Close ad

"الشباب" تدخل معقل أغاني المهرجانات في المطرية

5-6-2024 | 11:47
 الشباب  تدخل معقل أغاني المهرجانات في المطريةمطربي المهرجانات
حواش منتصر تصوير: محمد عبدالمجيد
الشباب نقلاً عن

غرفة صغيرة في بيت محمود غريب شهدت مولد "عايز تروح النت.. اركب سوبر جيت"

موضوعات مقترحة

وائل سردينة خبير المؤثرات الصوتية  "صانع النجوم" ..  وعماد المخبر "الرواد الأوائل"

حكاية معقدة ومتداخلة، لا أحد يعرف متى وكيف كانت البداية، ولا أحد يتوقع لها نهاية قريبة، أسئلة كثيرة حاولنا أن نبحث لها عن إجابات في حي المطرية الذي انطلقت منه الأغاني المعروفة باسم المهرجانات، فهو عالم مليء بالكواليس والحكايات المثيرة، فالقصة لا تحتاج لمجهود أو مهارات أو حتى موهبة، مجموعات من الكلمات الغريبة والحركات البهلوانية وبعض الحظ تصبح بعدها نجما مشهورا يذيع صيته في أنحاء الوطن العربي وتنتقل لطبقة أصحاب الثراء الفاحش وسكان القصور وملاك السيارات الفارهة، ومن هنا في حي المطرية .. بدأت الحكاية..

 

متى بدأت المهرجانات؟

الإجابات كانت متباينة ومتعددة، "لا أحد يعرف بالتحديد متى توغلت أغاني المهرجانات" كما قال أيمن العربي وهو مطرب شعبي في حي المطرية، لكنه يؤكد أن المتعارف عليه أن المهرجانات بدأت على يد أوكا وأورتيجا ومن بعدهما شحتة كاريكا، وكانت نقطة الانطلاق من منزل وائل سردينة، وهو مسئول عن برامج الصوت والمؤثرات الصوتية التي تستخدم في أغاني المهرجانات، فهو  يحظى "وائل سردينة" بشهرة كبيرة في عالم أغاني المهرجانات ويلقبونه بصانع نجوم المهرجانات، وأنه لعب دورا كبيرا في انتشار أغاني المهرجانات من المطرية للأميرية ومنهما إلى باقي أحياء مصر.

هذه الرواية تتعارض مع حكاية أخرى رواها لنا صاحبها وهو مصطفى صلاح الشهير باسم "حلبسة"، وهو مطرب مهرجانات، حسب كلامه، القصة بدأت منذ عام 2009، قبل هذا التوقيت كان حلبسة مثل جميع المطربين الشعبيين، يؤدي الأغاني المعروفة لكبار المطربين في الأفراح والحفلات بأسلوبه وبطريقته، ولم يكن هناك ما يعرف بالمهرجانات وقتها.

 

لكن كانت هناك واقعة غيرت مسار الأغنية في مصر، لتكون شاهدة على مولود جديد في عالم الفن، جاء إلى هذه الحياة بالصدفة، يستكمل "حلبسة" روايته قائلا: إن هناك شخصا اسمه محمد غريب ومعه مجموعة من الأصدقاء كانت تعرف بـ"شلة محمد غريب"، هذه المجموعة كانت تحضر جميع الأفراح في المطرية وتحاول إدخال الفرحة والسرور على كل الأفراح وتحديدا الفقراء والبسطاء، ويحاولون أن تكون هناك نقطة في الفرح حتى يتمكن أهل الفرح من تغطية التكاليف، حتى جاء موعد فرح شقيقة محمد غريب، وقررنا أن نقدم له شيئا مختلفا كنوع من التقدير لمجهوداته وحرصه على القيام بالواجب تجاه الجميع، واتفقت أنا والمطرب عماد المخبر، وهو صديقي ويغني معى دائما على أن نقدم تحية مختلفة لصديقنا محمد غريب.

القصة لم يكن مخططاً لها، فلم يكن حلبسة وأصدقاؤه يعرفون أن هذا الزمان هو مولد أغاني المهرجانات.

غرفة صغيرة في منزل محمد غريب تجمع فيها "حلبسة" وعماد المخبر ومحمد غريب وعدد من أفراد أسرته وبدأوا في تسجيل أغنية، لم تكن مكتوبة ولم يكن معدا لها سابقا، واستخدموا في التسجيل تقنية متواضعة وهي التي كانت متاحة وقتها، هذه التقنية كانت معروفة باسم "جوت أوديو" وهو برنامج كان يستخدم في تسجيل القرآن الكريم.

شهد عام 1999 مولد أول أغنية شعبية، حيث بدأت المجموعة في الغرفة الصغيرة في تشغيل الموسيقى وكأنهم في حفل وفي يد كل منهما ميكروفون وبدأوا في ترديد أغنية، وكانت أول جملة، "عايز تروح النت.. اركب سوبر جيت".

كانت هذه أول جملة خرجت من لسان "حلبسة"، ليلتقطها منه عماد المخبر ويضيف جملة أخرى، وتبادلا الجمل التلقائية، "قول يا حلبسة قول يا عماد" وبدأوا في ترديد بعض الأسماء المتوقع حضورهم في الفرح في الأغنية، ولم تخل الأغنية من مجاملة صاحب الفرح وأفراد أسرته، أيضاً شارك محمد غريب وكل الحضور بجمل في الأغنية، هذا الحدث استمر ما يقرب من 42 دقيقة، وتم تسجيلها وإذاعتها في الفرح مع أداء المطربين، لتحظى الأغنية بإعجاب الحضور وتعرف طريقها للشهرة في شوارع وأفراح المطرية وباقي الأحياء والمدن.

الخطوة التالية كما يرويها "حلبسة" كانت بالتعاون مع "فيجو" وهو مطرب من مدينة السلام، وبدأ يطبق الفكرة التي قدمناها، ولكن بتقنيات وبرامج أكثر تطورا وأغنيات مكتوبة، حيث يتم التوقف أثناء التسجيل وإعادة التسجيل مرة أخرى لتعديل الكلمات أو اختيار كلمات جديدة، وحدث تعاون بين فيجو وحلبسة ليقدموا بعدها العشرات من أغاني المهرجانات.

هذه كانت البداية، لكن الحكاية تتطور وانقلبت حياة "حلبسة"، شقت أغاني المهرجانات طريقها إلى جميع مدن وقرى مصر، ليقدم "حلبسة" العديد من الأغاني مع المشاهير، مثل أغنية "المولد في زحمة والعيش واللحمة"، التي غناها الفنان محمد رمضان في فيلم "عبده موته"، كما أنه تعاون لاحقا مع أوكا وأورتيجا في مهرجان "مولد سيدي العريان".

يستعيد "حلبسة" ذاكرته، وقال بلهفة: "كنا بنعمل أغنية مش كاتبين كلامها"، الكلام كان بيخرج بتلقائية يناقش مشكلات الطبقات الأقل في المجتمع ويتحدث عنها ويرصد واقعها، وهذا هو السر في نجاح المهرجانات في مراحلها الأولى، والتي "أكلت الجو" من كل أنواع الفنون والأغاني.

جملة غريبة وصف بها "حلبسة" ما كان يقدمه من أغاني، حيث قال: "كنا بنقدم أغاني مش شيك"، كنا نصنع الأغنية بتكلفة 10 جنيهات وتنجح وتحظى بشهرة كبيرة في جميع أنحاء مصر وتسمعها هنا وهناك، ويرددها الكبير والصغير، والفقير والغني، وخطفنا بها القلوب والعقول في الدول العربية، وأصبح لنا جمهورنا هناك، وهذا نجاح، على الجهة الأخرى والكلام على لسان "حلبسة"، هناك من يقدم أغاني "شيك" وينفق عليها مئات الآلاف من الجنيهات أو الملايين، وفي النهاية لا تنجح الأغنية ولا تحظى بشهرة إلا في دائرة صغيرة.

مطربي المهرجانات

ويعود "حلبسة" من زمن بدايات المهرجانات في القرن الماضي، ليتحدث عما يحدث الآن، مؤكدا أن أغاني المهرجانات أصبحت صناعة و"بقت أشيك" على حد قوله، في الماضي كنت أبحث عن كلمات الأغنية من خلال بوست على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، لأستقبل عشرات الأغاني، الآن أصبحت صناعة، ومتخصصين واستوديوهات متطورة، هي الأحدث والأفضل في مصر، هذه الاستوديوهات لن تجد لها مثيل لدى المنتج أحمد السبكي، وأصبح هناك كتاب معروفين، ,أشهر من يكتب أغاني المهرجانات الآن، هم، أمير شيكو، حازم إكس، وشيكو الدنجوان وخلودة.

لا ينكر "حلبسة" فضل أغاني المهرجانات عليه، والتي ساعدته للسفر إلى 3 دول لم يكن بالسفر إليها طيلة حياته، فهو سافر ليغني في لبنان والدنمارك وإنجلترا.

ويواصل "حلبسة" المقارنة بين أغاني المهرجانات في البدايات والآن، قائلا: في البداية كنا نقدم أغاني تدخل البهجة والفرح والسرور على قلوب الناس، كنا نتحدث عن الفقراء وحياتهم باحترام مثل مهرجان "مولد في زحمة وفي عيش ولحمة" وهذه كلمات ليس بها أي إسفاف، على عكس الوضع الآن، مثلا فهناك أغنية تقول "حاطط سكينتي تحت المخدة"، أنا ضد هذا، فهذه لا تخاطب الطبقة التي كنا نتوجه إليها في بدايات المهرجانات، هذه طبقة ليس لها علاقة بالفقر، بل بأمور أخرى.

مطربي المهرجانات

لكن الواقع يؤكد أن المهرجانات فرضت نفسها سواء كان ما يقدم سلبي أو إيجابي، لكنها نجحت في أن تكون الأولى على الساحة في الوطن العربي، فهي تنقل الواقع في حواري وأزقة وشوارع ومدن وقرى مصر، والكلام لـ"حلبسة" الذي يؤكد أن أغاني المهرجانات أصبح لها شخصية ويعمل لها ألف حساب، في الماضي عندما كان شخص يذهب للمصنفات لتسجيل أغنية مهرجانات كان يتم طرده ولا يتم تسجيل الأغنية، الآن الصورة تغيرت، غالبية الأغاني التي يتم تسجيلها في المصنفات هي أغاني مهرجانات، نقول عنها موضة وستنتهي قريبا، لكنها لم تنته، هناك العديد من الأشخاص يتركون أعمالهم ومجالاته ليغنوا مهرجانات.

لماذا المطرية؟

السؤال الذي يبحث عن إجابة مقنعة، لماذا خرجت أغاني المهرجانات من المطرية ولم تخرج من غيرها من أحياء مصر، الإجابة جاءت على لسان سمير اسكندر، وهو صاحب مقهى شهير في حي المطرية، يتجمع عليه العديد من مطربي أغاني المهرجانات، لكنه في الأساس ملتقى لمطربي الأغنية الشعبية.

مطربي المهرجانات

يصف سمير اسكندر أغاني المهرجانات، بأنها نوعية كلام غير محبب للبعض، لكن هذا لا يمنع أن لها جمهورها، لكنها في النهاية كلمات غير مفهومة وليست ذات قيمة.

ويكشف سمير اسكندر عن سر ظهور أغاني المهرجانات من المطرية، كون الحي هو من أشهر الأحياء حيث يوجد به مطربون شعبيون، يصل عددهم بالمئات، وكانت الأفراح في كل شارع في المطرية، وكان لها مذاقها الخاص، وتتميز عن غيرها بمطربيها ونبطشيتها، لكن الآن الصورة تغيرت بعد أن تم منع إقامة الأفراح في الشارع، منذ أزمة كورونا، وبعدها قررت الحكومة إلغاء إقامة الأفراح في الشوارع وأن تقتصر فقط على القاعات والأندية، وهي تجارة أصبحت رائجة الآن.

مطربي المهرجانات

لكن سمير اسكندر، لديه جانب من الحكاية، وهو أن معظم مطربي المهرجانات ليسوا مطربين بالأساس ولم يقدموا حتى الأغنية الشعبية قبل ذلك، ولكنهم كان يعملون مع الفرق الغنائية التي كانت تغني بالأفراح، فبعضهم "نبطشية أفراح"، وتحول من خلال مهنته الأساسية من خلال حواراته وأسلوبه أثناء الفرح ليتحول إلى مطرب مهرجانات، وتصبح حالة سائدة في المطرية ومنها إلى باقي مصر، والبعض الآخر ليسوا مطربين ولا نبطشية بل عمال كانوا يحملون أدوات الفرقة الغنائية ليس أكثر ولا أقل.

مهنة النبطشية هي البطل، وهي التي صنعت نجوم وأغاني المهرجانات، بحسب سمير اسكندر، الذي يرى أن مهنة "النبطشي" تحظى بأهمية كبيرة في الأفراح، ولكنها زادت بعد فيلم "الفرح" الذي جسد فيه الفنان ماجد الكدواني شخصية النبطشي، وبدأ في رواية قصة يعرفها أهل المطرية، شهدتها مقهى "سيد عبدالمجيد"، حيث حضر المنتج أحمد السبكي إلى المقهى، والتي شهدت مولد فكرة فيلم "الفرح"، وكان من المفترض أن يؤدي أحد أبناء المطرية وهو النبطشي عادل أصيل دور النبطشي بدلا من الفنان ماجد الكدواني، ولكنه لم يتقن التمثيل فتم استبداله بالفنان ماجد الكدواني الذي حضر إلى المطرية ليقوم بعملية معايشة لمهنة النبطشي، حيث تعلم المهنة من النبطشي عادل أصيل.

ياسر البحار  الشهير بـ"بحار مصر"، وهو نبطشي أفراح، يؤكد أن بداية أغاني المهرجانات كانت من عند شحتة كاريكا، ومن بعده أوكا وأورتيجا، ويروى كيفية ظهور شحتة كاريكا.

كان عم شحتة كاريكا يمتلك سماعات صوت يعمل بها في الأفراح، أو ما يطلق عليها اسم "الدي جي"، وهنا كانت انطلاقة شحتة كاريكا، من خلال "الدي جي" مع بعض الكلمات والجمل التي تخاطب الجمهور في الفرح، ومرة وراء الأخرى، ومع الكلمات المفهومة والحالات الغريبة في هذه الأفراح، تحولت هذه الجمل والكلمات لأغاني مهرجانات.

ياسر البحار يقف على الجانب الآخر ضد أغاني المهرجانات، فهي ليست أغاني بالمعنى الذي عرفناه طوال تاريخ مصر، شخص يقف على المسرح يقوم بأعمال بهلوانية مع كلمات وجمل غير مفهومة ومظاهر غير مناسبة لمن يستمعون له تتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا، وخلال هذه الحالة تطلق الشماريخ، وهذا تماما عكس ما كان يحدث سابقا، كان حضور الأفراح يستمتعون بالأغنية وكلماتها وأداء المطرب وكانت التعليقات جميلة وتعبر عن عاداتنا وتقاليدنا، لكن كل هذا اختفى واختفت معه الأغنية الشعبية بعد أن قضت عليها أغاني المهرجانات.

ويستطرد ياسر كلامه قائلا: إن المهرجانات أثرت في ثقافة وطريقة تعامل الشباب وحياتهم وأسلوب كلامهم وحتى ملابسهم، لكنه يعود للوراء ويقول، هذه ليست أغاني شعبية، هذه بعيدة عن ما كان يقدمه أحمد عدوية وعبدالباسط حمودة وطارق الشيخ ورمضان البرنس وأشرف المصري وغيرهم الكثير، هل يصح أن نقارن مجدي شطة وعصام صاصا بهؤلاء.

يدلل ياسر البحار على كلامه، بواقعتين، الأولى بطلها مطرب المهرجانات مجدي شطة والذي ألقي القبض عليه وبحوزته مخدرات، والثانية واقعة صدم عصام صاصا لشخص بسيارته، وأثبتت التحاليل تعاطيه المخدرات، هذه هي النماذج، هل يفترض في هؤلاء أن يكونوا قدوة لشبابنا.

أما جابر النمر وهو مطرب شعبي قدم أغاني وشارك في العديد من الأفلام خلال تسعينيات القرن الماضي، منها فيلم "85 جنايات" و"جحيم امرأة"، و"أول مرة تحب يا قلبي"، و"مؤسسة شهر العسل"، وهو صاحب أغنية "شعللها ولعها"، و"أحمد حلمي طلق عايدة"، و"ياما دقت طبول" .

جابر النمر، يرى أن المهرجانات وباء ضرب مصر، والقضية كما يراها ليست شخصية وليست أيضا سهلة، فهي متعلقة بمستقبل بلد، وسمعته، كنا في الماضي نتباهى بأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وغيرهما من النجوم الذين مثلوا لمصر قوة ناعمة، بأخلاقهم وتعاملاتهم قبل فنهم، كانوا قدوة في كل شيء، كانوا خير سفراء لهذا البلد، لكن الآن مطربو المهرجانات هم سفراء مصر في حفلات الخليج والوطن العربي هل هذه صورة تقدم عن مصر، وأيا كان نجاحهم، لكنه نجاح وهمي، نجاح في الطريق الخطأ، قد يكون نجاحا لشخص ساعده على تحقيق أموال لكنه هدم لتاريخ كبير يستحق منا أن نحافظ عليه، وهدم لقيم وشباب يستحقون منا أن نصونهم.

جابر النمر، هو أبرز المدافعين عن الأغنية الشعبية ويرى أن المهرجانات ليست امتدادا للأغنية الشعبية، التي كانت فاكهة مصر، وقدمها نجوم عظام حفروا أسماءهم في التاريخ على عكس المهرجانات نوعية الكلام والغناء غير محببة للأذن وغير مقبولة للنفس السوية، وعلى الدولة أن توقف السرطان الذي ينهش في جسد المجتمع والشباب المصري.

يتذكر جابر النمر، كيف كان يتعامل المطربون مع بعضهم البعض ومع جمهورهم، وكانت لديهم قيم وعادات وتقاليد تربوا عليها، لكن الآن، أخبار مطربي المهرجانات تتصدر صفحات الحوادث، أين القدوة في هؤلاء؟ لا أرى فيما يقدمونه أي فن، ولا في أفعالهم أي قدوة للشباب ولا في ملابسهم أي جميل يجذب العين، نحن أمام القضية وأزمة على الجميع أن يتكاتف ويقف لوضع نهاية لهذا السرطان.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: