Close ad

سر الخلاف والاختلاف

3-6-2024 | 13:47

أسوأ أقدارك هي تلك التي تضطرك إلى التعايش والتأقلم مع شخص لا يشبهك، يختلف عنك ومعك، تقول شرقًا يقول غربًا، تشير يمينًا فيشير يسارًا، قس على ذلك الحكم في أغلب الأمور؛ تسعد بشروق شمسك وتتبادل تغريداتك مع تغريدات أسراب العصافير، فيأتي هو ويقسم لك بأنها ليست سوى جماعات من غربان تحوم من فوق رأسك، وتستدعيك لتشاركها مسابقتها الكبرى لرصد أعلى صيحات الصراخ والنعيق. 

ترى الأزهار من حولك زاهية كأنها قد غمرت في بحار من ألوان، واكتست بثوب الربيع البديع، تزينها بعض قطرات الندى، فتبدو كأنها ترتدي حلة ثمينة مرصعة باللآلئ، يلمح سعادتك تتهادى في عينيك ويرى إعجابك بتلك الصورة فيتلقفها منك ليحيلها إلى صورة أخرى، صورة داكنة محاطة بصحراء مليئة بنبات الصبار القاسي الممتلئ بالأشواك، تحدثه أنت عن سمائك العالية وصفائها فيحدثك هو عن سمائه الكئيبة الملبدة بالغيوم. 

كثيرون هم من تضطرهم الحياة للعيش مع هذه النوعية الغريبة من البشر، الذين تتحير في وصفهم الكلمات، وتتساءل مرارًا: "هل هؤلاء يتمتعون بالإنسانية الحقة؟ أم أنهم لم يرثوا منها سوى اسمها المنسوب إليهم بالخطأ؟ أفكار شتى تجوب أرجاء عقلك وتخرج منه كما دخلت عاجزة عن وصفهم بوصف يليق، وتكتشف فجأة أن هناك هجرة جماعية لمفردات لغتك، فتخلف ظنك بأنك قادر على العثور من بينها على ما تريد.

ستجد نفسك مع هؤلاء في رحلة دائمة ما بين صعود وهبوط، إنهم مراوغون، محترفون، يجيدون التحايل وقلب الحقائق، لديهم من أدوات مكرهم ما يمكنهم من القفز على كل الحبال في وقت واحد، ولديهم من القدرات الخبيثة ما يمكنهم من التخفي والتمويه؛ يعلمون جيدًا متى يصمتون ومتى يثرثرون، يبرعون في إقامة الحجج والبراهين على ضحاياهم بهتانًا وزورًا، لا يخشون الله ولا ينتهون.

 يتدثرون برداء التقوى، ويتلثمون بلثام الحكمة، ويدعون أنهم مختلفون، يقسمون على أنهم لا يخفون بداخلهم سوى دماثة الخلق وصدق المشاعر، فالعيب ليس فيهم إنما هو في هذا الرائي الجهول للخلاف، يتحولون في ثوانٍ إلى رياح عاتية ويزيدون ليصبحوا كالإعصار، إعصار يدمر من يفكر في الوقوف بوجهه معبرًا عن الاختلاف معهم.

إن من أشد البلايا التي يمكن أن يبتلى بها المرء في هذه الحياة هي مرافقته لمن لا يوافقه ولا يفارقه، من ينكر وجود القلوب الرقيقة بين حنايا الصدور، من يسخر من أحاديث الوجدان العذبة، ويقلب الجد مزاحًا ليتاجر بآلام الآخرين، وما أكثرهم في هذا الزمان!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: