن العشرين (12/12/1912) بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، منتميًا لأسرة متوسطة الحال، يعمل عاهلها كمال الدين جودت، مهندسًا زراعيًا، ما جعل أسرته دائمة الترحال بين أقاليم القُطر المصري، وهذا ما ترك أثرًا كبيرًا في نجله صالح، حيث أصبح واحدًا من كبار كُتاب أدب الرحلات.

وما أبصر الطفل الصغير النور، حتى وجد مكتبة والده الضخمة تزدان أرففها بنفائس ونوادر الكتب، فراح يقلب في دواوين الشعر لكبار الشعراء، من أمثال المتنبي، البحتري، وأبى نواس، غير أن ارتباطه بقصائد أمير الشعراء أحمد شوقي، فاق الجميع.

تلقى صالح دراسته الابتدائية بمدرسة مصر الجديدة الابتدائية بالقاهرة، ثم حصل على البكالوريا من المدرسة الثانوية بالمنصورة، وفى المنصورة تعرف على أقرانه من شعراء "أبوللو"، مثل، علي محمود طه، وإبراهيم ناجي، ومحمد عبد المعطي الهمشري، حيث تصادف إقامتهم فيها، إما للعمل، أو للدراسة، في الفترة من سنة 1927 إلى سنة 1931م، كما التقى بإمبراطور القصائد العربية الموسيقار رياض السنباطى، الذي لحن من كلمات صالح جودت أكثر من قصيدة لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، فيما بعد.

وأثناء دراسته بكلية التجارة، أصدر صالح جودت ديوانه الأول، ونظرًا لإيمانه الشديد بالمذهب الشعري لأمير الشعراء أحمد شوقي، فقد انضم إلى مدرسة "أبوللو" الشعرية، التي تعلى من الرومانسية في الشعر، وذلك منذ اجتماعها التأسيسي في العاشر من أكتوبر عام 1932م، برئاسة أمير الشعراء، أحمد شوقي، في قصره "كرمة ابن هانئ".

عمل صالح جودت في بداية حياته مُحاسبًا ببنك مصر، بحكم دراسته التجارية وحصوله على الماجستير في العلوم السياسية، إلا أنه سرعان ما دخل بلاط صاحبة الجلالة من باب "الأهرام"، حيث عمل محرراً بها في بداية حياته، ثم عمل بمجلة "الإذاعة"، صاحبة الصيت الذائع أثناء الملكية، وكان له باب ثابت تحت اسم "في حقيبة الرسائل"، وكان يختتمه بتوقيع "ص . ج"، حيث تصور البعض أنه توقيع صلاح جاهين، ثم انتقل جودت إلى "دار الهلال" حيث استقر بها لسنوات طويلة، حتى عُيِّن سنة 1971م رئيساً لتحرير "مجلة الهلال"، كما أصدر "مجلة الزهور" ليكتب فيها الأدباء الشبان.

توثقت الصلات الفنية بين صالح جودت وكبار الفنانين، منذ بداية عقد الأربعينيات، حينها كانت صورة الفنان لا تعدو كونه "المشخصاتى" الذي تسخر منه فئات المجتمع المصري، لاسيما الراقية منها، حينها التقى مع صديقه القديم الموسيقار محمد عبدالوهاب، الذي طالما التقاه في جلسات أمير الشعراء شوقي بك، واتفقا على ضرورة إعادة الاعتبار للفن والفنانين، وكانت أغنية "الفن" التي تقول كلماتها "الدنيا ليل والنجوم طالعة تنورها.. نجوم غير النجوم من حسن منظرها.. ياللى بدعتوا الفنون.. وبإيديكوا أسرارها.. دنيا الفنون ده خميلة.. وانتم أزهارها.. والفن دنيا جميلة وانتوا أنوارها"، ثم انصرفت الأغنية إلى مدح الملك فاروق الفن مين يوصفه إلا اللي عاش في حماه.. والفن مين يعرفه إلا اللي هام في سماه..والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه ..والفن مين شرفه غير الفاروق و رعاه".

نجحت الأغنية كثيرًا، وباتت تلك الأغنية التي كتبها صالح جودت، أشبه بالنشيد الوجودي للفن والفنانين في مصر، وقاد هذا المدح الذي نظمه جودت في الملك فاروق، لأن يكون "مداح الملوك والرؤساء" في القرن العشرين، وربما أرجع البعض تلك النزعة إلى تأثره بأستاذه أحمد شوقي شاعر القصر.

وعلى امتداد المسيرة الشعرية لصالح جودت، نجد قصائد في مدح الملوك والرؤساء مثل قصيدة "يا رفيع التاج"، والتي غناها عبدالوهاب بمناسبة زيارة الملك عبدالعزيز آل سعود لمصر، والتي تقول كلماتها "يا رفيع التاج من آل سعود.. يومنا أجمل أيام الوجود".

وحين قام ملك العود الموسيقار فريد الأطرش، بإحياء حفل زفاف صديقه الملك الأردني الحسين بن طلال، على الملكة دينا، غنى من كلمات صالح جودت "يا أغلى من أمانينا.. وأحلى من أغانينا.. يا زينة الدنيا يا دينا".

وبعد قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو، انبرى جودت في الدفاع عن الثورة والتغني بإنجازاتها، فقد غنى له عبدالوهاب "حرية أراضينا فوق كل الحريات"، وحينما حلت ذكرى مؤسس الاقتصاد القومي طلعت باشا حرب، غنت كوكب الشرق أم كلثوم من ألحان رياض السنباطى، وكلمات صالح جودت، وهو الذي عمل في طليعة شبابه ببنك مصر، أحد الصروح التي شيدها حرب، وتقول كلمات القصيدة "يا شباب الثورة البيضاء في الوادي الأمين.. اذكروه خلدوه فـي كتــاب الخالدين.. ثائـرٌ لا تنتهي آمالهُ.. خالدٌ لا تنطوي آجالهُ.. قلتُ لما لم يُقَـم تمثالُه ..خيرُ تمثالٍ له أعمـالهُ ..مالنا في كل جيلٍ مالهُ وبإعناق الورى أفضالُهُ.. إنْ يكن ضاعَ مـع الطغيـان أجـر المحسنين..فاذكـروهُ خلـدوهُ فـي كتاب الخالـدين".

وإثر نكسة عام 1967م، خرجت الجماهير تطالب الرئيس جمال عبد الناصر، بالعدول عن التنحي، وغنت أم كلثوم مرة أخرى من كلمات جودت، وألحان السنباطى: "قم واسمعها من أعماقي.. فأنا الشعب.. ابق فأنت السد الواقي لمُنى الشعب.. ابق فأنت الأمل الباقي لغد الشعب.. أنت الخير وأنت النور.. أنت الصبر على المقدور.. أنت الناصر والمنصور.. ابق فأنت حبيب الشعب".

ذلك المدح للقادة، لم يمح صورة "الوطن" الذي كان حاضرًا وبقوة في أعمال صالح جودت، ومنها قصيدة "قاهرتى" لفايزة أحمد، وألحان زوجها الموسيقار محمد سلطان، والتي تقول كلماتها "أحبه. أعشقه.. أُزهى به للأبد.. وخير ما أشدو به .. أنى أحب بلدي.. يا جنتي يا كوثرى.. يا هبة النيل الثرى.. يا بهجة نائمة على بساط أخضر.. يا شعلة دائمة على طريق الأعصر.. حبيبتي قاهرتي لن تغلبي لن تقهري".

ولا يمكن إغفال رائعة أخرى كتبها جودت، وأبدعها سلطان وفايزة، وهى قصيدة "شارع الأمل" بلادنا ضفافها مُذهبة.. بوردة وفُلة وسوسنة.. وهيكل وقبة ومئذنة.. تُشرق منها الصلوات المؤمنة.. وكم تصدت للحشود المشركة.. وانتصرت في ألف ألف معركة.. ونحن للنضال لم نزل.. فكيف تستكين للفشل.. وبيتنا في شارع الأمل".

هكذا كان شأن الوطن في شعر جودت، أما بالنسبة لقصائده وأغانيه العاطفية الناجحة، فهي أكثر من أن تعد أو تُحصى منذ طليعة الأربعينيات، فقد أنشد له فريد الأطرش قصيدة "يا زهرة في خيالي.. راعيتها في خيالي.. جنت عليها الليالي.. وأّذبلتها الأيادى.. وشاغلتها العيون.. فمات سحر الجفون"، وغنى له أيضًا قصيدة "اسأل الفجر والغروب.. واسأل الشمس والقمر.. أي غيب على القلوب خطّـه كاتب القـــــدر"، وغنى له فريد أغنيته الشهيرة "يا شمس قلبي وضله.. يا فرحة عمري كله"، وأغنية "يا مالكة القلب في إيدك ده عيد الدنيا يوم عيدك"، كما كتب لفريد الأوبريت الشهير "الشرق والغرب" الذي غناه رفقة أخته أسمهان.

ساهم جودت في نجاح بعض الأغاني لليلى مراد، مثل أغنية "المياه والهوا" و"رايداك والنبى رايداك " التي شدت بهما في فيلم "شاطئ الغرام"، كما وضع لمحمد فوزي عدة أغان شهيرة، مثل "يا جارحة القلب بعيونك" ولغة الورود، وغنت شادية من كلماته وألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب "أحبك.. أحبك.. وأضحى لحبك بأعز الحبايب"، أما العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، فقد غنى له ومن ألحان عبدالوهاب أيضًا "الويل.. الويل".

وضع صالح جودت كلمات أغاني الفيلم الشهير "ألمظ وعبده الحامولى"، فقد غنت شادية من ألحان فريد الأطرش "روحى وروحك حبايب"، ومن ألحان بليغ "يا نخلتين في العلالى"، ومن أنغام عبدالوهاب "اسأل دموع عينيا"، فيما تغنى عادل مأمون بأغنيته الشهيرة من ألحان كمال الطويل "ياللى سامعنى.. قول يا نور عيني.. إن كنت بايعني ولا شارينى".

الأغانى الدينية كان لها نصيبها من عطاء جودت، ولعل أشهرها على الإطلاق "الثلاثية المقدسة" لكوكب الشرق أم كلثوم من ألحان الموسيقار العملاق رياض السنباطى، والتوزيع الموسيقى لعبدالعظيم حليم، قائد فرقة النيل الموسيقية، حيث امتزجت المسحة الصوفية والمشاعر الدينية المتدفقة لترسم ثلاث لوحات لرحاب المسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف، وصولاً للقدس الشريف، في واحدة من أعذب القصائد الدينية، فيقول في القدس على سبيل المثال: "من مهبط الإسراء في المسجد.. من حرم القدس الطهور الندي.. اسمع في ركن الأسى مريما.. تهتف بالنجدة للسيد.. واشهد الأعداء قد احرقوا.. رُكنا مشت فيه خطى أحمد.. وأبصر الأحجار محزونة.. تقول واقدساه يا معتدي".

حصل صالح جودت على جائزة العلوم والفنون، وجائزة الدولة التشجيعية في الآداب، بالإضافة إلى ميدالية العلوم والفنون، وترك عدة دواوين شعرية هي:"ليالى الهرم، أغنيات على النيل، حكاية قلب، ألحان مصرية، الله والنيل والحب"، فضلاً عن كتبه في أدب الرحلات، مثل "قلم طائر، أساطير وحواديت، ملوك وصعاليك"، فضلا عن عدة روايات وقصص قصيرة، وبعض المؤلفات الأدبية، ورحل في 22 يونيه عام 1967م.


الشاعر صالح جودت الشاعر صالح جودت
كلمات البحث
الأكثر قراءة