Close ad

ثيربانتيث وناقوس دون كيخوته

11-6-2024 | 15:53
الأهرام المسائي نقلاً عن

هام الوليدُ بن عبدالملك (668-715 م) بحب سَعدة، وكانت ذات حسب ونسب وجمال، فبعث إليها برسالة مع خادمه ومُضحكه أشعب، فما إن وقف بين يديها حتى أنشدها (أسعدة هل إليك لنا سبيلُ؟ / وهل حتى القيامةِ من تلاقي؟)، إلى آخر الأبيات، فما كان منها إلا أن أدنته منها وقالت له بلغه رسالتي هذه (أتبكي على لبنى وأنت تركتها؟/ فقد ذهبت لبنى، فما أنت صانعُ؟)، فما إن سمعها الوليد حتى تأثر وبكى ندمًا.

كان الوليد قد طلق سعدة في لحظة غضب، وحاول يائسًا أن يردها إلا أن أباها؛ سعيد بن خالد، رفض، ولم يزل بها حتى زوجها ليقضي على آماله في عودتها إليه. وكان الوليد كلما سُئل عن حبه لها، ردد بيت عُمر بن أبي ربيعة (644-711)، (قالوا أتحبها؟ قلتُ بُهرًا! / عدد الرمل والحصى والتراب).

إلا أن طبيعته المتقلبة لم تمنعه من التنقل بين الغيد الحسان، حتى إنه أحب أختها سلمى، وكانت في طولها نخلة باسقة محملة بالثمر وفي وجهها جمال لا يستره خمار، فإذا أحاطت بها جواريها ليحجبنها، فرعتهن طولاً. وقد تكرر رفض أباها طلبه الزواج منها، فراح الوليد كلما هزه الوجد أنشد (ويح سلمى لو تراني/ لعناها ما عناني، شاق قلبي وعناني/ حب سلمى وبراني).

ثم اهتدى إلى حيلة؛ إذ تخفى في زي بائع قماش متجول، فإذا ما اقترب من قصر أبيها علا صوته معلنًا عن بضاعته، فترسل جاريتها تدعوه ليعرض بضاعته فلربما تشتري، وكان الوليد قد أرسل لها من أخبرها بحيلته، حتى إذا ما صار في غرفتها مكث معها بعض الوقت يبثها وتبثه أشواقًا حارة، ثم يجمع أثوابه وينصرف سعيدًا برؤيتها منكودًا لفراقها، ولم يزل على هذا النحو حتى وشت به جارية دسها أعداؤه عليه، فاستشاط أبوها غضبًا ومنع دخول أي غريب إلى قصره.

ورغم ما عُرف عن الوليد من ميل للهو، إلا أن فترة خلافته شهدت اتساع رقعة ملكه؛ فامتدت من الشام شرقًا إلى الأندلس غربًا، وتذكر بعض الروايات التاريخية نسب اسم مدينة (بلد الوليد Valladolid)، الواقعة على نحو 200 كيلومتر من مدريد العاصمة، إليه.

وبعد وفاة الوليد بنحو ثمانية قرون، ولد الروائي دي ميجيل ثيربانتيث في بلد الوليد عام 1547م، وإليه يُرجع الكثير من النقاد الفضل في نشر الأدب الإسباني، وقد ذاع صيته بعد نشره رواية (دون كيخوتهDon Quijote )، كما تنطق في الإسبانية، وإن انتشرت تحت عنوان (دون كيشوت) بعد ترجمتها للعربية نقلاً عن الإنجليزية.

بعد أن أعيت الحياة ألونسو كيكسانو بمتاعبها وناصبه الكثيرون العداء ولم يعد بمقدوره ردعهم، امتطى حصانه وتقلد سيفًا خشبيًا وأطلق على نفسه لقب (دون كيخوته) وراح يجوب المدن والقرى ومن خلفه تابعه سانشو يتمايل على وقع خطوات حماره الهزيل، وما أن يجد ألونسو طاحونة هواء حتى يقف أمامها وينظر إليها بتعالٍ من فوق حصانه ثم يطلق العنان لبلاغته المزعومة ويضرب بسيفه الخشبي يمينًا ويسارًا كأنما يحارب أعداءه المزعومين، ولا يشك من يراه أنه في حرب حقيقية. صدق المسكين خياله المريض. عاش في عالم من الوهم.

على الجانب الآخر، لم تعرف حياة ثيربانتيث الاستقرار، حتى بعد أن ذاعت شهرته، كان يبحث كل يوم عمن يقرضه المزيد من المال متوهمًا أن باستطاعته سدادها، ولكن تراكمت الديون وانتهى به الحال إلى السجن.

كان يدق بروايته ناقوس اليقظة من الأوهام، وبينما انتبه الآخرون، غط هو في نوم عميق!

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة