Close ad
2-6-2024 | 17:34

تعد قضية الدعم أحد أهم القضايا المجتمعية التي تشغل ملايين المصريين؛ وهي بالمناسبة قضية من موروثات العهود السابقة، وفي خضم الجدل الدائر حولها  حاليًا في مختلف الأوساط تم طرح مقترح التحول إلى الدعم النقدي باعتباره الآلية الأكثر انضباطًا في إيصال الدعم إلى مستحقيه، ويدفع أنصار هذا النوع من الدعم وفي مقدمتهم الحكومة بأن الدعم النقدي معمول به في عدد كبير من دول العالم، وأثبت نجاحه في تقليل نسبة الهدر التي يتسبب فيها الدعم العيني الذي غالبًا ما يذهب إلى شريحة كبيرة من غير المستحقين.

بداية يمكن القول إن الدعم في فلسفته ومستهدفاته هو أحد الأدوات التي تتدخل بها الدولة لحماية أو مساندة الطبقات الفقيرة في ظل وجود أعباء حياتية متعاظمة تفوق قدراتهم المادية، وتزداد أهمية الدعم في ظروف الأزمات الاقتصادية وتداعياتها التي يترتب عليها ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات التي يحتاجها المواطن، وعلى مدى عقود ترسخت ثقافة الدعم في مصر حتى في ظل الرواج الاقتصادي وأصبح الدعم أحد الفرائض التي تؤديها الدولة للمواطنين ويحظر عليها المساس به ومع مرور الوقت وتعاقب السنوات.

انحرف الدعم عن مقصده النبيل في مساندة الفقير، وانزلق بدون قواعد ولا ضوابط نحو الأغنياء أيضًا؛ نظرًا لغياب القواعد والبيانات التي تحدد بدقة من الفقير المستحق ومن هو الغني غير المستحق، ومع الزيادة السكانية المطردة ارتفع الدعم من نحو 150 مليار جنيه قبل 10 سنوات إلى 630 مليارًا في الموازنة الجديدة، وهو ما أصبح يشكل عبئًا على موازنة الدولة، ويحد من قدراتها على الإنفاق على الخدمات أو التوسع في الاستثمارات.

وعلى سبيل المثال البنزين المدعم يحصل عليه من محطة الوقود المواطن البسيط الذي يستقل سيارة موديل قديم، والمواطن الغني الذي يمتلك سيارة فارهة يصل سعرها إلى ملايين الجنيهات، وقياسًا على ذلك السلع والخدمات الأخرى المدعومة التي تجد طريقها إلى من لا يستحق.

ومن هنا جاء التفكير في تغيير آلية صرف الدعم من دعم عيني إلى نقدي، بمعنى أن تقوم الدولة بصرف قيمة هذا الدعم نقدًا للمواطن المستحق، مقابل إلغاء التسعير المدعم على كل السلع والخدمات، أي يتم بيع خبز التموين في المنافذ بسعره الحقيقي 125 قرشًا لجميع المواطنين، والمواطن الفقير يحصل على الفرق نقدًا من الدولة؛ أي يحصل على 105 قروش نقدًا عن كل رغيف، لكن عليه أن يحصل عليه من المنفذ بالسعر المعلن هو 125 قرشًا.

لكن السؤال.. كيف يتم تحديد من المستحق ومن غير المستحق؟

في تقديري أن المعضلة أمام الحكومة في وضع قاعدة معلومات دقيقة وواضحة للمستحقين حتى لا يضار مواطن فقير مستحق للدعم ولا تذهب أموال الدعم لمواطن غني غير مستحق.

وقبل سنوات كنت في الصين، وكانت هناك فرصة للاطلاع على تجربة الصين في الدعم النقدي إذ إن الصين كما هو معلوم دولة كبرى في عدد السكان، ولديها نسبة كبيرة من الفقراء، إلا أنها نجحت في تطبيق نظام دعم نقدي منضبط عبر إنشاء قاعدة معلومات بكل المستحقين والوصول إليهم أينما كانوا من خلال معايير وضعتها الدولة، ووفق محددات مجتمعية واقتصادية، وألغت بعد ذلك التسعير المدعم، وأصبح المواطن المستحق للدعم يحصل عليه نقدًا من الدولة، مقابل أن يشترى كل السلع والخدمات بسعرها الحقيقي، بل وضعت نظامًا تلزم به المواطن المستحق بتقديم فاتورة شراء السلعة المدعمة، وتقوم الدولة على الفور بصرف الدعم المحدد لها.

وأظن أن مصر في ظل التطور التكنولوجي وقدرات الذكاء الاصطناعي لديها القدرة في تحديد قاعدة معلومات دقيقة بالمستحقين، لكن تبقى القواعد والمحددات التي يتم من خلالها تحديد المواطن المستحق.

وقبل سنوات جرت مراجعة تم من خلالها وفق وزارة التموين حذف نحو 20 مليون مواطن من مظلة الدعم التمويني ووضعت الوزارة محددات عدم الاستحقاق، ومن بينها أن يكون مرتبه 10 آلاف جنيه، ويمتلك سيارة موديل حديث وأولاده في تعليم خاص، فهل هذه المحددات كافية أم يتم توسعتها؟

في اعتقادي أن الأمر برمته يحتاج إلى مراجعة وتدقيق للوصول إلى قاعدة بيانات عادلة ودقيقة تضمن الوصول إلى كل مواطن يستحق الدعم.. حينئذ يكون الدعم النقدي هو الحل الأمثل.

كلمات البحث