Close ad

وكيل الأزهر يكتب لقراء «بوابة الأهرام».. الحج ومقصد توحيد الأمة

14-6-2024 | 18:17
وكيل الأزهر يكتب لقراء ;بوابة الأهرام; الحج ومقصد توحيد الأمةالدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف
الدكتور محمد الضويني وكيل الأزهر الشريف

الحمد لله الذي أخرج عباده من الظلمات إلى النور، وبين لهم طريق الهداية، وأمرهم بالاعتصام بحبله، حتى يكونوا وحدة واحدة، فما ارتفعت أمُّة مِن الأمم وعلت رايتها إلا بوحدة أفرادها، وتلاحمهم مع بعضهم بعضا، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

موضوعات مقترحة


 فقد  استغرقت الحياة المعاصرة الإنسان، جعلته يدور في حلقة مفرغة يتحرك بلا قصد ولا هدف، فيبدأ الإنسان المعاصر دورته نهارًا لينهيها ليلًا، ويبْدأُها ليلًا لينتهي مع خيوط الصبح، فهو يَسيرُ كيفما اتفق، فلا يَعرف قيمة الوحدة وتوحيد القصد،  ومن ثَمَّ تتبلّد مشَاعره، ولكنَّه إذا استشعر حاجته إلى شيء ما، فإنه يُكابد في سبيل الحصول عليه، وإذا توصَّل إليه ينظر إليه نظر المستخفِّ، فهو إنسان غارق في المادة يدور حولها، مفتقد للوجهة، فيكون هدفه من الحياة مجرد الحياة نفسها، ويكون سبيله سبيل المشاهد السلبي لحوادث الأيام، وهذا يجعل منه روحًا ميتة في جسد حي.


 ومن ثم كانت العبادات مخرجة للإنسان من هذه الحياة التعسة التي يحياها بلا هدف المذمومة على لسان الشرع، فالعبادةُ صلة بين العبد وربه، ومن هذه العبادات الحج؛ الذي جاء ليغيّر سقم الحياة ورتابتها، فالحج مضاد للا معنى واللا هدف، خَلاصٌ من شِبَاك التفرِّقِ، وبيان حقيقي لمعنى الأمة الواحدة[ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ] الأنبياء (92)،  ويتجلى هذا فيما يلي:


أولا: توحيد المقصد " مخلصين له الدين حنفاء"
قبل الذهاب  إلى الحج يُفرِّغُ الإنسانُ قلبه من الشواغل   الدنيوية والهموم الحياتية،  حتى يكون الهم مجردا لله تعالى والقلب مطمئناً منصرفاً إلى ذكر الله تعالى وتعظيم شعائره، "فلا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات، والكف عن اللذات، والاقتصار على الضرورات فيها، والتجرد لله سبحانه في جميع الحركات والسكنات"، ومن هنا يتعلم الإنسان أن  السعي  حتى يكلل بالنجاح لا بد أن يكون مُوجّهًا لله الواحد الصمد، فهذه القلوب إذا اجتمعت على هذا المقصد العظيم ولبت بقلبها مع لسانها " لبيك اللهم لبيك"  نجت وأفلحت.
 ثانيا: نزع مفهوم الأنا
من المشاهد أنَّ المَراتب الاجتماعية والمادية تقيم فواصل بين الناس، مما يسبب نوع تفرق، وأكثر من ذلك قضية المظاهر  فهي تجعل مفهوم الأنا  عند البعض يتسور النفس فيفسدها، أما في الحج فالإنسان يخلع عنه ثياب المراتب الاجتماعية والطبقات، ويرتدي لباسًا واحدًا يُشبِه الكفن مُجرّدًا من أي زينة، مثلك أيها الإنسان مثل أي فرد من حولك، تحولت إلى جزء ينضم إلى كتلة عريضة قطرة من محيط، تواضع فأنت هنا لا لتتباهى أو تتفاخر، بل اخضع واخشع فأنت ترجو رحمة الله، أنت جزء  مما حولك، لسانكم في هذا الو قت واحد، لباسكم واحد، مقصدكم واحد،  فلا فرق بين عربي وأعجمي، وغني و فقير،  اقدح زند قلبك بِنُور الحب واليقين، إن وجودك هنا مرهون بتخلية قلبك من ذاتك وتجردك منها، إنك هنا في بيت وضع للناس لا لك وحدك، تأمل:[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ] آل عمران (96)، ففي هذا الموضع كل "أنا" تذوب، فالناس خارج الكعبة يتمايزون بأسمائهم وألقابهم، أما داخل البيت الحرام، فتختفي هذه الخصائص؛ ليحل مَحلّها مفهوم الأمة الواحدة، كلهم يطوفون سويًّا قلوبهم ترجو شيئا واحدا،" فقطرة الماء إذا لم تكن جزءًا  من النهر أو لم تكن ذائبة في البحر، فإنها كقطرة ندى تبقى ما بقي الليل فقط، وتتلاشى مع أنفاس الصبح الأولى".

ثالثا: وحدة الزمان والمكان 

إن الإنسان إذا ارتبط مع مجموعة من بني جنسه بأشياء محددة منزوعة مِن  حظوظ الدنيا سينطبع في قلبه أسس الترابط مع هذه المجموعة، مع حمل الهم، ثم إذا أضيف إلى هذا غرض نبيل ومقصد شريف ألا وهو رضا الخالق، عُززت هذه الروابط،  ونَظر الإنسان  لمن حوله نظرة المشفق الطالب للرحمة لنفسه ولهم، فما بالك إذا ارتبط معهم في زمان ومكان وتلبية واحدة، أما يدعو كل ذلك إلى أن يفكر الإنسان في أن الترابط قوة، وأن الوحدة هي سفينة النجاة.
رابعا: وحدة المنسك 
لم يفرق الخطاب التشريعي بين أحد من الخلق، فالجميع مطالبون  بأداء مناسك الحج، من الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار، فلا يوجد منسك لغني وآخر لفقير أو منسك لملك وآخر لمملوك،  فعَنْ أَبِى نَضْرَةَ قال: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى…"، وهذه الوحدة تجمع القلب والفكر على شيء واحد، فالناس سواسية كأسنان المشط، فالكل هنا لا يرى تمايزا لأحد عليه، تطمئن نفسه، ويشعر بأن التفاوت في الدنيا لا يبقى أمام  الحقيقة المطلقة، فهو تفاوت زائل حقيقته مراتب دنيوية موهومة، فهي أمام تقوى الله لا شيء، فيُخلِص في عبادته، ويعلم أنَّ كلاًّ مِن عند الله فقرا أو غنى منصبا أو لا، فلا يحقد على أخيه إذا خرج من هذا المنسك العظيم، بل يدعو الله طلبا لتوفيق أخيه وأن يزيده رفعة وقربا، ويتولد في قلبه حب وود ويتحقق فيهم تجلي اسم الله الودود، ويزداد الترابط بينهم.


وإذا تأمل المسلم هذه الأمور علم أن  من مقاصد  الحجِّ وحدة الأمة، وأن سبيل تقدمنا هو الوحدة الحقيقية التي لا غرض فيها إلا رضا الله والسعي لإعمار هذه الحياة الدنيا التي حملنا أمانتها،  وأن المتفرقين مصيرهم إلى الضياع، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: