Close ad

زوربا الشعر الفلسطينى يتحدث عن «يد يتيمة».. مهيب البرغوثى: أحب الانتماء إلى الرصيف أكثر من أى شىء آخر

25-5-2024 | 19:01
زوربا الشعر الفلسطينى يتحدث عن ;يد يتيمة; مهيب البرغوثى أحب الانتماء إلى الرصيف أكثر من أى شىء آخرمهيب البرغوثي
سيد محمود
الأهرام العربي نقلاً عن

مهيب البرغوثى: أحب الانتماء إلى الرصيف أكثر من أى شىء آخر

موضوعات مقترحة
عدت إلى فلسطين مشردا بلا صفقات ولم يكن خلفى أى تنظيم
ولدت من الضياع وارتباكى لم يتوقف وقصائدى ولدت غير ناضجة

ارتبط الشاعر الفلسطينى مهيب البرغوثي  برباط وثيق مع مصر، ولا ينقطع أبدا عن زيارتها، له فيها فضاءات كثيرة يألفها ويتحرك فيها حركة «ابن بلد»، يمتلك الكثير من الحكايات  التى لا يمل من تكرارها أبدا، لأنها تمنحه الشعور بالانتماء إلى رصيف يعرفه ومقاه احتضنته.

ينظر البرغوثى إلى تجاربه فى مصر، كمعمل لتصنيع قصائده التى تشبهه كثيرا، لا يمكن ربطها بتجارب محددة أو دمجها مع تجارب لشعراء آخرين،  فهو شاعر يفتخر بفوضاه ويحب أن يبقى فى صورة «اللامنتمى».

فى ديوانه الجديد (يد يتيمة)، يتكرس هذا الإحساس، بفوضى الضياع، ويتعزز كذلك الشعور بالحرية  فـ «لا صيف يخشى خيانته» كما « لا شىء لا شىء خارج عن المألوف».

تنتصر قصيدته للعدم فى أحيان كثيرة، لكنها تتشبث بالذاكرة وتستثمر فى ركامها « لأن كل شىء فى السابق كان أجمل «، والآن « لا أحد سوى الفراغ «.

فى العام 2000، عاد البرغوثى إلى فلسطين  بعد إقامة طويلة جدا فى عمان، لم يكن قد أصدر أى كتاب هناك.

يرى البعض أنه جاء حرا، دون أى قيد حزبى أو شعرى، بينما يرى آخرون أنه لم يكن يمتلك الوعى الذى يدفعه لكتابة قصيدة مؤطرة، وفقا لمقاييس متعارف عليها، أما هو فيقول «لم أكن حينها قد جاوزت الضيق الذى كنت أعانيه، كان وعيى المعرفى أقل من أن يسمح لى بالتفكير فى أى تجديد، وبالمثل كانت تجاربى الشعرية كلها صدى لقراءات شعرية استقرت فى روحى، ولم تكن كتابة ناضجة بالمعنى الفنى، كما أن معرفتى السياسية ظلت عند حدود التعرف على آراء الآخرين».

يصف تلك السنوات بـ»فترة الضياع»، على مختلف الأصعدة سواء الوجودية أم الأدبية أم السياسية، ويقول «لم أعرف تماما ما الذى أريده، وأرغب فيه»، فاقم من هذا الشعور كونه جاء، وليس خلفه أى تنظيم سياسى أو شعرى يدعمه كما حدث مع الآخرين.

ارتباك الهوية

يقول البرغوثى:»ولدت من الضياع، ولازمنى لفترة طويلة الشعور بالارتباك من فكرة الحياة اليومية ذاتها، لم يكن لدى بيت أو عمل أو أى شىء، ترسخ داخلى اعتقاد أن فترة صلاحيتى فى عمان قد انتهت إلى الأبد، وما عدت قادرا على العيش بعيدا عن فلسطين فى ظل ظروف قهرتنى من الداخل بشكل أو بآخر».

ويرى أن قرار العودة إلى فلسطين، كان ضروريا بهدف ملاحقة الذاكرة التى تبقت داخله  لمدة قاربت الـ 40 عاما.

 ويضيف “جئت لإحياء علاقتى مع بيت أبى وأمى، فى قرية كوبر قرب رام الله، وللأسف حين عدت لم أجد بيتى فقد خرجت وعمرى 9 سنوات، وعدت وأنا على أبواب الـ 40، ولذلك صار عندى ارتباك فى هويتى ولم أتمكن من  التأقلم مع أى محيط لفترة طويلة «.

وصل  البرغوثى إلى رام الله، مع أفراد عاديين، بعيدا عن الصفقات السياسية التى كانت عنوانا لتلك المرحلة، وشأن الآخرين أيضا كان يعتقد أن فلسطين  قد تحررت، لكنه على الأرض اكتشف أن ما جرى ليس تحررا بالمعنى الحقيقى.

ويتابع قائلا :»بقينا محشورين فى صراع القيادات، والأفق المرسوم فى إطار محدد سلفا، وزاد ذلك من حدود الارتباك أنه لم يكن عندى أى مأوى حقيقى، كنت أنام بالشوارع لفترات طويلة، بعد أن راح بيت العائلة ولم يعد له وجود  سوى فى الذاكرة «.

المثل الإنسانية أفضل

سألته: هل تعتبر نفسك شاعرا مشردا؟ فرد  قائلا:»لم أكن مشردا بمعنى غياب البيت فقط، فقد كان خلفى تاريخ طويل للشعراء الصعاليك لكن هؤلاء كان لديهم أيضا بيوت وعائلات، وما حدث فعلا أننا كنا نعيش زمنا ليس فيه أفاق لأى شىء، ومن الصعب أن تراهن فيه على أى مستقبل، كما أن الأفق الثقافى ذاته ظل مسدودا، ولم يعد هناك أى مثل أعلى يمكن أن نتمسك به أو نحتذى فيه».

ويواصل «انتهينا إلى الاقتداء بمثل سياسية، وليست شعرية، وبالتالى ظل وعينا فرديا وليس جمعيا»، يعتبر البرغوثى نفسه ابن تجربة التشرد،  لكن بلا مرجعيات،كما يؤكد أنه ليست ملزما بأى قوانين أو قواعد أو تجارب شعرية سبقته، وتستطيع أن تقول إنه «وجد الشعر داخله كما يولد أى نبت شيطانى».

ساعدته حالة التحرر تلك، من التخلص  من المرجعيات ولم يعد يخاف من أى شىء، فقد أراد دائما أن يبقى حرا، وكان يقول لنفسه «سأعيش فى فلسطين مثلما عاش زوربا على أرض جزيرة فى اليونان».
يفضل البرغوثى أن ينتمى شعره إلى الإنسانية، ففى صباه الأول انتمى إلى تنظيم سياسى يسارى، كان فى عمر العاشرة وبقى معه إلى أن بلغ الأربعين، وعاد إلى بلاده عند حدود اللاشىء تقريبا.
يقول البرغوثى:»انتميت إلى الإنسان داخلى، وأحببت أولاد الشوارع أكثر من كل الزعماء الذين عرفتهم أو قرأت عنهم، كما أحببت البشر الذين لاهم لهم سوى الحياة وتأمين كفافهم اليومى، هؤلاء الذين ليست لديهم أوهام أو أحلام كبيرة، هم أبطالى الذين أنتمى لهم،  فقد آمنت أن الهم الإنسانى أهم كثيرا من أى حديث عن الهم العام «.

بفضل هؤلاء فضل الانتماء إلى الفرد بهمومه العادية، وحافظ على مهيب  بروحه الدافئة، وسعيه إلى المطلق ولم يدفع به إلى أى فضاء آخر، تآلف مع المسحوقين، لكن شعره حمل نبرته فقط وخذل هؤلاء الذين أرادوا تأطيره، وآمن أنه طالما لا يتمكن من إنقاذ هؤلاء المشردين فعلى الأقل ينبغى أن ينقذ نفسه.

يؤمن مهيب البرغوثى، أن الشعر الفلسطينى، عانى كثيرا من التزامه بالحديث عن المقاومة، فقد عاش  الشاعر الفلسطينى ظرفا استثنائيا معقدا فى ظل الصراع مع إسرائيل، ولم يعد متاحا له أن يتحدث إلا عن حب

واحد هو حب الوطن، كما أنه مطالب اليوم بالدخول فى دورة جديدة تفرضها اللحظة الراهنة، تعزز معنى الالتزام وتربط الفرد بهموم الجماعة.
وحين سألته «هل يجوز للشاعر أن يتحدث عن وردة والدم يغرق الشوارع كما قال بريخت؟

رد قائلا :» الشعر الفلسطينى عانى كثيرا من ارتباطه بالمقاومة، وكما تعرف أعلن محمود درويش مقولته الشهيرة «ارحمونا من هذا الحب القاسى»،  وفى ظنى أن على الشاعر ألا  يتوقف عن حب الوردة وعليه أن يتحدث لها ومعها، فالشعر أداة نتعامل معها بشكل يومى آنى والمرحلة التى نعيشها تتطلب وجود وعى مغاير.

لا ينفى البرغوثى أن الشعر العربى فى دعمه للمقاومة، وقع أسير الخطابية، لكن عليه العودة لتعريف وضعه غسان كنفانى لأدب المقاومة وهذا التعريف لا يزال صالحا، وفق تلك الشروط الجمالية التى حددها، كما أن النماذج التى تناولها احتفظت بمصداقيتها، ولا تزال حية معبرة عن القضية.

يرى مهيب البرغوثى، أن محمود درويش مثلا ذهب باتجاه الشعر دون التخلى عن القضية، وفى تقديره أن التسميات الكبيرة تقتل الشعر وتدمره أما كيف يواجه الشاعر جمهوره فى الوقت الحالى؟ فالجمهور إذا قدمت له وردة يشم عطره، وإذا قدمت له سلاحا يشهره فى وجه العدو، هو بحاجة إلى الاثنين معا  والشاعر يكتب لنفسه، وليس من أجل الجمهور.

يقول مهيب البرغوثى:»نعم  لدينا أحداث دامية وقتل يومى، لأن ما يجرى فى غزة إبادة، لكن دورنا أيضا هو الحفاظ على ما تبقى من جمال داخل الأرواح التى تصمد دفاعا عن أرضها، فى رأيى أن شاعر مثل لوركا قدم لنا أمثلة ساطعة على دور الشاعر، فقد ظل يغنى للغجر دون أن يفقد دوره النضالى، فالحرب لا تفقد الشعر دوره، بل تعززه و دائما أتذكر فيلم مثل عازف البيانو، فالحرب لا تدفعه للتوقف عن العزف بل جعلت من العزف ضرورة.

وأخيرا يعتقد صاحب «يد يتيمة»، أن الشاعر خلال الحرب يصبح مثل الصخرة التى تنبت الزهور، ولولا الظروف التى أوجدها الاحتلال ما خرج منا شاعر مثل درويش أو كاتب مثل غسان كنفانى.
لا يتوقف البرغوثى فقط أمام أسماء تنتمى إلى الماضى، ويعود بما يعرفه عن الشعر فى بلد مثل مصر، ويقول «هناك طابور طويل من الشعراء الذين تمسكوا بالالتزام ولم يفقدوا الشعر أبدا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: