Close ad

حول (عمر الخيام.. لعنة الرباعيات!)

28-5-2024 | 15:57
الأهرام المسائي نقلاً عن

كعادته دائمًا، يهيج عمر الخيام الشجون والأفكار.. تلقيت عدة تعقيبات على مقال؛ (عمر الخيام.. لعنة الرباعيات!).. ود بعض القراء الكرام لو اتسعت مساحة الحديث، ولكن أَنى لكاتب أن يحيط بأفكار الخيام.

ووقف بعضهم عند مفارقة غرق تيتانك بالمخطوط، وكأنها بعمرها القصير عمليًا الطويل تاريخيًا الأنسب لتكون المثوى الأخير للمخطوط، خاصة بعد ما قدمها المخرج العالمي جيمس كاميرون عام 1997، في واحد من أهم أفلام السينما العالمية، بطولة ليوناردو دي كابريو وكيت وينسليت.

واستشعر آخرون أن هناك مزيدًا من تفاصيل ودلالات يمكن الحديث عنها، وهذه حقيقة.. خاصة أن الرواية تحكي تاريخًا واقعًا لا سردًا خياليًا، فإذا تجاوزنا الخيام -مؤقتًا- ووقفنا عند جمال الدين الأفغاني (1838 - 1897) وما عرضته الرواية من جوانب سياسية لرئيس وزراء غادر بلاده، إثر الاستيلاء على السلطة، إلى الهند ففرض عليه الاحتلال البريطاني حظرًا، فرحل وتنقل بين مصر وفرنسا والهند، وترك في كل منها أثرًا، ثم انتهى به المطاف في إسطنبول حيث تعددت الشبهات حول ملابسات وفاته وعلاقته باغتيال تلميذه ميزا رضا شاه إيران. عاش الأفغاني مشبوبًا بالثورة؛ يتعمم بها ويتأبطها تحت جِبَته الثقيلة، وماتا معًا.

وظن البعض أن في العنوان حطٌ من قدر الرباعيات، ولسان حالي يقول، إن كان هناك من يُدني منزلتها، فما الذي يعلوها من إنتاج أدبي؟ وحتى لا أُصادِر رأيًا، فهناك من إذا ذُكر الخيام حبسه في كأس خمر، متعللا بعديد من أبيات، أظنها تحمل من بلاغة المعنى أكثر مما تحمل من حقائق الواقع، اقرأ معي (وإن أمُت فاجعل غَسُولي الطَلَى / وقُدَ نعشي من فروع الكرومِ).

ولعل هذا البيت يُذكرنا ببيت أبي محجن الثقفي (.. -637م) حين قال (إذا مُتُّ فادفِنِّي إِلى جَنبِ كَرمَةٍ / تُرَوّي عظامي بعد موتي عُروقُها)، وهي صورة لا نراها إلا من دواعي قرض الشعر، وليس اليقين المبتغى.

ولعل هذه المقابلة بين الخيام وأبي محجن، تقودنا إلى مقابلة فلسفية أخرى بينه حين قال (فامش الهوينا إن هذا الثرى/ من أعين ساحرة الإحورار)، وبين أحد أعظم فلاسفة الشعراء العرب؛ أبي العلاء المعري (973 – 1057م)، حين قال (خفف الوطء لا أظن أديم هذه / الأرض إلا من هذه الأجساد). ولا تعليق !!

ولكن ما بالنا نقف عند هاتين المقابلتين فقط، والرباعيات محيط يعُج بلطائف وفريد الأفكار، أليس الخيام هو القائل (إن لم أَكُنْ أَخلصتُ في طاعتِك / فإنني أطمَعُ في رَحْمَتِك،، وإنما يَشْفعُ لي أنني / قد عِشْتُ لا أُشرِكُ في وَحْدَتِك)، وهنا اسمح لي سيدي القارئ أن استنفر ذاكرتك مستفهمًا، ألا تذكرك هذه الأبيات بشيء مما ذكره شاعر عربي لا يُذكر اسمه إلا وسارع السامعون إلى وصفه بشاعر العشق والخمر، متغافلين عن قوله (يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة / فلقد علمت بأن عفوك أعظـمُ،، إن كان لا يدعوك إلا مُحسـنٌ / فمن الذي يرجو ويدعو المجرم)، إلى آخر أبيات أبي نواس (763-813م). أظنك توافقني!!

مقابلة ثالثة!!.. مؤكد تقودنا إلى غيرها، ولو استطردنا في قراءة الرباعيات لشاغلتنا صور أخرى لأساطين وأعلام الشعر العربي.

وحتى لا أطيل ولا أُثقل عليك سيدي القارئ، وحتى لا تظن بي الظنون، فإن فيلسوفًا بحجم الخيام لابد وأنه قرأ واستوعب آداب من قبله ثم أنتج رحيقه الخاص فجاء بعضه فريدًا وبعضه مشوبًا بلمحة ممن قبله.

وهنا نتوقف مرغمين.. مكتفين بهذين البيتين (لا توحِشِ النَفْسَ بخوف الظُنون/ واغْنَمْ من الحاضر أمْنَ اليقين،، فقد تَساوى في الثَرى راحلٌ غداً/ وماضٍ من أُلوفِ السِنين). صدق الخيام.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: