Close ad

الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج والتصدير.. توطين صناعة الهواتف الذكية في المنطقة العربية

8-6-2024 | 17:48
الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج والتصدير توطين صناعة الهواتف الذكية في المنطقة العربيةصورة أرشيفية
محمد عبد الحميد - د. شاهيناز العقباوى
الأهرام العربي نقلاً عن

مصر تنجح في جذب شركات عالمية لتدشين مصانع للهواتف على أرضها والتحول لمركز إقليمي

موضوعات مقترحة

صناعة الهواتف تخلق أكثر من 700 ألف فرصة مباشرة وغير مباشرة فى المنطقة العربية

نمو سوق الهواتف الذكية في دولة الإمارات بنسبة 26 ٪ فى 2023 لتسجل 2.4 مليار دولار

السعودية ترصد 100 مليار دولار لتوطين صناعة الإلكترونيات والأجهزة الذكية

 

 

انتقلت علاقة المواطن العربى بالهواتف الذكية من خانة «مستهلك» إلى «صانع» وقريبا «مصدر» وذلك فى ظل ما تشهده المنطقة العربية من جهود كبيرة تبذل من قبل حكومات عدة دول فى مقدمتها مصر والسعودية والإمارات نحو توطين صناعة الهواتف الذكية على أرضها . مسيرة التحول من سوق كبيرة للاستهلاك إلى وطن لصناعة واعدة، بدأت منذ عدة سنوات بتهيئة بيئة ومناخ الأعمال لصناعة الإلكترونيات، وتشجيع الاستثمار على أرضها، مرورًا بإدارة مفاوضات مباشرة مع شركات عالمية متخصصة فى صناعة الهاتف المحمول والأجهزة الذكية والتعرف على احتياجاتهم، والترويج للمقومات التنافسية والمزايا والإعفاءات الجمركية التى تقدمها الدولة، وصولا إلى نجاح لافت للنظر فى تحفيز وجذب عدد من تلك الشركات لتدشين مصانع على أرضها ورفع نسبة المكون المحلى فى منتجاتها .

قد مثلت تجربة نجاح منطقة وادى السيلكون بولاية كاليفورنيا الأمريكية، والتحول إلى واد لصناعة التكنولوجيا فى العالم خلال الربع الأخير من القرن الماضى  إلى مصدر إلهام لدول أخرى فى أنحاء العالم مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وتمكنت من التحول لمراكز صناعية للتكنولوجية المتقدمة، ومعها انطلقت اقتصاديا بفضل العوائد المالية الضخمة من تلك الصناعة لاسيما الهواتف الذكية.

تشهد المنطقة العربية محاولات جادة من قبل عدة دول لاستلهام تجربة وادى السيلكون بولاية كاليفورنيا الأمريكية، وفقا لما تتمتع به من إمكانات وقدرات ناهيك عن علاقات وروابط اقتصادية وتجارية تربط دول المنطقة بالأسواق القريبة.

بدأت مرحلة التحول  فى عقد التسعينيات من القرن الماضى، مع بداية استقبال المنطقة العربية لشحنات الهواتف لمواكبة الطفرة التى يشهدها قطاع الاتصالات فى العالم، والانتقال من عصر التليفون الثابت إلى الهاتف المحمول،  وانعكس ذلك على المجتمع فأقبل البعض على افتتاح محال تجارية لبيع الهواتف وأخرى لصيانتها، وبمرور الوقت ومع تحول غالبية دول المنطقة نحو الاقتصاد الرقمى، وشيوع الاعتماد على التطبيقات فى مختلف نواحى الحياة، زادت الحاجة إلى مزيد من الهواتف الذكية، ما أدى إلى زيادة تكاليف استيرادها ومعها ظهرت الحاجة إلى توطين تلك الصناعة، وتهيئة مناخ الاستثمار لجذب الشركات العالمية لتدشين مصانع فى المنطقة العربية، وهو ما بات يتحقق تدريجيا فى عده دول.

ويرى الدكتور حسان عبد الله الكسوانى خبير البرمجة الالكترونية الأردنى أن سوق صناعة الهواتف المحمولة العالمية تشهد تطورا بصورة سريعة وذلك يتناسب مع حجم الطلب والعرض ووفقا لبيانات إحدى الشركات المصنعة، يتجاوز عدد اشتراكات الهواتف فى جميع أنحاء العالم ستة مليارات، ومن المتوقع أن ينمو خلال السنوات المقبلة.

ووصف الكسوانى سوق الهواتف بأنه الأكثر تنافسية حيث تهيمن عليه شركات كثيرة، وتواصل معظم الشركات إطلاق نماذج جديدة بصورة مستمرة لزيادة المبيعات، وتسيطر شركتان فقط منهما على ثلث المبيعات فى العالم، واستطاعت إحداهما أن تحقق أرباحاً خلال العام الماضى تجاوزت 20 مليار دولار، وحصدت الثانية أرباحًا تقدر بـ 13 مليار دولار.

ويؤكد «الكسوانى» أن هذه السوق تعتبر الأكثر ربحية فى العالم، إلا أن مشكلتها تكمن فى سيطرة عدد من دول العالم عليها، مما يجعل دخول منافس جديد أمرا صعبا جدا، وهو ما ينطبق على المنطقة العربية. فعلى الرغم من دخول كل من مصر وتونس والجزائر والإعلان عن عزم كل من السعودية والإمارات دخول هذا المجال، فإنه على ارض الواقع لا نزال عربيا فى بداية الطريق لأن مجال المنافسة قوى، ويحتاج إلى أيد عاملة مدربة، وخطط إنتاج مميزة وبرامج إعلانية وتسويقية، إلى جانب عرض خدمات مميز ومختلف يجعل خطوط الإنتاج الخاصة بها مميزة عن غيرها، لذا مازلنا نحتاج إلى بعض الوقت عربيا لنثبت أقدامنا على أرض هذه الصناعة .

سوق كبيرة
تمثل المنطقة العربية سوقا كبيرة ومتنامية لمنتجات الهواتف الذكية بفعل الكثافة السكانية العالية والإقبال على التكنولوجيا الذكية، كما فى مصر والعراق  والمغرب والجزائر، وكذلك زيادة دخل الفرد لاسيما فى دول مجلس التعاون الخليجى، وهو يجعلها مصدر جذب للشركات العالمية لإقامة مراكز لتوزيع منتجاتها بل، وتدشين مصانع لإنتاجها والاستفادة من مناخ الاستثمار والإمكانيات ووفرة الأيدى العاملة.

وفى عام 2023، بلغت شحنات الهواتف الذكية فى المنطقة العربية نحو 42.5 مليون وحدة، بزيادة قدرها 24 ٪ مقارنة بعام 2022، وبحلول عام 2026 من المتوقع أن تنمو سوق الهواتف الذكية بالمنطقة بمعدل نمو سنوى مركب قدره 9 ٪. وتعد شبكة الجيل الخامس G5 أحد المحركات الرئيسية لهذا النمو، ومعها سيزاد حجم الطلب على الهواتف الذكية المتقدمة فى هذه المنطقة، وهو ما يعزز من فرص توطين صناعة عربيا نظرا لحجم السوق الكبير.

السعودية.. رؤية 2030
يقدر حجم سوق الاتصالات والتقنية فى المملكة العربية السعودية بنحو 166 مليار ريال، (55 مليار دولار) بنسبة نمو سنوى مركب بلغت 8 ٪ خلال الأعوام الستة الماضية، واحتلت الهواتف الذكية المرتبة الأولى فى حجم الواردات للسوق المحلية فى المملكة العربية السعودية خلال عام 2023، واستحوذت المملكة خلال الربع الأخير من 2023، على ما نسبته 52 ٪ من شحنات الهواتف الذكية الموجهة لمنطقة الخليج، تليها الإمارات والعراق، وتعمل الحكومة السعودية على توطين صناعة أشباه الموصلات وأشكال أخرى متعددة من التكنولوجيا فى المملكة بحلول عام 2030، تشمل تصنيع قطع غيار السيارات الكهربائية والرقائق المستخدمة فى مختلف الأجهزة الإلكترونية بدءًا من الشاشات إلى الهواتف، ورصدت 100 مليار دولار لتوطينها وفقا لرؤية المملكة 2030.

الإمارات.. نمو سنوى

مع نهاية العام الماضى 2023 بلغت قيمة سوق الهواتف الذكية فى دولة الإمارات العربية المتحدة 8.8 مليار درهم (2.4 مليار دولار) بنسبة نمو 26 ٪ على أساس سنوى وبلغ إجمالى وحدات الهواتف الذكية المشحونة إلى جميع الإمارات نحو 5.1 مليون هاتف ذكى، بنمو 3 ٪ على أساس سنوى، ومن المتوقع أن تصل قيمة صناعة الاتصالات فى دولة الإمارات إلى 10.6 مليار دولار عام 2028، وأن يشهد هذا القطاع نموا سنويا بنسبة 3.15 ٪.

الكويت.. إقبال كبير

يوجد إقبال كبير فى دولة الكويت على اقتناء الهواتف الذكية، وأظهرت البيانات الصادرة عن الإدارة المركزية للإحصاء أن 17 شخصا من كل 100 شخص فى الكويت يملكون خطين للهواتف النقالة، وبلغ إجمالى عدد الاشتراكات للدفع المسبق نحو 3.985 مليون اشتراك، مقابل 1.596 مليون للدفع الآجل، ليصبح مجموع مشتركى باقات الدفع المسبق والآجل نحو 5.58 ملايين مشترك، بينما يبلغ عدد مشتركى النطاق العريض المتنقل للبيانات (راوتر) نحو 2.144 مليون مشترك، ليبلغ بذلك إجمالى عدد مشتركى الهواتف الذكية والراوتر فى الكويت 7.7 ملايين مشترك.

العراق.. سوق ممتدة
يمثل العراق سوقا كبيرة لصناعة الهواتف الذكية ووفقا لدراسة صادرة عن وزارة التخطيط، فان 86 ٪  من العراقيين يستخدمون الهاتف الذكية، وتصل نسبة استخدام الهاتف لدى الذكور إلى 90 ٪، مقابل 81 ٪ من الإناث، وأظهرت البيانات أن نسبة استخدام جهاز الهاتف المحمول فى محافظة بغداد كانت الأعلى، إذ وصلت إلى 97 ٪، تلتها النجف 93.5 ٪ ثم البصرة 93 ٪،  بينما محافظة كركوك رابعا بنسبة 92 ٪ .

سلطنة عمان.. ارتفاع متواصل


ارتفع إجمالى عدد اشتراكات الهواتف المتنقلة بسلطنة عُمان بنسبة 5.2 ٪ بنهاية شهر مارس 2024 ليبلغ 7 ملايين و201 ألف و537 اشتراكًا مقارنة بنهاية مارس 2023، وبينت الإحصاءات الصادرة عن المركز الوطنى للإحصاء إلى أن اشتراكات الهاتف الذكى آجل الدفع ارتفعت بنسبة 9.8 ٪ لتبلغ مليونًا و863 ألفًا و307 اشتراكات، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضى، وأوضحت أن عدد اشتراكات الهاتف الذكى مدفوع القيمة مسبقًا ارتفع بنسبة 3.7 ٪  إلى 5 ملايين و338 ألفًا و230 اشتراكًا.

الأردن ولبنان.. زيادة مستمرة
 خلال الثلث الأول من العام الجارى 2024، بلغ إجمالى واردات الأردن من أجهزة الهواتف الذكية نحو 628 ألف جهاز، بقيمة إجمالية بلغت 51 مليون دينار أردنى، مسجلاً بذلك زيادة على العام 2023 الذى شهد استيراد نحو 521 ألف جهاز بقيمة 53 مليون دينار، فى حين استوردت لبنان فى عام 2023 نحو مليونى هاتف ذكى بقيمة 224 مليون دولار، وفقاً للأرقام الصادرة عن هيئة الجمارك اللبنانية.

مصر.. مركز إقليمي
قطعت مصر خطوة كبيرة للتحول إلى مركز إقليمى لتصنيع الهواتف الذكية، بعد أن نجحت الحكومة فى جذب شركات عالمية فى وقت سابق، لتدشين مصانع لها فى مدن بنى سويف والعاشر من رمضان والسادس من أكتوبر وأسيوط، بعضها انتهى من مرحلة التأسيس وانطلق فى الإنتاج والوجود الفاعل فى السوق المحلى بل والتصدير للهواتف ومستلزماتها بمكون محلى يفوق 40٪ وتحمل شعار «صنع فى مصر»، وبعضها بدأت فى التصنيع من خلال مصانع محلية قائمة مستغلة خطوط إنتاجها، كما تجرى الحكومة حاليا مفاوضات مع شركتين كبيرتين لتصنيع هواتفها فى مصر.

كما سبق ووقعت «هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات» «إيتيدا» التابعة لوزارة الاتصالات، وإحدى الشركات الصينية مذكرة تفاهم لإنشاء مصنع لها للهاتف المحمول فى مصر، بطاقة إنتاجية 4.5 مليون وحدة سنويًا.

وقد أثمرت تلك الخطة عن تراجع واردات مصر من الهواتف الذكية خلال 2023 بنسبة 98.5 ٪، وبقيمة تراجع تقدر بأكثر 338 مليون دولار، وفقا لنشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، التى كشفت أن واردات الهواتف سجلت 5.238 مليون دولار فقط بنهاية 2023، مقارنة بـ 343.275 مليون دولار فى عام 2022. وتعمل الحكومة المصرية على تهيئة مناخ الاستثمار أمام تلك الشركات لزيادة حجم الإنتاج لأكثر من 6 ملايين هاتف من كل شركة، ما يعزز من مسارات التصدير لجذب العملة الأجنبية، وتضخيم حجم الصناعة بما يتناسب مع حجم السوق المصرية وقدرته الكبيرة على تعزيز معدلات نمو هذه الشركات، وبناء هوية صناعية جديدة لمصر فى هذا التخصص بما يضمن توطينها.

وأخيرا تفقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عددا من  مصانع وخطوط إنتاج الهواتف الذكية للوقوف على ما تحتاج إليه تلك الشركات لزيادة إنتاجها والتصدير وتحقيق المستهدف، وذلك بالتزامن مع تنامى فرص العمل بشكل مباشر أو غير مباشر التى توفرها تلك المصانع للمصريين، وما يتلقونه من دورات تدريبية متخصصة ما يعزز من توطين تلك الصناعة وزيادة الوعى بأهميتها فى المجتمع المصرى، ومن المتوقع أن يحقق السوق نمواً سنويًا مركبًا بنسبة 6.45 ٪ فى الفترة من 2024 حتى 2028، وأن يصل حجم سوق الهواتف الذكية فى مصر إلى 19.7 مليون جهاز بحلول عام 2028.

ويتناغم تقدم مصر بنجاح نحو توطين صناعة الهواتف الذكية، مع التقدم الكبير الذى يشهده قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى مصر، حيث بلغ معدل النمو نحو 16.3 ٪ فى العام المالى 2022/2023؛ ليصبح الأعلى نموًا بين قطاعات الدولة على مدار 5 سنوات متتالية، كما حقق القطاع إيرادات بلغت 315 مليار جنيه فى العام المالى الحالى بنسبة نمو نحو 75 ٪. كما نمت الصادرات الرقمية لتصل إلى 6.2 مليار دولار خلال عام 2023 صعودا من 4.9 مليار دولار خلال عام 2022 بنسبة نمو 26 ٪.

ويؤكد الدكتور عصام الجوهرى، أستاذ نظم المعلومات وإدارة التحول الرقمى، عضو الهيئة العلمية بمعهد التخطيط القومى ومستشار التخطيط والتنمية بمركز دعم اتخاذ القرار بمجلس الوزارء المصرى، أن العالم العربى، خصوصا مصر، يشهد اهتمامًا متزايدًا بتوطين صناعة الهواتف الذكية، مدفوعًا برؤية ثاقبة تسعى إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادى والتكنولوجى. لافتا  النظر إلى أن الهواتف سوق استهلاكى ضخم يقدر حجمه فى العالم العربى بنحو 40 مليار دولار، مع توقعات بوصوله إلى 60 مليار دولار بحلول عام 2025، كما تخلق صناعة الهواتف فرصة عمل تزيد على 700 ألف فرصة مباشرة وغير مباشرة فى المنطقة. وتخطو مصر خطوات حثيثة فى سبيل توطين هذه الصناعة، حيث ارتفع معدل المكون المحلى فى تصنيع الهواتف إلى أكثر من 40 ٪ خلال العام الماضى.

وأشار الجوهرى إلى أن هناك دولا عربية أخرى إلى جانب مصر تسعى جاهدة إلى تحقيق السبق فى هذا المجال مثل الجزائر وتونس، اللتين دخلتا على الخط فى إطار السعى نحو تحقيق تقدم فى هذا المجال الصعب نظرًا لسيطرة العديد من الدول عليه فضلا عن كونه سوقا يتمتع بمنافسة قوية بين عشرات الشركات، التى تتمتع بميزانية تسويق هائلة وبالثقة والمصداقية وسنوات طويلة من الخبرة يصعب منافستها.

وثمن «الجوهرى» استقطاب الحكومة المصرية اللاعبين الرئيسيين فى هذه الصناعة للسوق المصرية، عبر مصانع لشركات عالمية متخصصة فى إنتاج الهواتف الذكية، مؤكدًا أن توطين صناعة الهواتف يمثل خطوة إستراتيجية مهمة نحو تحقيق التنمية المستدامة فى مصر والعالم العربى، وأن هذه الصناعة ستصبح محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادى وخلق مزيد من فرص العمل، ورافعة أساسية لتحقيق الاستقلال الاقتصادى والتكنولوجى للمنطقة فى المستقبل القريب.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة