Close ad

اليوم التالى للحرب.. فى إسرائيل.. ساعة الحساب

25-5-2024 | 18:17
اليوم التالى للحرب فى إسرائيل ساعة الحسابصورة أرشيفية
أسامة الدليل
الأهرام العربي نقلاً عن

 إستراتيجية الإنكار الإسرائيلية أفضت لكارثة وجودية والحل الفوري: مزيد من الإنكار!

موضوعات مقترحة

 

على الرغم من أن استباق نتائج أى حرب للتوصل إلى صورة مستقبلية تتجاوز معطيات الحاضر، هو عمل تحليلى محفوف بالمخاطر، فإن هناك من الحقائق فى الحرب التى اشتعلت انطلاقا من قطاع غزة فى 7 أكتوبر الماضي، ما يمكن أن يستند إليه تصور المستقبل فى إسرائيل.

 

الحقيقة الأولى: أن هذه الحرب كانت ولا تزال أول حرب وجودية (حقيقية) فى تاريخ إسرائيل.. أى أنها عادت بالدولة العبرية إلى المربع الأول، وبالذات الأساس النظرى لإنشاء وطن قومى لليهود.. لقد اعتادت إسرائيل على مدار تاريخ وجودها منذ 1948، اعتبار كل خطر وأى خطر على أنه (تهديد وجودى محتمل) يستوجب الدعم الدولى لما يسمى (حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها).. هذه الحرب لم تكن كذلك.. لقد عادت بهم بالفعل لنقاش جدوى المشروع الصهيونى أصلا، وما ينتظره فى الأجل القريب.. سواء فى شقه الدينى أم العلماني.. وأى الشقين من الصهيونية أقرب للزوال من أجل استمرار إسرائيل كدولة.. إما على كامل أرض فلسطين أو فى حالة وجود دولة فلسطينية متاخمة.

الحقيقة الثانية: أن هذه الحرب طال أمدها أو قصر.. هى حدث مؤقت فى الزمن له بداية ونهاية، وإنها فور انتهاء الأعمال العدائية ستدخل إلى سجلات التاريخ.. لا بوصفها نتيجة لمقدمات قد يختلف من حولها الباحثون.. بل كمقدمة لنتيجة جديدة يتفق عليها مقدما القاصى والداني.. وهى إما بقاء إسرائيل فى الإقليم، أو خروجها منه.. من جغرافيا وتاريخ ما يطلقون عليه مصطلح الشرق الأوسط.. وقبل أن تكمل إسرائيل مائة عام على إعلان قيامها فى 2048. 

الحقيقة الثالثة: أنه وبرغم أن هذه الحرب، تجاوزت من حيث الحدة وطول الأمد المواجهات السبع المتكررة مع الفصائل الفلسطينية، منذ فض الارتباط الأحادى مع قطاع غزة فى 2005.. (تحديدا المواجهات فى 2008 ثم 2012 ثم 2014 ثم 2018 ثم 2021 ثم 2022، وصولا إلى مايو 2023) فإن هذه الحرب التى اندلعت فى أكتوبر 2023، أظهرت بوضوح ما كان الكل فى الغرب يتحوط من ذكره.. حقيقة أن حماس هى مجرد قمة جبل الجليد وأنها من حيث المبدأ لا توجد حصرا على أرض غزة.. هى كمشروع (للمقاومة) توجد باسمها أو بأسماء أخرى فى نطاق جغرافى يمتد من فلسطين إلى العراق إلى سوريا ولبنان وصولا إلى اليمن، وهى فكرة مقابلة لفكرة إقامة (دولة إسرائيل الكبرى).. إسرائيل التى حمل نتنياهو بنفسه خارطتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أن ينشب الصراع أصلا بأيام قليلة، ولم يكن للأردن أى وجود بها.. التى لا تقل طموحا جغرافيا عن خارطة داعش التى تمتد من وسط آسيا إلى جنوب أوروبا وشمال ووسط إفريقيا، وليس لإسرائيل أى وجود بها.. وهكذا تبدو حماس ورفاقها فى مقاومة إسرائيل.. مجرد نتوء صخرى من تحته يقبع فى القاع.. غابة مترامية من الشعاب المرجانية عالية الخطورة. 

الحقيقة الرابعة : أن إسرائيل لا تقاتل حماس والفصائل الفلسطينية فحسب.. إنما تقاتل وتعمل على تمزيق الإجماع الوطنى الفلسطيني، بما لا يسمح مطلقا بوجود من يجلس أمامهم على طاولة يفاوض على قيام (دولة فلسطينية) على الأراضى المحتلة، بعد يونيو 1967.. وقد جاء هجوم الفصائل الأخير بموجة إجماع دولي، لم تتخلف عنه حتى أمريكا.. فى ضرورة إقامة حل الدولتين. 

الحقيقة الخامسة: أن إسرائيل قد فقدت للأبد، أى رجاء فى إحراز (عمق إستراتيجي) للدولة العبرية.. سواء من خلال الاتفاقات الإقليمية أم من خلال المشروعات الجيواقتصادية (كمشروع الممر الواصل من موانئ الهند إلى حيفا) أو من خلال إعادة الهندسة الاجتماعية لمحيط إسرائيل الجغرافي، باستخدام الجماعات الحقوقية الرامية إلى التطبيع مع إسرائيل من خلال ترويج عالمية حقوق الإنسان، أم من خلال تذويب الفوارق الثقافية بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي، والأهم أنها باتت بمواجهة نطاقات تزيد من عزلتها فى البر والبحر، وهى النطاقات الإستراتيجية لنفوذ الفواعل من دون دولة....

الحقيقة السادسة: إن بقاء إسرائيل يحتاج بصورة عاجلة وملحة.. لاختراع نظرية (حقيقية) للأمن.. بالذات بعد أن أثبتت كل تجاربها الصدامية من بداية القرن الحادى والعشرين.. زيف وتهافت أى أساس نظرى أو عملى لما ظل قائما من 1948 بوصفه ( نظرية الأمن).. التى تنطلق وتنتهى عند كلمة من اثنتين ( الردع) أو (تقليل حدة التهديد) مع التسليم فى الحالتين، بأن هذا وذاك دون سواهما.. ما يضمن أمن إسرائيل.. وهو الأمر الذى برهنت أحداث 7 أكتوبر على أنه ما كان يضمن لها سوى الخوف.. وإنتاج المزيد من المخاوف.. لا الأمن!!

واستنادا إلى هذه الحقائق يمكننا الانطلاق إلى تصور سيناريوهات اليوم التالى لانتهاء هذه الحرب.. داخل إسرائيل نفسها.. وهى سيناريوهات سبق وإن اقترب منها كثيرون داخل وخارج إسرائيل.. لكن كان الجميع يحيد عن مواجهة أى منها.. أو حتى مواصلة الاقتراب من وضع أساس لاختبار مصداقيتها.. تحت وطأة التجاهل أو التعامى او دفع الفأل السيء.. أو كل ذلك مجتمعا، فيما يمكن أن نطلق عليه (سطوة غطرسة الجهل).    

إستراتيجية اللا إستراتيجية

واحدة من أخطر الفيروسات، التى من شأنها أن تقوض تماما أى مستقبل لإسرائيل فى اليوم التالى لهذه الحرب وتعجل بنهايتها هو فيروس (الإنكار).. وهو أخطر أشكال خداع الذات، ويصبح هذا الخطر وجوديا، ودافعا للفناء لا مجرد الهزيمة.. عندما يتصل الأمر بإنكار حقيقة، أن إسرائيل قامت كدولة على احتلال أرض الغير.. وأن احتلال المزيد من الأرض هو مجرد ( إدارة) لها.. وأن مقاومة الاحتلال هى ( إرهاب).. وتصبح الطامة أكثر رعبا عندما تهيمن مفردات الإنكار.. على العقل الإستراتيجى اليهودى ذات نفسه.. ولدينا عينة من الإنكار المركب.. حاولت أن تعالج مستقبل إسرائيل بنقد نظرية الإنكار، وإحلال إنكار أضخم وأشد وطأة. 

فى دراسة كتبها الدكتور بليزى متزتال، نائب رئيس المعهد اليهودى للأمن القومى فى أمريكا ومقره فى واشنطن، فى 30 أكتوبر الماضى وتحت عنوان (التحدى الإستراتيجى لإسرائيل)، ذكر نصا: على مدار عقدين تحاشت إسرائيل صنع خيارات إستراتيجية فى التعامل مع الجماعات "الإرهابية" التى تحيط بها، مستعيضة عن ذلك بالاستناد على الردع لتقليص تهديداتهم بينما تتسامح مع وجودهم.. وبينما تظهر إسرائيل حاليا، أنها تجعل من تطهير قطاع غزة من حركة حماس هدفا عملياتيا.. فهى لا تحتمل مجرد التعاطى مع السؤال عما يمكن أن يعنيه الفشل فى الردع بالنسبة لمستقبل إسرائيل.. إن أكثر قضية إستراتيجية إلحاحا على إسرائيل برغم ذلك.. ليست تلك التى تحوز اهتمام العواصم الغربية بشأن من يحكم قطاع غزة من بعد حماس.. لكنها بالأحرى تقرير كيفية إقامة الردع تجاه الجماعات الأخرى المدعومة إيرانيا.. وبالأساس حزب الله فى الشمال الذى يعد أكثر التحديات إلحاحا، إن تأجيل العمليات أو مواصلة السعى وراء الأهداف الصغيرة فى الجنوب مع التعاطى فى ذات الوقت مع التهديد الشمالي، ولو بالضربات الإجهاضية - إن كانت ضرورية - من شأنه أن يفعل الكثير لاستعادة الأمن الإسرائيلى بأكثر مما يمكن أن يفعله هجوم أرضى كاسح ضد حماس.. بل ويمكن أن يكون من شأن ذلك أيضا، شراء الوقت لتطوير خيارات فاعلة لمستقبل حكم غزة.. وأيا ما ستقرره الحكومة الإسرائيلية، بشأن تنفيذ إستراتيجية شمالية غربية فى آن معا.. فإن ذلك سيتطلب مساعدة الولايات المتحدة حتى وراء ما يتم نقاشه حاليا.. أى ليس فى حدود إعادة الإمداد بالمؤن والأسلحة فحسب، لكن بالأخص الغطاء السياسى والرسائل الرادعة ضد إيران وحزب الله.

يواصل هذا الباحث المهم، فى المركز اليهودى للأمن القومى الأمريكى (المشهور اختصارا باسم ‪JINSA) توصيفه للمأزق الأمنى لإسرائيل، وتحت عنوان فرعى (إستراتيجية اللا إستراتيجية) القول: قبل 7 أكتوبر كان الردع الإسرائيلى يقوم على ثلاثة أرجل.. الأولى والأكثر وضوحا كانت (الإنكار).. كانت قوات جيش الدفاع الإسرائيلى تعتمد على توليفة من (التفوق العملياتى والاستخباراتي) لتقليص وتدمير قدرات حماس وبنيتها التحتية وقيادتها، معتقدين أن هذا النهج كاف لإرغام حماس على إعادة حساب قيمة الهجوم.. الثانية هو إيمان الجيش فى إمكانية (تداول حيازة الإنكار) إلى ما وراء حماس.. فقد كانوا يعتقدون أن (جز أطراف عشب) الإرهاب يطلق رسائل رادعة للتنظيمات الإرهابية الأخرى.. لقد وصف لى مسئولون إسرائيليون كبار منطق العمليات الأخيرة ضد حركة الجهاد الإسلامى (فى أغسطس 2022 ومايو 2023) بأنها ليست فحسب تقليص لقدراتهم، لكن أيضا ومن خلال الفاعلية العملياتية الطاغية تدعم وتعزز الردع ضد حماس وحزب الله.. أما الضلع الثالث للمنهج الإسرائيلى للردع، هو زعم كبار قادة جيش الدفاع الإسرائيلي، بأن الكيانات الإرهابية هى أيضا (كيانات سياسية) معنية بالحفاظ على دعم الجماهير لها، وعليه فهى قابلة للانصياع لمنطق العصا والجزرة اقتصاديا، ومن خلالها يمكن ضمان الهدوء.. وأعطوا مثالا على ذلك أنهم بعد صراع عام 2021، بدأت تل أبيب فى السماح للغزاويين بدخول إسرائيل للعمل فيها، لإعطاء حماس عصا فى الحفاظ على السلام!!

الحروب التى لم تقع بعد

لكن يظل أخطر ما ذكره الباحث، هو ذلك الشرط الذى يراه جوهريا لاستمرار إسرائيل فى الوجود فى الشرق الأوسط، إذ يقول بالحرف: إن قدرة إسرائيل على أن تدافع عن نفسها بنفسها، وأن تدافع عن مصالح أمريكا الإقليمية، هى واحدة من أهم أصولها الإستراتيجية، كشريك للولايات المتحدة، إن الحفاظ على هذه القدرة وإعادة بنائها بعد انتهاء عملية 7 أكتوبر يتوجب أن يكون هدفا جوهريا لتل أبيب واشنطن على السواء، وهو ما يعنى أن على إسرائيل وليس الولايات المتحدة، أن تقود المواجهة ضد تهديدات حزب الله، وهو ما يعنى أيضا إيجاد إستراتيجية إسرائيلية أكثر نشاطا من الإستراتيجية الحالية، التى تقوم على الاستجابة بطريقة (واحدة مقابل واحدة) مع حزب الله.. وفى العمق من موقف إسرائيل المهتز الآن كأكثر جيش فى الشرق الأوسط قدرة، يتوجب أن تكون لدى إسرائيل القدرة لا للاستجابة للهجمات فحسب.

لقد انتهى الباحث هنا إلى توصية غاية فى الأهمية، لمستقبل إسرائيل فى اليوم التالى لهذه الحرب، وهى توصية تقول بوضوح، إنه من أجل تظل إسرائيل على قيد الحياة فى المستقبل، يتوجب عليها توسيع نطاق الحرب الحالية، لتشمل جنوب لبنان.. وإنه كى تظل إسرائيل على شراكتها مع الولايات المتحدة، كمدافع عن مصالحها فى المنطقة وأن تستعيد أمنها فى ذات الوقت.. عليها أن تتخذ المبادرة وأن تستعيد قدرتها على مفاجأة خصومها.. وهو كلام معناه أن هذه الحرب ليست الأخيرة.. وأنه فى اليوم التالى لانتهاء هذه الحرب عليها أن تستعد لمباغتة خصومها بشن أكثر من حرب.. فقط لتظل شريكة للولايات المتحدة وحارسة لمصالحها فى المنطقة وتستعيد الأمن!!

السؤال المنطقى هنا: إلى أى مدى يمكن لإسرائيل الرهان على المستقبل، بهذا المنطق؟ وإلى أى مدى يمكن للمتطرفين فى إسرائيل أن يذهبوا لضمان (الأمن) من خلال إنتاج المزيد من (الحروب)؟ وطبعا وفق هذا المنطق لا يمكن أن يكون هناك حديث عن دولة فلسطينية، تعيش إلى جوارهم.. أى أن تمضى إسرائيل إلى المستقبل، وهى تحارب الفلسطينيين فى الداخل، وأن تباغت منافسيها فى الخارج.. فى آن معا.

مع الأسف.. فإن هذا السيناريو لليوم التالى فى إسرائيل، حتى وقت كتابة هذه السطور هو الراجح.. وهو السيناريو الذى سيصل بإسرائيل بسرعة الصواريخ الفائقة.. إلى يوم الحساب.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة