Close ad
17-6-2024 | 17:53

العيد في مصر له طابع خاص يختلف كثيرًا عن أغلب البلدان، والعيد في القاهرة القديمة بمنازلها العتيقة، بشوارعها وحاراتها، وأحيائها الشعبية الأصيلة التي دأبت على الترحيب به ترحيبًا يليق به، ويظهر فرحة القلوب العارمة بمقدمه بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة، لتجعله مختلفًا للغاية عن أي مناسبة أخرى، إنهم يخرجون لاستقباله كضيف عزيز تشرق ملامحه المبهجة وتهب رياحه الطيبة فتتجلى علينا أنواره بزيارته الغالية لنا مرة واحدة في السنة. 

تعلمنا منذ طفولتنا كيفية الاستعداد له، والتحضير من أجله والتعبير عن غمرة فرحتنا بمجيئه، فرحة مكتملة لا نقص فيها، فرحة لا يعكر صفوها شيء، كانت الأعياد اختبارًا لنا ولحسن أدبنا ودماثة خلقنا المدعومين برصيد هائل من اتباع واضح وصريح لعادات وتقاليد ورثناها عن آخرها من آبائنا وأجدادنا.

كنا نعلق ملابسنا الجديدة بجانبنا نتأملها ونتخيل أنفسنا ونحن نرتديها في الصباح حتى يتأخر النوم عنا بل وقد يفارق أجفاننا، نتجمل ونتزين للقاء الزائر الذي يحزم حقائبه ويجلب لنا معه الخير والبشرى، نعد روايتنا التي تناسبه ونكتب تفاصيل قصتنا معه وحوارها بأنفسنا، نحتفل به كل بحسب موقعه وبحسب موارد أسرته، الرضا بالقليل كان يضمن لنا تحقيق متعتنا، الفرحة التي تحملنا معها فوق أجنحتها لم تعد بعيدة عنا، فالعيد قربها منا وقربنا منها. 

يأتي الصباح وتشرق شمس أول أيامه لتخبرنا بأن الفرح قادم، تنادينا أن قوموا واستعدوا لاستقباله.

وها هو أول طارق لباب شقتنا، نعرف صاحبه تمام المعرفة فهو الذي اعتاد زيارتنا مبكرًا بعد أن قام بأداء صلاة العيد، وحمل لنا معه بعض الحلوى ومبالغ من المال تبدو زهيدة، لكنها كانت ممتلئة بالبركة، نأخذها على استحياء ونشكر من أعطاها لنا نستمتع جدًا بملمسها الناعم، فهى تشبه فراشات ترفرف بأجنحتها من حولنا، فتسعدنا بجمالها وخفة حركتها وتبهج بألوانها الزاهية نفوسنا. 

وتعد كل أم من الأمهات نفسها إلى إضافة دور جديد بالإضافة إلى أدوارها، فكل يوم من أيام العيد كان له خط سير مختلف عن نظيره، كم كانت زيارات الأهل والأصدقاء يسيرة، فهى لم تكن بمثل هذه التفاصيل المرهقة، اليسر كان أسلوب حياتنا، وبركة الأيام كانت تمد لنا يدها لتساعدنا على إنجاز العديد من الأعمال في اليوم الواحد، فالوقت حينها لم يكن يقارن بوقتنا أو زمننا. 

التنزه مع الأهل والأصدقاء كان يسعد قلوبنا ويمنحنا سعادة لا تقارن بسعادة أحد غيرنا، المال البسيط الذي كان بحوزتنا يشعرنا بالثراء؛ فكل ما نود شراءه أصبح سهلًا وفي متناول يدنا، على قدر أمنياتنا كانت تنسج أحلامنا خيوطها القابلة للتنفيذ بما نملكه، وبما نحمله في جيوبنا أو بداخل حقائب يدنا.  

هذا هو عيدنا الذي كنا نحياه ونعرفه، هذا هو عيدنا الذي كان يمر علينا كالنسيم من رقته، يملأ أوقاتنا بالأمل، يحل حقائبه الممتلئة بالهدايا ليلقي بها إلينا، لا ينتظر منا سوى ضحكات بريئة ترتسم على وجوهنا، ولا يرجو من الكبار أكثر من إيجاد أفضل الطرق لإسعادنا. 

وها هى محلات اللعب تعرض من اليوم كل ما لديها، من دون رسالة ترسل بها إلينا كنا نفهم إشاراتها التي تدعونا فيها لزيارتها والشراء منها، أن أقبلوا أيها الصغار وعيشوا داخل مدينة أحلامكم المؤجلة، العيد أتاكم فهلموا لتحقيقها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
وسلامًا يا بلادي

أحس أنينكِ، أسمع شكواكِ، أشاهد حيرتك التي تملكتك، أعلم تمامًا مقدار حزنك الذي انفجر كفيضان ثائر عبر تلك الدمعات الغاليات التي تسكبينها تأثرًا وألمًا، شاهدتك هناك تبحثين عن شاطئ أمانك