Close ad

صفقة كوريا الجديدة لإفريقيا "بلا شروط أو أجندة خفية"

31-5-2024 | 14:01

.. يبدو أننا أمام لحظة مهمة في سباق "الاندفاع الكبير" نحو إفريقيا، وهذه المرة فإن القوة الجديدة هي كوريا الجنوبية، والتي تستعد بالإعلان بقوة عن دخولها لساحة إفريقيا باستضافة أول قمة إفريقية - كورية في سول يوم الثلاثاء المقبل، ومن المقرر أن يحضر القمة رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي نائبًا عن الرئيس عبدالفتاح السيسي. 

.. وتقدم سول لزعماء وقادة أكثر من 40 دولة إفريقية سوف يشاركون في القمة صفقة جذابة، لأنها بالأساس صفقة اقتصادية خالصة، ولا تتضمن شروطًا سياسية أو أجندة خفية.

وهذه الصفقة الكورية باختصار: "التكنولوجيا والاستثمار مقابل الطاقة والمعادن والغذاء"، ومن المهم أن نفهم لم تسارع كوريا للانضمام إلى "سباق الفرص الهائلة" في إفريقيا.

.. ثمة "آفاق هائلة" خاصة في المجال الاقتصادي بالنسبة لإفريقيا، فهذه القارة الشابة من المتوقع أن تضم نصف سكان العالم خلال الـ30 عامًا المقبلة.

وتأتي القمة في وقت تواجه فيه إفريقيا مجموعة كبيرة من التحديات، إذ لا يحصل ما يقرب من 600 مليون إفريقي على الكهرباء، وبالإضافة إلى ذلك، يعاني 283 مليون شخص من الجوع، وقد تفاقم هذا الرقم بسبب الحرب الروسية - الأوكرانية، والآثار المتبقية لكوفيد-19 وتغير المناخ.

.. ومن وجهة نظر كوريا هناك فرصة "شراكة عظيمة" ما بين مؤسسات المال والأعمال الكورية؛ بما لديها من تكنولوجيا وأموال والاقتصادات الإفريفية الأسرع نموًا لخلق فرص جديدة ومستقبل أكثر رخاءً.
.. وخلال الفترة الماضية جرت مشاورات عدة ما بين الطرفين انتهت باتفاق كوريا وإفريقيا على تعميق تعاونهما، والانتقال من الشراكة إلى الاستثمار، وحشد المزيد من التمويل والتكنولوجيا لأجل تحقيق الوصول الشامل إلى الطاقة وجعل إفريقيا سلة غذاء العالم.

.. ومن وجهة نظر سول، ثمة دور حاسم يجب أن تقوم به كوريا وإفريقيا مع تحرك المجتمع الدولي إلى الأمام، وحدد الدور نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد والمالية الكوري، كيونغهو تشو بقوله: "قوة كوريا في مجال التكنولوجيا والابتكار، في حين أن إفريقيا لديها فرص كبيرة باعتبارها سوق المستقبل العالمي والقاعدة الصناعية"، وقال في المؤتمر الوزاري السابع للتعاون الاقتصادي الكوري - الإفريقي في بوسان مؤخرًا: "معًا، يمكن لعالمينا أن يصبحا أقوى صخرة للتضامن".

.. وترى كوريا بوضوح الفرص، ففي إفريقيا المعادن النادرة و"الحيوية جدًا" لصناعات التكنولوجيا المتقدمة، وهي صناعات المستقبل؛ سواء "أشباه الموصلات" أو البطاريات، كما ترى فرصة هائلة في أن تصبح القارة إحدى سلاسل الإنتاج العالمية، وفرصًا هائلة في مشروعات البنية التحتية التي تحتاجها القارة الأكثر شبابًا، والتي يتسابق عليها الجميع.

.. وبلغة الأرقام فإن حجم التجارة ما بين كوريا وإفريقيا قفز من 900 مليون دولار عام 1988 إلى 16،6 مليار دولار عام 2023، أي تضاعفت 19 مرة، وخلال نفس الفترة نما الاستثمار الأجنبي المباشر بنفس المعدل.

.. ووفقًا لرئيس مجموعة "كوريا هيرالد" الإعلامية تشوي جين-يونج فإن القمة ستدشن مرحلة جديدة في علاقات الجانبين، ولن تغير نظرة حكومات إفريقيا تجاه كوريا، بل سوف تعزز الأعمال الكورية اهتمام الناس في بلاده بإفريقيا والاستثمار بها، وقد عقدت المجموعة الإعلامية الشهيرة ندوة خاصة عن آفاق التعاون مع إفريقيا قبل عدة أيام.

.. ووسط هذا كله فقد برزت العلاقة المصرية - الكورية بوصفها "صداقة مدهشة"، وتفاجأ الكثيرون بعمق وأهمية هذه الصداقة لكل من القاهرة وسول، والتي تجلت في نمو التعاون في مجالات التنمية والمال والأعمال والأمن.

ولقد ساهمت زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسي في مارس 2016 إلى كوريا في تعميق الصداقة، فقد وقع اتفاقية"شراكة شاملة" استهدفت توسيع نطاق التعاون بين القاهرة وسول، خاصة في مجالات التجارة والتعاون العسكري.

وفي ظل التقارب المتسارع فقد وقع الرئيس السيسي ورئيس كوريا الجنوبية السابق مون جاي-ان، خلال زيارته للقاهرة في يناير 2022، على العديد من مذكرات التفاهم والتي برهنت على مدى تطور علاقة القاهرة وسول خلال 6 سنوات، فقد تضمنت اتفاقية بمليار دولار في مجال "التعاون المالي"، وقروض ومنح أخرى بمئات الملايين من الدولارات.

.. ومن جانبه يرى سفير كوريا الجنوبية في القاهرة «كيم يونج هيون» أن أوجه التعاون بين مصر وكوريا الجنوبية متعددة، وشهدت العلاقات الثنائية، خلال الفترة الأخيرة، طفرة واضحة على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية، ساعدت عليها الشعبية المتنامية بين قطاعات كبيرة من الشباب لما يعرف بالموجة الكورية التي غزت العالم عبر الموسيقى والدراما والأدب، وهو ما يؤكد أنه رغم البعد الجغرافي والحداثة النسبية للعلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وسيول التي ستكمل العام المقبل ثلاثين عامًا، فإن حجم الإنجازات التي تحققت يعد هائلًا، خاصة مع اختيار مصر عام 2021 لتصبح الشريك الإستراتيجي لكوريا الجنوبية في مجال التعاون الإنمائي لمدة خمس سنوات، وهو ما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون المشترك وللاستفادة من التجربة الكورية في أكثر من مجال.

.. وخلال العديد من حواراتي مع الدبلوماسي الكوري الرفيع أوضح «هيون» أن مصر تتمتع بإمكانات كبيرة؛ لتصبح وجهة استثمارية جذابة للشركات الكورية؛ بسبب الأهمية الإستراتيجية لموقعها الجغرافي، بالإضافة إلى ذلك، تمتلك شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول المجاورة والموارد البشرية الشابة والمؤهلة، وستكون حوافز الاستثمار المختلفة التي تقدمها الحكومة المصرية، مثل التراخيص الذهبية والإعفاء الضريبي ودعم الصادرات، بمنزلة مميزات إضافية لجذب المزيد من الاستثمارات من كوريا الجنوبية، خاصة في ظل نجاح الاستثمارات القائمة بالفعل في مجال الإلكترونيات ومحطات الطاقة النووية والنقل، وهو ما سيعزز المنفعة المتبادلة للجانبين.

ويشير السفير الكوري الجنوبي إلى مجال التعاون التنموي، حيث منحت كوريا الجنوبية مصر حتى الآن 344 مليون دولار في شكل مساعدات إنمائية رسمية، كما أن اختيار مصر كشريك تعاون تنموي ذي أولوية في عام 2021، أسهم في أن يصبح التعاون التنموي بين البلدين أكثر نشاطًا، مع التركيز على 5 مجالات أساسية، وهي النقل والبيئة والطاقة والتعليم والاتصالات والإدارة العامة. 

.. وقد شهد العام الماضي 2023 قفزة حركة التجارة بين البلدين لتصل إلى 3 مليارات دولار، بوصول صادرات مصر لـ1،69 مليار دولار كأعلى رقم للصادرات المصرية لكوريا الجنوبية، وذلك بزيادة قدرها 160%
مقارنة بالعام السابق.

وطبقًا لأرقام بنك التصدير والاستيراد الكوري فإن عام 2022 شهد استثمارات كورية بحوالي 800 مليون دولار في مصر.

.. ومن المؤكد أن علاقات مصر وكوريا تحمل مزايا وفوائد مشتركة وأهمية خاصة لكلا البلدين، فهي بالنسبة لسول تساعدها في التغلب على الجمود الاقتصادي، وتراجع الصادرات، وشيخوخة السكان، كما أن فتح فرص الدخول بقوة في أسواق شمال إفريقيا الأسرع نموًا- وفي مقدمتها مصر- هو جزء من إستراتيجية الحكومة الكورية لتعزيز نمو الصادرات وإنعاش الاقتصاد الكوري. 
وبالنسبة لمصر فإن العلاقة مع أحد القوى الاقتصادية العالمية هو أمر مرحب به، فزيادة الصادرات المصرية لكوريا سوف تساهم في زيادة حصيلة العملة الأجنبية، وزيادة فرص العمل للمصريين، فضلا عن أهمية جذب السياحة والاستثمارات الكورية بقوة لمصر.

وبالرغم مما تحقق فإن هناك مجالًا كبيرًا للتحرك للأمام ونمو العلاقات بصورة أسرع، فقد أجرت القاهرة وسول منذ يناير 2022 دراسات جدوى اقتصادية حول اتفاقية تجارة حرة وسبل إنجاحها لخدمة البلدين، وهذه ستكون أول اتفاقية تجارة حرة كورية مع دولة إفريقية، ويأمل الجانبان في أن تضاعف حجم المال والأعمال والتجارة والاستثمار والسياحة بين البلدين. 

.. ويبقى أن نجاح العلاقة المصرية - الكورية، وإصرار قيادة البلدين على تعميقها وتوسيعها في كافة المجالات تقدم "نموذجًا للكسب المشترك" لبقية دول إفريقيا، وأحسب أن القاهرة مؤهلة ومستعدة للصفقة الجديدة التي سوف تعرضها على قادة إفريقيا في قمة الثلاثاء المقبلة، والأمر المؤكد أن القاهرة وسول شركاء في كتابة فصل جديد في قصة نجاح على الساحة الإفريقية، فمصر بوابة الدخول لهذه القارة التي تنهض بقوة ويتسابق على القرب منها الجميع.

كلمات البحث