Close ad

بمناسبة عيد ميلاده الـ 89.. أحمد عبدالمعطي حجازي «الشاعر المسافر أبدا»

8-6-2024 | 18:01
بمناسبة عيد ميلاده الـ  أحمد عبدالمعطي حجازي ;الشاعر المسافر أبدا;أحمد عبدالمعطي حجازي
د. رضا عطية
الأهرام العربي نقلاً عن

يحمل شعر أحمد عبد المعطى عددًا من الأحلام الكبرى والغايات السامية التى تتقصدها الذات ليس لنفسها وحسب وإنَّما لجماعتها، والإنسانية حلم للإنسان بعالم مثالى يحقق إنسانيته، عالم يسوده الحق ويعمه الخيال ويملؤه الجمال، وبأثر هذه الأحلام المنشودة نجد الذات فى شعر حجازى فى حالة قلق وجودة وارتحال مستدام و»عابرية» مستمرة، لذا نجدنا إزاء شخصية «مسافر أبدًا»، كما فى القصيدة التى حملت هذا العنوان.

موضوعات مقترحة

(أعبر أرضَ الشارع المزحوم لا توقفنى العلامة/ أثيرُ حيثما ذهبتُ الحُب، والبغضَ/ وأكره السآمة!/ أدفع رأسى ثمناً لكلمة أقوله/ لضحكة أطلقها/ أو ابتسامة/ أسافر الليلةَ فجأةٌ/ ولا أرجو السلامة!/ أعبر تحت الناطحات، تحت ظل المركبات/ بما تَبقَّى من فؤادى من ثبات/ وفى خيالى من وسامة).

الذات فى شعر حجازى فى حالة سفر، بما للسفر من معانى البحث الدائم عن مكان آخر، والحلم بعالم أفضل، السفر يُعبِّر عن حالة انتقال وبحث وجودي، ذات تبحث عن غاية ما أو تنشد مكانًا ما، وقد تكون الذات باحثة عن نفسها فى مكان آخر، تمامًا كالشعر الذى هو حالة بحث ورحيل قلق، السفر رحيل فى المكان والزمان تمامًا ككتابة أحمد عبد المعطى حجازى للشعر؛ ذاتٌ تبحث عن هويتها وتفتِّش عن كينونتها الوجودية بالرحيل فى الأزمنة والأمكنة، ذاتٌ غير مستقرة ولا ترضى بثبوتية وضعية.

تبدو الذات فى حالة عابرية دائمة لا تخلد إلى إقامة، فى حالة توتر وجودى مُستَدام وبحث عن غاية لا يتوقف، فهل هو حلم الكمال الأقرب إلى المستحيل؟ ويبدو أنَّ للإخلاص للكلمة ثمنًا وتضحية، فيتبدَّى تربُّص المدينة بأفعال الريفي/ الشاعر/ العابر فى فضائها، فلا تريد له أن يكون له كلمة/ رأيٌّ حرٌ يبديه، أو أن يعبِّر عن شعور بالسعادة بضحك أو ابتسام، ما يؤكِّد قمع المدينة للفكر والمشاعر الإنسانية.

على الرغم من ضآلة الذات الإنسانية فى عبورها المدينى فى مواجهة البنايات العملاقة الصماء متمادية الارتفاع فى المدينة، وكذلك ضخامة الآلة المتمثِّلة فى المركبات المرتفعة، فإنَّ الشاعر يعتمد على ما تبقى له من ثبات نفسى وخيال أنيق، وكأنَّ الشاعر الذى أنهكته حياة المدينة واستنزفته طبيعتها المادية الصماء وآليتها الضخمة يقاوم بما تبقى له من أناقة الخيال، أى بالفن الشعرى ضغوطات الحياة المدينية فى عبوره المتجدِّد، فيعتمد حجازى على بلاغة «الكناية» كما فى تعبيره: «أعبر تحت الناطحات، تحت ظل المركبات» تجسيدًا لشعور الذات بضخامة عناصر المدينة الشاهقة فى مقابل هشاشتها و»تحتيتها» وانسحاقها.

ثمة غاية ينشدها الشاعر فى عابريته، يبحث عنها وتتبعه وتلاحقه أيضًا، مثلما يبدو فى قصيدته «طردية» التى كتبها خلال إقامته فى باريس:

(هو الربيع كان/ واليوم أحدْ/ وليس فى المدينة التى خَلَتْ/ وفاح عطرها سواي/ قلت: أصطاد القطا/ كان القطا يتبعنى من بلد إلى بلدْ/ يحطّ فى حُلْمى ويشدو/ فإذا قمتُ شردْ).

يعمل الخطاب الشعرى على تحديد الفضاء المسرحى للحدث أو الموقف الذى هو موضوع القصيدة، حيث الزمان الربيع، بما يعنيه الربيع من فصل تجدُّد الحياة، هو رمز، على نحو ما، للعود الأبدي، ودورة الفصول التى هى دورة الحياة، أما اليوم يوم أحد، يوم العطلة فى المكان الآخر، باريس، يوم مفصلي. أما المكان فهو المدينة، مدينة باريس، لكنَّ الشاعر لم يشأ أن يسميها رُبَّما لرغبته فى ترميز الموقف، لأنَّه موقف متعالٍ على تعيناته المادية وتفاصيله الجزيئة، أما العنصر المُؤثِّر من معطيات المكان الآخر، المدينة باريس، فهو عطرها الفواح، والعطر رمز للمعطى الأقرب إلى الهيولية، برغم وقوعه طى الإدراك الحسي، ما يُرشَّح لأجواء تهويمية، فالعطر مثير حسى منعش، لكن، على الرغم من الجو الربيعى ويوم العطلة الأسبوعية، فالشاعر يحس بخلو المدينة والوحدة، وكأنَّ الشاعر مازال يشعر بالوحدة فى المدينة فى المكان الآخر، كما كان يشعر بالوحدة فى المدينة فى المكان الأول، حين قال:
هذا الزحامُ لا أحدْ! (لم يبق إلا الاعتراف).

وإن كان الشاعر، هنا، لم يعد يشعر بوجود الآخر، موغلاً فى نفيه، حد المحو، والإنكار التام لوجوده.

وإزاء الشعور بالوحدة فى المكان الآخر، ينسلخ  الشاعر من زمكانية مكانه الآخر الباريسي، وكأنَّ الأجواء الربيعية وفوحان العطر فى المكان الآخر لم يخففا من إحساس الوحدة والاغتراب المُساكن الشاعر، ليُقرر اصطياد طير القطا، معلنًا عن غرض «الطرديات»، هذا الغرض المتجذِّر فى تراث الشعر العربى القديم، حيث الشاعر الفارس الذى يخرج وراء طرائده، فيما يبدو أنَّه استرجاع لثقافة المكان الأول، الثقافة العربية القديمة، والصيد ممارسة كان لها عوائدها النفسية على الشاعر القديم، كأمارة على تحقيق الذات وإعلان الوجود، وكأنَّ ثمة ارتباطًا ما ولو رمزيًّا بين صيد الشاعر لطرائده وصيده لمعانيه الشعرية.

وإذا كان الشاعر هو المُطارِد والقطا هى (الطريدة) فما نلبث أن نكتشف العكس، فالقطا تتبع الشاعر من بلد إلى بلد، إنَّها رمز أو حلم أو معانٍ تراود الشاعر من مكان لآخر، فهل تكون «القطا» هى الأفكار المهوِّمة فى وجدان الشاعر ويريد اصطيادها بالكلمات؟ أو هل تكون «القطا» هى «اليوتوبيا» التى يحلم بها الشاعر ويبحث عنها فى كل مكان وتتبعه فكرتها من بلد إلى بلد؟ وكما يبدو فإنَّ القطا هى ما يراود الشاعر فى أحلامه ولكنَّه يفلت منه عند محاولته الإمساك به، إنّها الأحلام المرجأة، أو لنقل الأحلام المستحيلة المتبددة والهاربة من الشاعر فى حال الصحو ووقت اليقظة. تبدو «القطا» فى ملاحقتها للشاعر من بلد إلى بلد مثل بلاده نفسها التى تتبعه فى أى مكان يذهب إليه:

وأنتِ لستِ غيرَ رمزٍ فاتبعيني. (كائنات مملكة الليل).

لقد صارت الأشياء والكيانات رموزًا تتعالى عن تعيناتها الموضوعية، لذا تتحلل من قيودها المادية كتموقعها المكانى وتشكُّلها الفزيقي، واستحالة أفكار مجردة ذات كينونة صورية فى وعى الشاعر.
ومن حيث البنية الموسيقية الظاهرة للقصيدة نجد اعتماد الشاعر لصوت (الدال) الساكنة رويًّا موحدًا للقصيدة، ويبدو توحيد حرف القافية اقترابًا من شكل القصيدة الكلاسيكية الموحدة القافية بما يناسب غرض «الطرديات» كذلك تعكس انتظام المشاعر وتدفق التمثلات التى تعاينها الذات كأنها حبات لؤلؤ فى عقد، وبرغم أنَّ (الدال) من حروف الجهر والشدة يأتى تسكينها ليُعدِّل كيمياء الحرف ويمتص قدرًا من شدته، بما يعضد منشودات الدلالة المبتغى بثُّها عبر الخطاب الشعرى لحجازى الذى يبدو ذا نبرة هامسة تعكس حالة الصفاء الذهنى المستغرق تأملاً للوجود.

وعمومًا تبدو استعارة «الطير» ملحة على الوعى التخييلى لدى حجازى خصوصًا فى تجربته الباريسية، وهى بالطبع من تخرج أعطاف مخيال رعوى وتكوين ريفي، كما فى قصيدة «مصابيح الشوارع»:
(المصابيح هاربةٌ كالطيورِ/ ونحن نطاردُها من نوافذِنا العالية/ حين تأخذنا ضَحوةُ الشمسِ تنأى المصابيحُ منسيَّةً/ ثم تحجبُنا غُرفُ النومِ، نغشى نوافذَها/ فتلوح المصابيحُ عندئذٍ/ تتقدّم حيث يَحلُّ الظلامُ/ وتأخذ وقفتَها تحتنا متألقةً زاهية/ فى الليالى الدفيئة يأتى السكارى/ فيستأنسون المصابيحَ/ لكنهم يرحلونَ، وتبقى/ تضيءُ لأنفسِها الطُّرق الخالية).

 ثمة شعور ما بفرار الأشياء كالمصابيح من مدى الاستحواذ البشرى المتأمل لها فى المكان الآخر، فتُمسى المصابيح كالطرائد التى تلاحقها الذوات، وكأنَّ الصوت الشعرى يُسقط إحساس الذات بالاغتراب على الأشياء، وكأنَّ الشاعر، بصورته التى ينثر فيها بعض ملامح شعر الطرديات، يصبُّ خمرًا عتيقة فى كأس جديدة، وهذا من علامات التفرُّد الإبداعى والتميُّز الشعرى لأحمد عبد المعطى حجازي: إنَّه يستوعب الشعر القديم وأغراضه الكلاسيكية ويعيد إنتاجها فى صور جديدة، فما بين هروب المصابيح من الظهور فى وقت ضحوة الشمس، وتقدُّمها بحلول الظلام ليلاً، واستئناس السكارى بها ثم رحليهم عنها، فى التقاط لمشهد العابرين (السكارى) تأكيدًا على شعور الذات بعابرية الوجود، وجود الأشياء والأشخاص فى المكان الآخر، ثم إضاءة المصابيح لأنفسها الطرق الخالية، فى إسقاط نفسى تقيمه الذات الشاعرة التى تشعر بالخلاء كتمظهر اغترابى فى المكان الآخر- رسمٌ لتذبذبات الوجود وأشيائه، ثمة شعور ما بعابرية الحضور البشرى وخفوته وانطفائه فى ذلك المكان الآخر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: