Close ad

حكاياتى: حياة على أعتاب الموت .. !

12-6-2024 | 18:29
حكاياتى حياة على أعتاب الموت  حكاياتى: حياة على أعتاب الموت .. !

 

موضوعات مقترحة

حكايات من الواقع يكتبها: خالد حسن النقيب

لم أشعر بالإرهاق أو التعب يومًا، حياتى كلها قائمة على الحركة، تتفتح عيناى فى الصباح الباكر ولا أغمضها فى آخر النهار إلا وقد قضيت ساعاته فى حراك وعمل وشيء من تريض ودأب على تعايش الدنيا يوما بيوم فلم يجافنى النوم ولا تسرب لحياتى ملل أو رتابة وكنت أعرف أن الكسل أو التكاسل سوف يقودنى لبراثن المرض عكس خطيبى الذى أراه هوائيا يركن دائما للراحة، يعشق اللذة واستخدام الأشياء التى تنجز له أموره فلو كان ذاهبا لأى مشوار ولو خطوتان يستقل إليه مواصلة واختلفنا كثيرا حول هذا الأمر ،أنصحه ولا يبالى وأقدم له نفسى نموذجا مثاليا للصحة والحيوية وأتحداه أن تكل قواي أو يحاوطنى مرض حتى وقعت الواقعة وانقلبت حياتى رأسا على عقب عندما تعرضت لحادث طريق عشت معه محنة مريرة على أعتاب الموت وكأنى ألقى بى فى دنيا ليست دنياى وتجسدتنى ملامح هى بالتأكيد ليست ملامحى حتى روحى كأنها تبدلت أين تلك الهمة التى تتسم بها كل تفاصيل حياتي، أين القوة والحيوية والحركة المستمرة بلا كلل، أين منى تلك البقعة البيضاء التى بت حبيسة فراشى فيها وكأن المرض وتداعيات الحادث أغلال وهمية ولكنها صلبة قوية تربطنى فى هذا الفراش الأبيض لا أقوى على مغادرته؟

فى غمضة عين أظلمت حياتى وطال الليل فيها إلى ما لا نهاية، ضاق صدري، اختنقت أنفاسي، آلام متلاحقة مرعبة توشك أن تتحشرج معها روحى وتنسلخ من جسدى هربا من عجز متوحش أعلن سيطرته الكاملة على ورحت فى غيبوبة لا أدر إن كانت طويلة ولكن ما إن تفتحت عيناى حتى رأيت الدنيا بعين أخرى غير عيني، ليست دنياى التى اعتدت ولا أنا كما كنت، قالوا لى (انكتبلك) عمر جديد وستبقين فى العناية المركزة تحت الملاحظة أياما بعدها تخرجين من المستشفي، تتراقص الكلمات فى أذنى رقصات متباينة بين غموض يكتنف كل شيء وفرحة مكتومة تخشى أن تفصح عن نفسها غير مصدقة هذا العالم الجديد.

تمر الأيام ثقيلة مع برنامج للعلاج الطبيعى الأكثر إيلاما وليس لى مؤنس غير نفسى ذاتها أراجع معها كل شيء، قناعاتي، علاقاتى بالناس، حتى مشاعرى تجاه من كنت أحب وارتبطت معه فى خطبة، المدهش أنى لم أجد لهذه المشاعر مكانا ولم يكن ذلك أنه تخلى عنى فى محنتى وابتعد بلا مبرر غير أنه ظن أنى عجزت عن الحركة إلى الأبد ولكن إحساسى به كان موجودا واختفى لا أدرى غير أنى أراه إنسانا عاديا ولم أدهش عندما لم أجده فى استقبالى يوم خرجت من المستشفى ولم يسأل عنى إلا بعد أيام طوال رغم أنى كنت تعافيت تماما لتستمرعلاقتنا بعد ذلك فاترة نتباعد فيها أكثر ما نقترب فبادرت أنا وقررت أن أحله من الارتباط ولم يحاول أن يتمسك بى ولو من قبيل الحفاظ على ماء الوجه وكأن أحاسيسى صدقت فيه لم يكن يوما حبيبا ولكنها تجربة مثلها مثل تجربة الموت الذى عشت على أعتابه أياما هى زمن بعيد كبرت فيه حد الهرم ولكنى عقلت أشياء كثيرة غيرت من حياتى ومن شخصيتي.

لم تكن أمى راضية عن فسخ خطبتى وترى أنى تسرعت فى هذا ولكنها لم تشأ معارضتى لم يهمها شيء بقدر عودتى للحياة بعد أن ظنت أنى ضعت منها للأبد ولكنى أشعر بحزنها المكتوم فى صدرها وكيف هى تتألم من أجلى ولعلى يوما أسعدها بارتباطى بإنسان أشعر تجاهه بأحاسيس حقيقية ولكنها الأقدار تجرى معها مقتضيات حياتنا لا ندرى ماذا تخبئ لنا.

م.ك

من عاش تجربتك القاسية يا ابنتى كمن عاش دهرا كاملا وحق لك أن تستشعرى دنياك الجديدة بوعى وفهم مختلف تستعيدين فيه ترتيب أوراق أيامك القادمة ولعل تغير أحاسيسك العاطفية تجاه من كنت تحبين وهما لم يكن الحادث سببا جوهريا فيه فأنت لم تحبيه من الأساس ولكنه كان جزءا من حياتك الأولى التى كنت تديرينها بانطلاق غير مقنن أو محسوب تعيشين اليوم بيومه كما يتفق لك ولا مانع من الارتباط بشاب تتوافق معه المواصفات المفترض وجودها فى أى عريس وتمضى الحياة على وتيرتها ولكنك بعد تجربة قاسية استضاء وعيك بعض الشيء وعقلت الدنيا بشخصية أخرى أكثر نضجا فما أقدمت عليه يا ابنتى أمر طبيعى ليس لأحد أن يلومك عليه وأمك ليست غاضبة منك أو عليك ولكنها أم انفطر قلبها على ابنتها وتحلم لها بالسعادة مع إنسان يحبها وتحبه وهيأت لها الدنيا خيالات مرعبة لو أنك لم تبق معها وتتركيها ثكلى تتلوى الفراق حتى تلحق بك فترفقى بها يا ابنتى وطمأنيها عليك، أخبريها أن الله سبحانه وتعالى من اختبرك اختبارا صعبا، هو من منحك القوة والإرادة كى تتجاوزى المحنة المستحيلة وهو جلت قدرته من منحك فرصة جديدة بالحياة وحتما هناك من ينتظرك فى الأيام القادمة وستشعرين معه إن شاء الله بتلك الأحاسيس الصادقة التى تبغينها.

واعلمى يا ابنتى أن لله حكمة فى كل ما نعترض من أمور حياتنا وصدق المولى عز وجل فى محكم آياته من سورة لقمان عندما قال( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 3].

فأمر الحياة والموت بيده سبحانه وتعالى هو من أراد لك النجاة من أنياب الموت وهو من هيأ لك وعيك وعقلك وأيامك القادمة وصدق الله العظيم عندما قال( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 145].

اقرأ أيضًا: