Close ad

خالد العرفي يكتب: "الغرفة المضيئة - رولان بارت"

21-5-2024 | 15:28
خالد العرفي يكتب  الغرفة المضيئة  رولان بارت خالد العرفي

منذ فترة بعيدة، تعتريني دهشة كبيرة، لم أستطع إلا الاستسلام لجمالها، حيال تأثير التصوير الزيتي والضوئي. 

موضوعات مقترحة

ومن الصعب ترك فرص مثل تلك التى يمنحها لنا هذا النوع، من الفن. فلا تكن أبدًا مصادفة، وأنت ترى زاوية التقاط تتكلم. أو عدسة ناطقة بلغة، لا تندثر. بحروف تتسلل لعقلك، لتكون أنت كلماتك. تصوغ منها جنبات عالم خاص، آسر. منذ هذا الحين، كنت على يقين أنه الجمال، ولا غيره. عبقرية الرسم، والتصوير. أقول لنفسى: الآن فقط أستطيع رؤية عيون رأت ما لم أره، فترينى. تنقل لى، من أسرار أزمنة  ماضية، وأمكنة كائنة أو مندثرة، ونفوس غريبة. 

ومن أسرار الضوء والظلّ. والألوان. تتعلم منها ومعها لغات لا ينطق بها، إلا الإحساس والشعور. ولا تفهمها إلا الأرواح. تميّزها وتعيها.. للجبال لغة. للصحارى لغة. للأنهار لغة. للغابات لغة. البرارى. الطيور.

البحار. الشطآن. الورود. الظلام. النور.. الليل. النهار. لغات، ولغات،.. لها عبقريتها وتفردها وخصوصيتها. لغات للوجود والحياة. تلك روعة الفن، وروعة ما ينقله لك، من إحساس. 

ولا شك في أن قيمة كل عمل فنى، ترجع إلى ما يُشيّد به من معنى وما له من أثر.. له من النتائج ما يخرج عن كل ما هو مألوف، من تصورات تقليدية.. وقد تكون ضد كل منطق.

 الأمر الذى يجعل للحياة دلالات جديدة بتقليد الواقع نشدانا للكمال. ومن هذا القبيل فليس التصوير الفنى مجرد مواد للمتلقى، بقدر ما هو أفق ينتقل إليه. تتفتت عليه أثقال الحياة نفسها وإخفاقاتها. وتذوب على صخرته قتامة الواقع.

وتجري فيه دماء حقيقة ما، تسرى عبر هذا المتخيل. وفي الوقت نفسه، يأتيك صوت الجمال هامسا، بتلك اللغة الساحرة غير المرئية، إلا للشعور. فتتفاعل معه النفس البشرية، بإعمال العقل، لمعرفة مدلوله وجوهره، جمعا بين الرؤية الحسية والفكرية. وبدون القيم الجمالية، وبكل تأكيد سيكون العالم أكثر وحشة. تحتله حالة تشبه الشلل. وهذا أحد أهم أسرار الاهتمام والتلقي، ما يعطي للحياة قيمة مضافة. وعلى هذا فإن التعبير الفنى ووجهة نظره، قرينان للموهبة، ولغة تنبئ عنها.

موضوع اللقطة، وزاوية التصوير الماثلة أمامك، باختصار، لا يفيدك. تجرد من تصوراتك المسبقة  فى حالات آسرة، مثل هذه. تجد نفسك أسيرا للحظة، تتسلل إلى نفسك خفية، كتسلل الأطياف الخافتة، والظلال الباهتة. تثير انفعالات، لا توّد مغادرتها نفسك، أبدا. وربما تقهرك بجمالها. كيف تتوالى هذه الرغبات الجامحة، ولا تستطيع حيالها مقاومة. وكيف يشعر بالرضى، من لا يتذوق جمال الفن. والمعضلة والمأزق فيمن لا يفهم كيف يفهم ما يراه، من لوحة أو صورة مثلا. والناس فى فهمهم متباينون، تباين نفوسهم وأرواحهم. وبدون الإحساس، لن يكون هناك فهم.

ومن أروع المؤلفات فى هذا الصدد كتاب (الغرفة المضيئة) للكاتب والناقد والفيلسوف الفرنسي الراحل "رولان بارت" وهو من أهم أعلام النقد، الذين شغلوا الساحة الثقافية، واتسعت أعماله لتشمل حقولا فكرية عديدة وله تأثيره في تطور علم الدلالة. والكتاب مقاربة ومقياس للمعرفة الفوتوغرافية. إذ يرى أن صورة ما، يمكن أن تكون موضوعا لثلاث ممارسات، أو ثلاث انفعالات أو مقاصد: أن تفعل. أن تتحمّل. أن تتطلع.

وهذا أو ذاك ممّا تمَّ تصويره هو الهدف أو المرجع. ويرى فى نهاية الأمر، أنه لا يتعامل مع الصورة، إلا من واقع خبرتين: خبرة الذات المشاهدة وخبرة الموضوع المشاهد. وإنه قرر أن يسترشد بوجدانه كما يعيه. وله مقولته فى ذلك (كما أن الفوتوغرافيا غامضة الدلالة قليلا، سوى عند كبار رسامى البورتريهات، لا أعرف كيف أجسد ما يجيش فى نفسي).. فى حقيقة الأمر، قد تدرك وبصعوبة أكثر، مثل تلك اللحظات الحادة الصاخبة، كمغامرة. يأتى بها التصوير الضوئى فى موضوعاته المصوّرة، مثل الأحلام التى تلفت انتباهك، وتثير ابتهاجك. تنجذب إليها،.. تتقصى جوهرها، فتستنطق مشاعرك. تتحقق من أمرها، فتريحك. تلاحظها. تفكر. تستوقفك، بحضورها المتزامن، فى النفس. وعلى الفور تتضمنك داخلها.

وكما قال الشاعر صلاح عبد الصبور (الفن هو امتلاك ناصية الأحلام).. ومنها، ما قد لا تعرفه بعد، رغم أنها فى كل مكان، بفوضويتها. وعلى النقيض، منها ما قد يكون كتأثير أحلام مزعجة، تنفر منها، كما الشعور بالموت. وقد يردّك جمال الفن، إلى نفسك. ينطق، بسريرتك الدفينة. يكشف، عن مكنون ذاتك. وتلك أيضا من عبقرية الفن، وأسرار علم الجمال، وعلاقتهما بالنفس البشرية. مما يسمّي فى حينه، وحقيقة، الإبداع. 

حتما لا يكون شيء أكثر دهشة وعمقا فى الوجدان، مثل تلك اللحظات الباهرة، مثل ما يحدثه الأدب تماما، من تأثير، نثرا ونظما. كما أن هذه الأسرار المتجانسة، من علاقة الفن والأدب الوطيدة، لها تأثيرها العميق، على النفس، وفى الروح.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: