Close ad
6-6-2024 | 14:47

الحديث عن جبر الخواطر شيق وجميل؛ ويٌشعرك براحة نفسية غاية في الطمأنينة؛ لاسيما أنها عبادة لها من الحسنات ما لا يعد ولا يحصى؛ فجبر النفس؛ ذلك من أقرب أعمال الخير إلى الله؛ لأنه سبحانه خالق النفس؛ فعندما يجبر إنسان نفس إنسان؛ فكأنما جبر أنفس الناس جميعًا، وكما قال الله سبحانه وتعالى "وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ" الآية 32 من سورة المائدة.

وأعتقد أن عبادة جبر الخواطر باتت معلومة لدى قطاع عريض من الناس؛ بل إن هناك من يفعلها بشكل تلقائي؛ مثلما يصلي أو يصوم؛ لأنه ذاق حلاوتها بفضل الله عليه.

إنما حديثي اليوم عن فعل سيئ يقع الناس فيه دون قصد أحيانًا، وأحيانًا أخرى عن جهل؛ وهي فعل كسر الخواطر؛ والحديث عن ثناياها كثير. 

فعلى سبيل المثال؛ قد يأتى إليك طفل صغير؛ يطمع في أن تعطيه صدقة؛ وأنت دون أن تشعر قد تنهره لعلمك المسبق أنه يتخذ الشحاذة مهنة.

ويمكن لك أن تصرفه عنك بهدوء؛ دون أن تنهره ما دمت غير مقتنع بحاجته؛ ويمكن أن تبرأ بنفسك وتعطيه ما تقدر عليه ابتغاء وجه الله؛ أما تحري حاجته؛ فهي على الله؛ فقد قال الله سبحانه وتعالى؛ في سورة الضحى" وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ" الآية 10.

لذلك نهر السائل هو من كسر الخواطر؛ وأيضًا عدم طاعة لله ومخالفة أمره، وبكل تأكيد هذا له من الجزاء ما له؛ والله أعلم.

لذلك كلما تيسر لك ألا تكسر خاطر أحد؛ فاحرص على ذلك؛ مخافة الله؛ فهو خالق العباد ويسر لهم السبل؛ وخلق أسباب التيسير؛ وكذلك التعسير؛ وأيضًا خلق مفاتيح الجبر؛ وأدوات الكسر؛ ومن ثم هناك الجزاء من جنس العمل؛ فإذا جبرت بخاطر مخلوق؛ جبر الله بخاطرك؛ أي مخلوق له روح؛ لا تكسر بخاطره.

تخيل إذا كنت سببًا فى أذى حيوان ضعيف لا حول له ولا قوة؛ وكسرت خاطره وهو الضعيف؛ فتأكد أن القوي المتين؛ لن ينسى لك فعلتك؛ وجزاؤك عنده، هذا عن الحيوان فما بالك بالإنسان.

كسر الخواطر؛ ليس فقط إهانة للنفس وإذلال لها؛ بل أحيانا يكون فيه من القهر ما يكاد يصل لأن تعيش كالنفس الميتة؛ وتلك عيشة مؤلمة؛ تخيل أنك تعانى من ألم في جزء من جسدك؛ وتحاول أن تأخذ أي علاج لتداوي الألم، فهل يمكن أن نجد علاجًا لكسر الخاطر!!

بكل تأكيد الإجابة لا؛ بما يؤكد ضرورة تحري الحفاظ على خواطر الناس؛ إن لم تكن تقدر على مساعدة أحد؛ فلا تكون سببًا في ضرره، وهذا أضعف الإيمان.

من كثرة الحديث عن جمال جبر الخاطر؛ يمكن لك عزيزي القارئ تخيل حالة كسر الخاطر؛ وما تسببه من ضيق وحزن وغم للإنسان؛ فإياك وكسر الخواطر؛ فذنبها عظيم وعقابها كبير؛ فتجنبها.

نفوس الناس كما المرايا؛ كلما حافظت عليها؛ شاهدوا أنفسهم بصفاء ونقاء مبهج؛ والعكس صحيح؛ كلما جرحت المرآة؛ كانت صورتهم مشوشة؛ أحيانا باهتة؛ ومن ثم سيكون الضيق هو الشعور الضاغط كلما نظروا إليها.

كسر الخواطر؛ يشابه كسر المرايا؛ يقلل صفاؤها؛ فيقل بهاؤها؛ كما شرخ النفس؛ يجعل صاحبها عاجزًا مكبلًا محطمًا، إلى أن يتحول لشخص باهت؛ قد يؤذي نفسه؛ وأحيانًا يؤذي من حوله.

يوم القيامة؛ قد تجد نفسك حصدت حسنات جاءت إليك بعد وفاتك؛ بسبب ولد صالح يدعو لك؛ هذا الولد قد لا يكون ابنك؛ ولكنه إنسان ظل يدعو لك بسبب جبرك لخاطره.

وقد تجد أنك خسرت حسنات بسبب ولد يدعو عليك؛ لأنك كسرت بخاطره؛ وظل الكسر يعيش معه؛ ومن شدة ألمه بات يدعو على من تسبب في كسر خاطره. 

إياكم وكسر الخواطر.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الرحمة

أيام قلائل ويهل علينا شهر رمضان المبارك؛ وأجد أنه من المناسب أن أتحدث عن عبادة من أفضل العبادات تقربًا لله عز وجل؛ لاسيما أننا خٌلقنا لنعبده؛ وعلينا التقرب لله بتحري ما يرضيه والبعد عن ما يغضبه.