Close ad

حدث بالفعل.. يخلق من الشبه أربعين!

18-5-2024 | 15:55

هناك قلة ملعونة مندسة بين الرجال تحرص على الذهاب إلى السوق لشراء احتياجات البيت بأنفسهم، يظن هؤلاء السذج أنهم يؤدون مهمة عظيمة يمكن أن يحتموا بها وأن تشفع لهم يومًا، لكن يا لسوء ما يفعلون! أتحداك أن تتمالك نفسك من الضحك حين ترى التهتهه واللعثمة التى تكبل ألسنتهم فلا يستطيعون ردًا وهم يُسألون: لماذا لم تنتقِ الطماطم جيدًا، طبعًا ضحكوا عليك، الباعة يعلمون أن الرجال لا يجيدون شيئًا.

أين الملح؟ ألم أنبه عليك مرارًا ألا تنسى الملح؟ لا فائدة، لا فائدة، عادتك أم سوف تشتريها؟ وما هذا أيضًا؟ قلت لك مسحوق فوق أوتوماتيك وليس أوتوماتيك! هكذا أنت دائمًا لا تنصت.. يا الله! كل شيء يجب أن أفعله بنفسي!

أظنني أنتمي إلى تلك الطائفة التي لا تمل التلعثم - ظنًا منهم وأملًا أنه قد يأتي يوم ويتعلمون فلا يضحك عليهم الباعة -وأحمد الله على ذلك وأرجوه دومًا ألا يخرجني من زمرتهم، لسبب واحد قد لا يهم أحدًا غيري؛ فبالنسبة لي يعتبر التعامل المباشر مع الناس في السوق هو كنز "على بابا"، نبع الأفكار الذي لا ينضب، الإلهام المجاني لأي كاتب، وحتى عندما انصلح الحال وانتقلت إلى عقار يوجد به بواب، حرصت على أن احتفظ لنفسي ببعض مهام التسوق، لذلك تراني وأنا في السوق أمضي وقتًا طويلًا في السير مراقبًا للحركة والكلام والتعليقات من حولي، أكثر من انتباهي للسلع التي سوف أشتريها، أمر بديهي لا يحتاج إلى إثبات ولا شرح، وإلا ما تهتهت، ولا تلعثمت ساعة الحساب.

فى وقت ما كنت أظهر كثيرًا في التليفزيون وكنت أسعد عندما يراني الأقارب والأصدقاء ويخبرونني بذلك، فقد أصبحت مشهورًا، لكن الشعور الحقيقي بالسعادة أن يخبرك بذلك شخص غريب تلتقيه بالمصادفة، أو شخص اعتدت أن تشتري منه شيئًا فأصبح وجهك مألوفًا لديه، نعم شعور رائع وسعادة غامرة أن يخبرك أحدهم أنه يقرأ مقالاتك وقصصك، ناهيك إن أخبرك بإعجابه بها.

لكن ما حدث معي في السوق وصلت روعته إلى حد الخجل والإحراج.

تعودت وعودت أسرتي -كما اعتاد الكثيرون- على تناول السمك يوم الجمعة، أذهب إلى طارق في السوق ليعد لي طلبي من السمك، ثم أعود لاستلامه بعد الصلاة، في ذلك اليوم، رأيت وأنا أقترب من المحل ابتسامة كبيرة ترتسم على وجه طارق، ثم فوجئت به يصرخ بأعلى صوته في السوق جاذبًا زوجته من رقبتها "أهه.. الدكتور أهه.. شفتي مش قلتلك، أنا أعرف زبوني من بين مليون" ثم صاح طارق في وجهي "صح يا دكتور؟ صح؟.. كل ذلك وأنا أنظر إليه في ذهول، لا أفهم ولا أدري عن أي شيء يتحدث، اقتربت منه مبتسمًا "خير يا طارق، ماذا حدث؟" فوجدته يقول "أنت يا دكتور؟ لقد كنت أنت، أليس كذلك؟ والله العظيم لقد أخبرتها أنك هو، لكنها لم تصدقني، وظلت تقول يخلق من الشبه أربعين"، وومضت أمام عيني ذكرى الليلة السابقة؛ حيث كنت ضيفًا على إحدى القنوات التليفزيونية، لا شك أنه يقصد ذلك، إلى هنا كانت الأمور تسير بشكل عادي، لا شيء مثير يمكن أن يجذب انتباه المارة في السوق، طارق بائع السمك يصيح على زوجته مشيرًا إلى شخص مجهول لا يعرفه أحد.. بسيطة جدًا.. أو ربما كانت بسيطة إلى أن ابتسمت له مبديًا إقراري لما يقول، حيث صاح أكثر وأكثر "هاااا.. هل رأيتِ؟ هو من كان على شاشة التليفزيون أمس.. زبوني" وما إن قال طارق "تليفزيون" حتى انتبه كل من اخترقت الكلمة أذنه والتفت باحثًا عن هذا الشخص الذي كان في التليفزيون، ليجدوا رجلًا ينظر حوله في ذهول، يرتدي الجلباب، ويحمل في يده شنطًا بلاستيكية مكتظة بالخضراوات والفاكهة. 

رأيت البعض يبتسم مشفقًا على طارق، هذا الساذج الذى اختلط عليه الأمر بكل تأكيد، فظن أن هذا الزبون ذا الجلباب الأبيض، وحزم الجرجير والبقدونس المتدلية من أكياسه البلاستيكية، شخص مهم يظهر في التلفاز، مسكين طارق يريد أن يبدو مهمًا، وأن زبائنه ذوو شأن! كما رأيت البعض الآخر يمتعض بشدة لتلك الأهمية التي أعطاها طارق للأمر، ما المشكلة أن يظهر هذا الحسام في التلفاز أم لا يظهر، هم يريدون استلام طلب السمك بسرعة، في حين أن طارق مشغول بالصراخ، فليذهب طارق وزبونه إلى الجحيم.

ولم ينتهِ الموقف بالطبع إلا بعد أن أكدت لطارق أنني بالفعل من ظهر بالأمس على الشاشة، لا لشيء إلا لأنقذ زوجته من قبضته، لكن الأمر لم يخلُ بالطبع من شرح لسبب وجودي على شاشة التلفاز.

على بعد عشرين مترًا من محل طارق يوجد محل بيع الفول المدمس، حيث تتولى المهمة مجموعة من الفتيات تقفن بالتناوب أمام "قدرة الفول"، فى إحدى المرات وعلى غير انتظار فوجئت بإحداهن تسألني "حضرتك بتشتغل إيه؟" جاء هذا السؤال بالطبع بعد فترة من ترددي على المحل ومزاحي معهم، أقصد معهن، حتى بات وجهي مألوفًا لهن.

الحقيقة أن سؤال "بتشتغل إيه" يعتبر أصعب سؤال أواجهه دومًا ! لأن إجابته المباشرة هي "أنا دكتور" فيكون السؤال "دكتور إيه، باطنة ولا قلب....إلخ؟ وأين تعمل؟ هل في مستشفى الجامعة أم المنشاوي....إلخ.

وبمنتهى الهدوء أقول "أنا لست طبيبًا بشريًا... انتبه عزيزي القارئ فنحن على وشك الإقلاع... "حسنًا، ما تخصصك إذن؟"، عندئذ إذا استشعرت أن السائل على قدر معين من المعرفة أقول له أنني دكتور في القانون الدولي للمياه، بما يحمله ذلك من تبعات اقتربت أحيانًا من حد الشجار معي، مثل ماذا حدث في سد النهضة؟ متى سوف يجف نهر النيل؟... إلخ من الأسئلة التي لا تخلو كثيرًا من تحميلي مسئولية كل مشكلات المياه في مصر!

لكن في هذا الموقف أقول ببساطة أننى "دكتور في المياه"، ويكون رد الفعل دائمًا ابتسامة واعتقاد أنني أمزح، فأقسم بكل الأيمان أنني لا أمزح وأرجو منهم ألا يطلبوا مني حل مشكلة المياه المنقطعة عن منازلهم؛ لأن ذلك ليس مجال عملي. 

من سألتنى عن عملي كانت تدعى زينب، ولكي أتخلص من مشكلة "بتشتغل إيه؟" حاولت تغيير الموضوع فطلبت منها أن تتفرغ لدقيقة أو دقيقتين بعد انتهاء عملها وتلقي نظرة على الإنترنت لترى مجموعتي القصصية التي تحمل اسمها "أحلام زينب"، اندهشت الفتاة، ثم ابتسمت، ثم التفتت ونظرت إلى كل زميلاتها في خيلاء، وفوجئت بها – ومن قبلي الزبائن الذين ينتظرون دورهم للحصول على أكياس الفول الشهية -فوجئنا بها تترك قدرة الفول وتسرع لفتح صورة الكتاب لتجد الاسم وبجواره صورتي، ونظرت نحوي مبتسمة، وأنا أنتظر صرختها المدوية التي سوف يسمعها كل من في السوق، ليعلم الجميع أن شخصًا مهمًا مشهورًا ينشرون صورته واسمه على الإنترنت يقف بمنتهى التواضع إلى جوارهم فى طابور الفول، كم أنا رائع!

ظلت تتأمل صورتي، ثم التفتت قائلة بمنتهى الهدوء "يا سبحان الله.. ده شبهك بالظبط"، وقبل أن يبهت وجهي وتفتر ابتسامتي لحقت باقي الفتيات بها وتجمعن حولها متأملين الصورة ثم قلن: "أيوه صحيح.. شبهك خالص سبحان الله.. إلا واحدة كانت أكثرهن ذكاءً، قالت وهي تنظر نحوي بطرف عينها باستنكار "لأ.. إللي في الصورة حلو ولابس بدلة"!

بمنتهى الصراحة لم أدرِ ماذا أقول، فابتسمت وقلت لهم "عقبالنا يارب"، ثم تناولت أكياس الفول وانصرفت.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: