Close ad

"السفاح".. سيرة أول الخلفاء العباسيين من فجر الدعوة إلى قيام الدولة

10-6-2024 | 08:35
 السفاح  سيرة أول الخلفاء العباسيين من فجر الدعوة إلى قيام الدولة صورة تعبيرية
أحمد عادل

به انتقل العباسيون من حال الدعوة إلى قيام الدولة، استتب له الأمر وصارت الخلافة لبني العباس خالصة لهم من دون الناس، فصار بذلك أول الخلفاء العباسيين ومؤسس دولتهم.. إنه الخليفة أبو العباس السفاح الذي تحل اليوم ذكرى وفاته في العاشر من يونيو 754م/ 136هـ.

وُلد أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب في قرية الحميمة من أرض الشام (في الأردن حاليًا)، في عام 104هـ/721م، نشأ في كنف أبيه علي بن عبد الله بن العباس، والذي كان يدبر في الخفاء لدعوة ستطيح بدولة بني أمية، تدعو في ظاهرها لمبايعة "الرضا من آل محمد" دون تخصيص، فظن البعض أنها تدعو لواحد من العلويين.

كان والده علي بن عبد الله بن العباس يعيش في هدوء مع آل بيته في قرية الحُميمة، قبل أن يزوره أحد العلويين، وهو أبو هاشم بن محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، الذي وفد على الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك في دمشق، وقد شك سليمان في أمره، حيث اعتقد أن هذا الرجل يُخطط لمكيدة ضد بني أمية، فأوعز إلى من دس له السم، وفي الطريق شعر أبو هاشم بدبيب السم في عروقه، فانحرف إلى بني عمومته من بني العباس، وأوعز إلى كبيرهم عبد الله بن علي بأمر دعوته السرية التي تدعو للإطاحة من بني أمية ومبايعة أحد آل البيت، وذكر له أن الدعوة لها أنصار يقدرون بالآلاف في الكوفة وخراسان، وكتب أبو هاشم إلى نقباء الدعوة في خراسان بأن يسمعوا ويطيعوا لعبد الله بن علي.

وأصبح عبد الله بن علي هو القائم بالدعوة، وكان يجتمع بالنقباء سرًا في موسم الحج كل عام حتى لا يشك أحد فيهم، وعلى هذا النحو نمت الدعوة العباسية حتى ظهر أمرها في نهاية عهد الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد، على يد الكثير من الدعاة أشهرهم، أبو سلمة الخلال، وأبو مسلم الخراساني، وسليمان بن كثير، ولاهز بن قريظ وغيرهم. 

في تلك الأثناء، جاء النذير من والي خراسان نصر بن سيار، حيث بعث برسالة إلى الخليفة الأموي مروان بن محمد يحذره من أمر هؤلاء الدعاة في خراسان، والذين سيعصفون آجلاً أم عاجلاً بدولة بني أمية، فكتب إليه بتلك القصيدة:

أري تحت الرماد وميض جمر.. ويوشك أن يكون له ضرامُ

فإن النار بالعودين تذكى .. وإن الحرب مبدؤها كلامُ

فأن لم يطفها عقلاء قوم .. يكون وقودها جُثث وهام ُ

فقلت من التعجب ليت شعري .. أأيقاظ أمية أم نيامُ

فإن يقظت فذاك بقاء ملك .. وإن رقدت فإني لا ألام

فإن يك أصبحوا وثووا نياما.. فقُل قوموا فقد حان القيامُ

ففري عن رحالك ثم قولي.. على الإسلام والعرب السلامُ

لكن الخلافة الأموية كانت قد بلغت من الضعف والتفكك مبلغًا كبيرًا، وكان خليفتها الأخير مروان بن محمد قد أعياه قتال الخوارج، وعصيان الأقاليم وثورات الولايات، لكنه أدرك أخيرًا أن الذي يحرك الدعوة في خراسان هم أبناء عبد الله بن علي بن العباس في الحُميمة، كان كبيرهم محمد بن علي قد مات، وعهد بالإمامة لابنه إبراهيم، وحفاظًا على أمر الدعوة ذهب إبراهيم مع جُند مروان بن محمد بعد أن عهد بالإمامة لأخيه عبد الله بن محمد ( أبو العباس السفاح)، فصار منذ ذلك الحين هو إمام الدعوة العباسية.

زج مروان بن محمد بإبراهيم الإمام في السجن، وانتقل أبو العباس بمن معه من بني العباس إلى مركز داعي دعاة أو كبير الدعاة في الكوفة، وقد أمن كبير الدعاة أبو سلمة الخلال المكان اللازم لإقامة الإمام، وفكر الخلال في أن يعهد بالخلافة لأحد العلويين، فعرض الأمر على جعفر الصادق، وعبد الله بن الحسن المثنى، لكنهما رفضا، وفي تلك الأثناء أدرك أنصار أبو العباس تلك المكيدو وقاموا بتنصيب السفاح خليفة على المسلمين، وبُويع له في مسجد الكوفة، وأُعلن رسميًا عن خلافة بني العباس، وفي خطبته الأولى اكتسب أبو العباس لقبه "السفاح" الذي ظل يلازمه على امتداد التاريخ، إذ قال في نهاية خطبته العصماء أمام أهل الكوفة عند مبايعته:"استعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المنيح"، أي أن من سيواجهني سأسفح دمه، ومن يؤازرني سأمنحه ما يريد.

بات الصدام حتميًا مع بني أمية في الشام، فلما علم الخليفة الأموي مروان بن محمد بذلك حشد قواته، وكان اللقاء المرتقب عند نهر الزاب في موقعة نالت اسمها من اسم النهر الذي حدثت عنده المعركة "نهر الزاب"، وهو أحد روافد دجلة في شمال العراق، وقد استطاع عم الخليفة عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس أن يقطع الجسر الذي يصطف عليه جيش بني أمية، فسقط جندهم في مياه النهر بين صريع وغريق، وما لبث أن حلت الهزيمة، ولاحق جيش بني العباس فلول بني أمية، وأوقعوا بهم المجازر، ودخلوا دمشق واستباحوها، وكان قائد الجيش عبد الله بن علي، وكبير دعاة خراسان أبي مسلم الخراساني، هم أكثر القادة سفكا لدماء الأمويين، حتى استحق الخليفة الجديد لقب "السفاح" عن جدارة.

لكن السفاح نفسه، كان على النقيض من ذلك، فرغم أنه كان شابًا في الثامنة والعشرين من عمره، إلا أنه كان ضعيف الجسد، يعاني عدة أمراض منها الهزال والجدري، بل إنه في خطبته الأولى أمام أهل الكوفة لم يستطع أن يكملها واقفًَا فجلس. 

كان من أهم الأمور التي حققها السفاح في خلافته، هو تخلصه من مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية؛ إذ تتبعته قوات بني العباس بقيادة عم الخليفة صالح بن علي حتى قتلته في قرية "بو صير الملق" بمحافظة بني سويف حاليًا، وبذلك انتهت دولة بني أمية، وانتقل العباسيون من طور الدعوة إلى قيام الدولة.

لكن الثورات تأكل أولادها، ولم يغفر السفاح لكبير الدعاة أبي سلمة الخلال ما هم به في الكوفة عندما كان يدبر لتنصيب أحد العلويين بدلاً منه، فقرر التخلص منه، فأوعز إلى كبير الدعاة في خراسان وواليها أبو مسلم الخراساني بأن يتخلص منه، وبالفعل قتله الخراساني بعد أن دبر له من يقتل الخلال بخنجر مسموم.

اتخذ السفاح من الكوفة عاصمة جديدة للدولة، وسك فيها أول العملات العباسية، لكن الأيام لم تمهله، إذ سرعان ما عانى من الجدري الذي فتك بجسمه النحيل، ويروى أن أبا العباس السفاح، قد وقف مناجيًا الله قائلاً:" اللهم لا أقول إني الخليفة الشاب، كما قال سليمان بن عبد الملك، ولكن أقول: اللهم عمرني طويلاً في طاعتك، مُمتعا بالعافية"، فمال فرغ من الدعاء حتى سمع غلامين يتحدثان، فقال غلام للآخر:"الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام"، فتشاءم السفاح وفطن أها دلالة على دنو أجله، فقال:"حسبي الله، لا قوة إلا بالله، توكلت وبه أستعين"، وقد كان ذلك.

توفي السفاح، وله من العمر 32 عاما، وكان آخر ما نطق به:"الملك لله الحي القيوم، ملك الملوك، وجبار الجبابرة"، وعهد بالخلافة من بعده إلى شقيقه أبي جعفر المنصور.

كلمات البحث