Close ad

كسوة الكعبة والمحمل الشريف.. تاريخ الرحلة النورانية من وادي النيل إلى أرض الحرمين

15-6-2024 | 15:38
كسوة الكعبة والمحمل الشريف تاريخ الرحلة النورانية من وادي النيل إلى أرض الحرمينكسوة الكعبة في المتحف المصري للحضارة

حظيت الكعبة الشريفة على مر العصور بالكرامة؛ لما لها من مكانة وحُرمة في نفوس المسلمين، الأمر الذي جعل السباق في خدمتها على أشده؛ لنيل هذا الشرف تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى.

موضوعات مقترحة

تاريخ كسوة الكعبة المشرفة وألوانها

الدكتور عطية صقر أحد كبار العلماء الأزهر الشريف رحمه الله، قال عن كسوة الكعبة "أما كسوة الكعبة فقد قال ابن حجر فى فتح البارى إن هناك روايات فى تعيين أول من كساها، وتحصل من هذه الروايات ثلاثة أقوال، أنه إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ ، أو أنه عدنان أحد أجداد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو تُبَّع وهو أسعد اليمنى المذكور فى بعض الروايات، وحاول أن يجمع بينها فقال:"إن إسماعيل أول من كساها مُطلقًا بأى كساء، وإن عدنان أول من كساها بعده، وإن تُبعًا هو أول من كساها الوصائل وهى ثياب حبرة من عصب اليمن".

وتابع "هذا فى الجاهلية قبل الإسلام، أما فى الإسلام فقال ابن حجر بناء على رواية الواقدى أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كساها بالثياب اليمانية، ثم كساها عمر وعثمان بالقباطى المصرية، ثم كساها الحجاج بالديباج". 

وتحدث حسين عبد اللّه باسلامة فى كتابه (تاريخ الكعبة المعظمة) عمن تولوا كسوتها بعد ذلك حتى الحرب العالمية 1914 م ودور مصر فيها حتى أنشئ لها معملاً خاصًا فى السعودية.


كسوة الكعبة في المتحف المصري للحضارة

حكم بيع كسوة الكعبة

وأما حكم بيع الكسوة أو اقتناء شىء منها فقد تحدث عنه الكتاب المذكور، وذكر أن البخارى ترجم فى صحيحه لكسوة الكعبة ولم يذكر إلا رأى عمر فى قسمة ما يتعلق بالكعبة، وأن الحافظ ابن حجر ذكر من رواية الفاكهى فى كتاب مكة أن شيبة الحَجْبى قال للسيدة عائشة رضى اللّه عنها: إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر فننزعها ونحفر أبيارا فنعمقها وندفنها لكيلا تلبسها الحائض والجنب، فقالت: بئسما صنعت، ولكن بعها فأجعل منها فى سبيل اللّه وفى المساكين، فإنها إذا نزعت عنها لم يضرمن لبسها من حائض أو جنب، فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع له فيضعها حيث أمرته، فيؤخذ من ذلك جواز بيع كسوة الكعبة واقتناء أجزاء منها، ما دام ثمنها يصرف لصالح الكعبة والأمر فى ذلك لولى الأمر، وهذا رأى جمهور الفقهاء.

ولكسوة الكعبة تاريخ طويل من قبل الإسلام، وحتى وقتنا هذا:


كسوة الكعبة في المتحف المصري للحضارة

كسوة الكعبة قبل الإسلام

تعتبر كسوة الكعبة من أهم مظاهر الاهتمام والتشريف والتبجيل للبيت الحرام، وإن تاريخ كسوة الكعبة جزء من تاريخ الكعبة نفسها، فعندما رفع إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما أفضل الصلاة والسلام ـ، قواعد الكعبة المشرفة عاد إبراهيم إلى فلسطين، وذكر أيضاً أن (عدنان بن إد) الجد الأعلى للرسول – صلى الله عليه وسلم - هو أحد من كسوها، ولكن الغالب فى الروايات أن (تُبع الحميرى) ملك اليمن هو أول من كساها كاملة فى الجاهلية بعد أن زار مكة ودخلها دخول الطائعين، وهو أول من صنع للكعبة باباً ومفتاحاً، واستمر فى كسوة الكعبة فكساها بالخصف، وهى ثياب غلاظ، ثم كساها المعافى ثم كساها الملاء والوصائل، وخلفاؤه كانوا يكسونها بعده بالجلد والقباطى، وبعد تبع كساها الكثيرون فى الجاهلية، وكانوا يعتبرون ذلك واجباً من الواجبات الدينية. 

وكانت الكسوة توضع على الكعبة بعضها فوق بعض، فإذا ما ثقلت أو بليت أزيلت عنها وقسمت أو دفنت، حتى آلت الأمور إلى "قصى بن كلاب" الجد الرابع للرسول –صلى الله عليه وسلم- والذى قام بتنظيمها، بعد أن جمع قبائل قومه تحت لواء واحد، وعرض على القبائل أن يتعاونوا فيما بينهم كل حسب قدرته فى كسوة الكعبة، وفى غيرها مثل السقاية، وكانت الكسوة ثمرة الرفادة، وهى المعاونة تشترك فيها القبائل، حتى ظهر أبو ربيعة عبدالله بن عمرو المخزومى، وكان تاجراً ذا مال كثير وثراءٍ واسعٍ، فأشار على قريش أن اكسوا الكعبة، أنا أكسوها سنة، وجميع قريش تكسوها سنة، فوافقت قريش على ذلك، وظل كذلك حتى مات، وأسمته قريش العدل، لأنه عدل بفعله قريشاً كلها. 

مثلت الكعبة المشرفة هى قبلة المسلمين فى جميع أنحاء العالم قاطبة، وهى أول بيت وضعه الله للناس على الأرض، وقد نسبه الله إلى نفسه سبحانه وتعالى، وكسوة الكعبة من أهم مظاهر الاهتمام والتشريف والتبجيل للبيت الحرام، وتاريخُها جزء من تاريخ الكعبة المشرفة نفسها، فكسوة الكعبة منذ بناها إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ مرت بأطوار مختلفة، إذ لم تكن كما نراها الآن، فهى مرتبطة بعوامل اجتماعية واقتصادية لها صلة بالعصر، غير أن الوازع المشترك فى نية من كسا الكعبة هو التقديس لهذا البيت الحرام، والتقرب من الله سبحانه وتعالى، حتى فى عصور الشرك قبل الإسلام.

فقد كان أهل الجاهلية يكسون الكعبة، ويحسبون ذلك من أعمال البر، فقد روى ابن أبى مليكة بإسناد صحيح قال: كانت قريش فى الجاهلية ترافد فى كسوة الكعبة، فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها من عهد قصى بن كلاب، حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان يختلف إلى اليمن يتّجر بها، فأثرى فى المال، فقال لقريش: أنا أكسو وحدى الكعبة سنة، وجميع قريش سنة، فكان يفعل ذلك حتى مات، يأتى بالحبرة الجيدة من الجَنَد، فيكسوها الكعبة، فسمته قريش العدل؛ لأنه عدل فعله بفعل قريش كلها، فسموه إلى اليوم العدل، ويقال لولده: بنو العدل.

وقول ابن أبى مليكة هذا يدل على أن قريشًا كانت تكسو الكعبة، وتوارثوا هذا العمل حتى بُعث النبى والكعبة مَكْسُوَّةٌ.


المحمل المصري

كسوة أم العباس

وممن انفردن بكسوة الكعبة المشرفة امرأة تسمى نُتيلة بنت جناب، زوج عبد المطلب وأم العباس، فقد ضاع ابنها العباس، فنذرت لله أن تكسو الكعبة وحدها إذا عاد إليها ابنها الضائع، فعاد فكانت أول امرأة فى التاريخ كست الكعبة، وحدها.


المحمل المصري

كسوة فى عهد الرسول والخلفاء

كان من الطبيعى ألا يشارك الرسول صلى الله عليه وسلم فى إكساء الكعبة المشرفة قبل الفتح، وذلك لأن المشركين لم يسمحوا له بهذا الأمر، إلى أن تم فتح مكة، فأبقى ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كسوة الكعبة، ولم يستبدلها حتى احترقت على يد امرأة تريد تبخيرها، فكساها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالثياب اليمانية، ثم كساها الخلفاء الراشدون من بعده، أبو بكر وعمر بالقباطى، وعثمان بن عفان بالقباطى والبرود اليمانية،  حيث أمر عامله على اليمن "يعلى بن منبه" بصنعها، فكان عثمان أول رجل فى الإسلام، يضع على الكعبة كسوتين، أحدهما فوق الأحرى، أما على ـ رضى الله عنه ـ فلم يذكر المؤرخون أنه كسا الكعبة، نظراً لانشغاله بالفتن التى حدثت فى عهده، ومن عام الفتح إلى يومنا هذا، انفرد المسلمون بكسوة الكعبة المشرفة.

ولم يكن للكسوة ترتيب خاص من قبل الدولة وبيت مال المسلمين، فقد كان الناس يكسونها بما تيسر لهم قطعًا مفرقة من الثياب، وبدون تقيد بلون خاص، بل حسب ما تيسر لأحدهم، ولو بجزء وناحية من البيت، وكان الناس فى الجاهلية قبل ذلك يتحرون إكساءها يوم عاشوراء، كما جاء عند البخارى وأحمد عن عائشة رضى الله عنها قالت:"كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يومًا تُستر فيه الكعبة، فلما فرض الله رمضان، قال رسول الله: من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه".

قال ابن حجر فى فتح البارى، تعليقًا على الحديث: "وكان يومًا تُستر فيه الكعبة"، يفيد أن الجاهلية كانوا يعظمون الكعبة قديمًا بالستور، ويقومون بها، وروى الأزرقى عن ابن جريج قال: كانت الكعبة فيما مضى إنما تكسى يوم عاشوراء، إذا ذهب آخر الحجاج حتى كان بنو هاشم، فكانوا يعلقون عليها القمص يوم التروية من الديباج، لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء وجمالاً، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار.


المحمل المصري

كسوة الكعبة فى عهد بنى أمية

وفى عهد بنى أمية استمرت كسوة الكعبة من بيت مال المسلمين، وكانت أيضًا تكسى مرتين فى السنة، إلا أنه تغير موعد كسائها، فالأولى كانت يوم عاشوراء، والثانية كانت فى آخر رمضان، واستمرت كسوة الكعبة فى عهد العباسيين مرتين فى السنة، حتى عهد الخليفة العباسى المأمون، فقد كسيت الكعبة ثلاث مرات فى السنة: الأولى بالديباج الأحمر وتكساها يوم التروية، والثانية بالقباطى وتكساها غرة رجب، والثالثة بالديباج الأبيض وتكساها فى السابع والعشرين من رمضان، وبدأت تكسى الكعبة بالديباج الأسود منذ كساها الناصر لدين الله أبو العباس أحمد الخليفة العباسى، واستمرت على لونها هذا إلى يومنا.


المحمل المصري

كسوة الكعبة فى العصر العباسى

اهتم الخلفاء العباسيون بكسوة الكعبة المشرفة اهتماماً بالغاً، لم يسبقهم إليه أحد، نظراً لتطور النسيج والحياكة والصبغ والتلوين والتطريز، مما جعل الخلف يصل إلى ما لم يصل إليه السلف.

لذا بحث العباسيون عن خير بلد تصنع أجود أنواع الحرير، فوجدوا غايتهم فى "مدينة تنيس" المصرية، التى اشتهرت بالمنتجات الثمينة الرائعة، فصنعوا بها الكسوة الفاخرة من الحرير الأسود على أيدى أمهر النساجين، وكانت لها قريتان "تونة وشطا" اشتهرتا أيضاً بصنع التطريز، وقد حج المهدى العباسى عام 160هـ، فذكر له سدنة الكعبة أن الكسا، كثرت على الكعبة والبناء ضعيف ويخشى عليه أن يتهدم من كثرة ما عليه، فأمر بتجريدها مما عليها وألا يسدل عليها إلا كسوة واحدة، وهو المتبع إلى الآن، ثم أمر فطلى البيت كله بالخلوق الغالية والمسك والعنبر، وبعد عامين أمر المهدى بصنع كسوة أخرى للكعبة المشرفة فى تنيس بمصر، أما هارون الرشيد فقد أمر بصنع الكسوة من طراز تونة سنة (190هـ) وكانت الكعبة تكسى مرتين.

أما الخليفة المأمون (206هـ)، فقد كسا الكعبة المشرفة ثلاث مرات فى السنة:

الأولى: من الديباج الأحمر، وتكسى الكعبة بها يوم التروية

الثانية: من القباطى وتكسى غرة رجب.

الثالثة: من الديباج الأبيض وهذه التى استحدثها المأمون يوم السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك.

ولما رفع الأمر للخليفة العباسى جعفر المتوكل، بأن إزار الديباج الأحمر يبلى قبل حلول شهر رجب من مس الناس وتمسحهم بالكعبة، أمر بإزارين آخرين يضافان إلى الإزار الأول، ثم جعل فى كل شهرين إزاراً، ثم كساها الناصر العباسى ثوباً أخضر ثم ثوباً أسود، ومن ذلك التاريخ احتفظ باللون الأسود للكسوة إلى يومنا هذا.

كما ظهرت الكتابة على كسوة الكعبة المشرفة منذ بداية العصر العباسى، فكان الخلفاء من الأمراء يكتبون أسماءهم على الكسوة ويقرنون بها اسم الجهة التى صنعت بها وتاريخ صنعها، كما هى العادة الجارية إلى اليوم.


المحمل المصري

كسوة الكعبة فى عصر المماليك

بعد سقوط الدولة العباسية عام 656هـ كان أول من كساها من ملوك مصر المملوكية الظاهر بيبرس البندقدارى، واستمرت الكسوة ترد من مصر حيناً ومن اليمن حيناً آخر، حتى عهد الملك الصالح إسماعيل بن ناصر بن قلاوون، الذى اشترى عام 750هـ ثلاث قرى، هى بيسوس وسندبيس وأبو الغيط، من قرى القليوبية ودفع ثمنها من بيت مال المسلمين، ثم وقفها على كسوة الكعبة المشرفة، ومن الملاحظ أن الكعبة المشرفة كانت تكسى فى العصور الماضية مرة أو مرتين فى السنة، ولكن منذ القرن السادس الهجرى أصبحت تكسى مرة واحدة، وذلك فى صباح يوم النحر من كل عام، ويرجع السبب فى ذلك إلى تطوير فن النسيج، وأصبح قوياً من حيث المتانة حتى أنه لا تحتاج الكعبة معه أكثر من كسوة واحدة فى السنة.


المحمل المصري

كسوة الكعبة فى العصر العثمانى

بعد أن بسط السلطان سليم الأول سيطرته على بلاد الشام، ودخل القاهرة فى شهر محرم 923هـ، ودخل الحجاز سلمياً فى حوزة الدولة العثمانية، كان من دواعى فخره واعتزازه أن يلقب نفسه بخادم الحرمين الشريفين، ومن ثم اهتم أثناء إقامته فى مصر بإعداد كسوة الكعبة المشرفة وكسوة لضريح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكسوة لمقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ، كما صنع كسوة للمحمل جديدة، وكتب اسمه عله هذا الكسا التى بلغت غاية الإتقان والزخرفة، ومنذ تلك الآونة ظلت كسوة الكعبة المشرفة ترسل سنوياً من مصر من ريع الوقف الذى وقفه الملك الصالح إسماعيل، إلى أن كان عهد السلطان سليمان القانونى، فوجد أن ريع هذا الوقف قد ضعف وعجز عن الوفاء، فأمر بشراء سبع قرى إضافة إلى الثلاث السابقة عام 947هـ، لتصبح عشر قرى، ينفق من ريعها على الكسوة الشريفة، فأصبح وقفاً عامراً فائقاً مستمراً.

وذلك من أعظم مزايا السلاطين العثمانيين لأن مكة كانت لها مكانة، خاصة فى نفوسهم، فكانوا ينتهزون أى فرصة للتعبير عن محبتهم واحترامهم للأمراء وأهل مكة، بوصفهم منتسبين إلى آل البيت، استمرت مصر فى إرسال الكسوة والمحمل إلى مكة المكرمة حتى عام 1221هـ، إلا أنه فى العام الثانى، كان المد السعودى على مكة المكرمة فى عهد الإمام سعود الكبير، فتقابل مع أمير المحمل المصرى وأنكر عليه البدع، التى تصحب المحمل من طبل وزمر وخلافه، وحذره من معاودة المجىء إلى الحج بهذه الصورة، فتوقفت مصر عن إرسال الكسوة الخارجية، فكساها الأمير سعود الكبير كسوةً من القز الأحمر، ثم كساها بعد ذلك بالديباج والقيلان الأسود، من غير كتابة، وجعل إزارها وكسوة بابها "البرقع" من الحرير الأحمر المطرز بالذهب والفضة.

وبعد سقوط الدرعية على يد جنود محمد على باشا، وعودة السيادة العثمانية على الحجاز استأنفت مصر إرسال الكسوة فى عام 1228هـ، فى إطار جديد، وهو الصرف على شئون الكسوة من الخزانة المصرية مباشرة بعد أن كان ينفق عليها من أوقاف الحرمين الشريفين، ولكن الخديوى محمد على باشا حل ذلك الوقف، وادخل إيراداته الخزانة المصرية، وقد ترتب على ذلك أن أصبحت الظروف السياسية وطبيعة العلاقات مع حكومة مصر والسلطات الحاكمة فى الحجاز تؤثران إلى حد كبير فى إرسال الكسوة من مصر أو توقفها.

كسوة الكعبة من مصر

أصبح ملوك اليمن وملوك مصر يتعاقبون على كسوة الكعبة حتى تفردت مصر بكسوتها، فقد كانت تأتى من مصر من مال الوقف الذى وقفه الملك الناصر ابن قلاوون على الكسوة منذ سنة (750هـ)، ثم صارت بعد ذلك ترسل من قبل الحكومة المصرية، وكلما وقع خلاف بين الحكومة المصرية وبين الحكومة التى تتولى أمر الحجاز امتنعت الحكومة المصرية من إرسال الكسوة، حصل ذلك عدة مرات قبل تولى الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ الحكم فى الحجاز، وبعد توليه الحكم رحمه الله وفى سنة 1344هـ حدثت حادثة المحمل المصرى المشهورة، حيث امتنعت مصر عن إرسال الكسوة فى سنة 1345هـ، شعرت بذلك الحكومة السعودية فى غرة شهر ذى الحجة، فصدر الأمر الملكى الكريم بعمل كسوة الكعبة المشرفة لهذه السنة بأسرع ما يمكن وفى أيام معدودة؛ حتى يتم إكساء الكعبة فى العاشر من ذى الحجة، وبالفعل تم ذلك، وكانت البداية لصنع الكسوة فى مكة المكرمة فى العهد السعودى.

كسوة الكعبة فى السعودية

ظلت كسوة الكعبة المشرفة تُرسل من مصر عبر القرون، باستثناء فترات زمنية قصيرة ولأسباب سياسية، إلى أن توقف إرسالها نهائياً من مصر سنة 1381هـ، حيث اختصت المملكة العربية السعودية بصناعة كسوة الكعبة المشرفة إلى يومنا هذا.

وفى مستهل شهر محرم 1346هـ، أصدر الملك عبد العزيز، أوامره بإنشاء دار خاصة بصناعة الكسوة، وأنشئت تلك الدار بمحلة أجياد أمام دار وزارة المالية العمومية بمكة المكرمة، تمت عمارتها فى نحو الستة الأشهر الأولى من عام 1346هـ، فكانت هذه الدار أول مؤسسة خصصت لحياكة كسوة الكعبة المشرفة بالحجاز منذ كسيت الكعبة فى العصر الجاهلى إلى العصر الحالى.

وأثناء سير العمل فى بناء الدار كانت الحكومة السعودية تقوم من جانب آخر، ببذل الجهود لتوفير الإمكانيات اللازمة للبدء فى وضع الكسوة والتى تتألف من المواد الخام اللازمة لمصنع الكسوة من حرير ومواد الصباغة، ومن الأنوال التى ينسج عليها القماش اللازم لصنع الكسوة، وقبل كل ذلك، وبعده الفنيين اللازمين للعمل فى شتى المراحل، وعلى الرغم من أن هذه العناصر الأساسية التى يجب توفرها لمصنع الكسوة، لم يكن أى منها متوفراً لدى المملكة حين ذلك، فقد بذلت الحكومة السعودية جهوداً كبيرة فى سبيل توفيرها فى الوقت المناسب، وقد تحقق لها ذلك، حيث تم بناء المصنع الجديد من طابق واحد فى ستة أشهر.

وفى أول رجب من نفس العام 1346هـ، وصل من الهند إلى مكة المكرمة اثنا عشر نولاً يدوياً، وأصناف الحرير المطلوبة ومواد الصباغة اللازمة بذلك والعمال والفنيون اللازمون وكان عددهم ستين عاملاً، أربعون منهم من "المعلمين" الذين يجيدون فن التطريز على الأقمشة، وعشرون من العمال المساعدين، وعند حضورهم إلى مكة المكرمة نصبت الأنوال، ووزعت الأعمال وسار العمل على قدم وساق فى صنع الكسوة وتطريزها، حتى تمكنوا من إنجازها فى نهاية شهر ذى القعدة عام 1346هـ. 

والجدير بالذكر أن تلك الكسوة صنعت على غرار الكسوة المصرية، فكانت على أحسن صورة من حسن الحياكة وإتقان الصنع وإبداع التطريز، يزينها الحرير الأسود الذى نقشت عليه "لا إله إلا الله محمد رسول الله" على شكل رقم (8)، وفى أسفل التجويف (يا الله)، وفى الضلع الأيمن من أعلى الرقم (8) (جل جلاله)، وكذلك فى أعلى الضلع الأيسر (جل جلاله)، أما الحزام فكان عرضه مثل عرض الحزام الذى كان يعمل فى مصر، مطرزاً بالقصب الفضى المموه بالذهب، أما تلك الكتابات التى كتبت على الحزام فهى نفس الآيات القرآنية التى كانت تكتب على حزام الكسوة المصرية فى جميع جهاتها باستثناء الجهة الشمالية المقابلة لحجر إسماعيل عليه السلام، حيث كتب على الحزام من تلك الجهة، العبارة التالية "هذه الكسوة صنعت فى مكة المباركة المعظمة بأمر خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية".

وأما البرقع "ستارة باب الكعبة المشرفة" فقد صُنع أيضاً على غرار البُرقع المصرى وكتبت عليه نفس الآيات القرآنية والعبارات التى كانت تكتب على بُرقع الكسوة المصرية، باستثناء المستطيلات الأربعة التى تتوسط البرقع، والتى كان يكتب عليها عبارة الإهداء فى الكسوة المصرية، حيث استبدل بها قوله تعالى: "وقل جاء الحق وزهق البطل إن البطل كان زهوقاً" – "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً" (سورة الإسراء: 81-82)، ثم أضيفت فى ذيل البرقع دائرتان صغيرتان مكتوب فى داخلهما عبارة: "صنع بمكة المكرمة".

وقد كسيت الكعبة المشرفة فى ذلك العام 1346هـ، بهذه الكسوة التى تعتبر أول كسوة للكعبة تصنع فى مكة المكرمة، وظلت دار الكسوة بأجياد تقوم بصناعة الكسوة الشريفة منذ تشغيلها فى عام 1346هـ، واستمرت فى صناعتها حتى عام 1358هـ، ثم أغلقت الدار، وعادت مصر بعد الاتفاق مع الحكومة السعودية إلى فتح أبواب صناعة الكسوة بالقاهرة سنة 1358هـ، وأخذت ترسل الكسوة إلى مكة المكرمة سنوياً حتى عام 1381هـ.

وقامت الدولة السعودية بإعادة فتح وتشغيل مبنى تابع لوزارة المالية بحى جرول، يقع أمام وزارة الحج والأوقاف سابقاً، والذى أسندت إليه إدارة المصنع، ولم يكن لديها وقت لبناء مصنع حديث.

وقد ظل هذا المصنع يقوم بصنع الكسوة الشريفة إلى عام 1397هـ، حيث نقل العمل فى الكسوة إلى المصنع الجديد، الذى تم بناؤه فى أم الجود بمكة المكرمة، وما زالت الكسوة الشريفة تصنع به إلى يومنا هذا.

د. سليمان عباس البياضي

عضو اتحاد المؤرخين العرب


د. سليمان عباس البياضي

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة