Close ad

بين الدعوة والدولة.. عملات «نزار» السكندرية تروي صفحة مجهولة من تاريخ الفاطميين| وثائق نادرة

10-5-2024 | 14:58
بين الدعوة والدولة عملات ;نزار; السكندرية تروي صفحة مجهولة من تاريخ الفاطميين| وثائق نادرةالدولة النزارية بالإسكندرية

في شهر جمادى الأولى من سنة ٤٨٧ للهجرة مات الوزير بدر الجمالي و خلفه في الوزارة ابنه الأفضل شاهنشاه، وقرب نهاية نفس السنة مات الإمام المستنصر بالله، وبدلاً من أن يخلفه نزار- أكبر أبنائه وعمره آنذاك خمسين عامًا - يتدخل الوزير الأفضل بن بدر الجمالي لأخذ البيعة لأحمد - أصغر أبناء المستنصر وزوج أخت الأفضل وعمره آنذاك خمس وثلاثين عامًا - والذي لُقب بالمستعلي بالله، وقد أفضى ذلك لشرخ في جسد الدولة الفاطمية ومذهبها الإسماعيلي، فكما هو متوقع لم يقبل نزار ببيعة أخيه الصغير، ويبدو أنه قد خرج من القاهرة قاصدًا الإسكندرية بصحبة جماعة من أتباعه، وفي الإسكندرية مع بداية سنة ٤٨٨هـ لُقب نزار بـ"المصطفى لدين الله"، وبايعه الكثير من أعيان المدينة وقضاتها وأهلها، فضلاً عن وإليها وبعض القبائل البدوية ومعهم جماعة كبيرة من المناوئين لبدر الجمالي وولده الأفضل من بعده.   

موضوعات مقترحة

حين وصلت الأخبار القادمة من الاسكندرية إلى الوزير الأفضل قرر سريعَا الخروج من القاهرة على رأس جيش للتخلص من النزارية قبل استفحال أمرهم، و يبدو أنه قد استخف بهم في بادئ الأمر فتلقى هزيمة بالجولة الأولى وأُجبِر على التراجع، مما مكن النزارية من أخذ أغلب الوجه البحري حتى وصلوا إلى مشارف القاهرة، لكن سريعًا ينجح الأفضل في تجميع جيش كبير بالإضافة لاستمالة بعض أتباع نزار، و قبل نهاية سنة ٤٨٨هـ يدخل الأفضل الإسكندرية بعد إحكام الحصار عليها لينتهي بذلك الفصل الأول من تاريخ النزارية كدولة وفرقة دينية، وهو فصل سيتبعه فصول أخرى بأماكن بعيدة و بعيدة جدًا؛ حيث ظهرت فرقة الحشاشين التي آمنت ببيعة الإمام نزار. 

هناك اختلاف بين المؤرخين حول مصير الإمام نزار المصطفى لدين الله، البعض يقول أنه قد قُتل في الاسكندرية، والبعض يقول أنه مات مسجونًا في القصر بعد إرساله إلى القاهرة، والبعض الآخر يدعي أنه قد هرب من الاسكندرية قبل أن يدخلها الوزير الأفضل، وعلى العموم أيًا كان مصير نزار فالنتيجة واحدة، نهاية دولتهبالإسكندرية وبداية الدعوة التي ستحمل إسمه.  

الدينار المضروب باسم المصطفى لدين الله في الاسكندرية سنة ٤٨٨هـ ربما يكون الدليل الأثري الوحيد على ما ذكرناه من أحداث، و لو أضفنا له الدينار الذي سبقه والآخر الذي لحقه سنحصل على خط تاريخي متسق يمكن دراسته وتحليله لتحكي لنا ثلاثة دنانير سكندرية جانبَا من حكاية منسية.  

نبدأ بآخر ما ضرب في الإسكندرية باسم الامام المستنصر بالله معد، وهو الدينار الذي يحمل تاريخ سك ٤٨٧هـ، أي أنه قد ضرب قبل وفاة المستنصر بأشهر، نقرأ على الوجه:


دينار الإمام معد المستنصر بالله ضرب الإسكندرية سنة 488هـ

معد
عبد الله و وليه
الامام أبو تميم
المستنصر بالله
أمير المؤمنين
عال

وقد كتب على الهامش بشكل دائري:

(بسم الله الرحمن الرحيم ضرب هذا الدينر بالاسكندرية سنة سبع و ثمانين و أربعمائة)

الدينار الثاني معنا هو الدينار المضروب باسم نزار في الإسكندرية، والذي يحمل تاريخ سك ٤٨٨هـ، نُرجح أنه قد ضرب في بداية السنة بعد البيعة، وجدير بالذكر أن ما وصلنا من هذا الإصدار نموذج وحيد يمتلكه حاليًا معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن، و قد سبق أن اشتراه الأغاخان من إحدى صالات المزادات وأهداه للمعهد، ونلاحظ أن دينار نزار جاء على الطراز الدائري الفاطمي التقليدي، حيث نقرأ على الوجه:


دينار الإمام نزار المصطفى لدين الله ضرب الإسكندرية سنة 488هـ

الدائرة الداخلية

(المصطفى لدين الله أمير المؤمنين)

الدائرة الوسطى

(دعا الامام نزار لتوحيد الإله الغفار)

الدائرة الخارجية

(بسم الله ضرب هذا الدينر بالاسكندرية سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة) 

الدينار الثالث معنا هو الدينار المضروب باسم المستعلي بالله أحمد في الاسكندرية، والذي يحمل تاريخ سك ٤٨٨هـ، نرجح أنه قد ضرب في آخر السنة بعد سيطرة الوزير الأفضل على مدينة الإسكندرية، نقرأ على الوجه:


دينار الإمام أحمد المستعلي بالله ضرب الإسكندرية سنة 488هـ

أحمد 
عبد الله و وليه
الامام أبو القاسم
المستعلي بالله
أمير المؤمنين
عال

و قد كتب على الهامش بشكل دائري :

(بسم الله الرحمن الرحيم ضرب هذا الدينر بالاسكندرية سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة)

مع النظرة الأولى للدنانير الثلاثة نلاحظ أن طراز دينار نزار المصطفى يخالف طراز دينار معد المستنصر الذي يسبقه مباشرة، وكذلك دينار أحمد المستعلي الذي يليه مباشرة، وهذا له دلالات تستحق الدراسة والتحري، فالطراز الدائري بتلك المأثورات هو الطراز الفاطمي الأشهر، والذي ارتبط بزمن الأئمة الفاطميين أصحاب الإنجازات الكبرى، وعلى رأسهم المعز لدين الله، و خلال فترة المستنصر استخدم هذا الطراز غالبًا خلال النصف الأول من حكمه، أما خلال النصف الثاني فقد شاع استخدام طرز أخرى منها الطراز الذي نراه على ديناري المستنصر و المستعلي. \

و يبدو أن نزار و أتباعه أرادوا تمييز دينار ثورتهم من خلال العودة للأصول وإظهار التمسك بالتراث والتقاليد الفاطمية، وعلى جانب آخر جاء دينار المستعلي شبيها بآخر دنانير المستنصر، ويحمل تاريخ سك نفس سنة الثورة النزارية بالإسكندرية وكأن شيئًا لم يحدث، الأمر أشبه برسالة مفادها أن الإمامة انتقلت من المستنصر إلى المستعلي وصي أبيه وصاحب الحق، و أنه لا شرعية للمخالفين ولا دولة للثائرين بعد دحر عصيانهم المحدود.

يمكننا ملاحظة الفرق في كثافة الشعارات و المأثورات الشيعية بين دينار نزار من جهة والدينارين الآخرين من جهة أخرى، فمأثورات الأول تنتمي لفترة التوسع السياسي للدولة الفاطمية وانتشار دعاتها بالكثير من الأقطار الإسلامية، إنها الفترة التي كانت فيها السلطة بيد الإمام الإسماعيلي، والذي كان يضع الدعوة للمذهب على رأس أولوياته، وهذا يفسر تعدد العبارات الشيعية بمسكوكات تلك الفترة، أما على الجانب الآخر نرى انحسار المأثورات الشيعية بمسكوكات فترة الوزراء أرباب السيف واقتصارها على عبارة "علي ولي الله" بعد الشهادتين ، فهؤلاء الوزراء كانوا أقل اهتمامًا بالمذهب الإسماعيلي و الدعوة له بل و قد جاهر بعضهم بمخالفته، ومما سبق ومن خلال فهمنا للأحداث التي ضرب خلالها دينار نزار، يمكننا تلمس الرغبة الظاهرة في إحياء الدعوة الفاطمية وتقديمها كثورة على من سلبوا نزار حقه في الإمامة، وليس من المستغرب في هذا الصدد أن تسمى النزارية فيما بعد بالدعوة الجديدة. 

من المدهش سرعة إعداد القوالب سواءً في دينار نزار المصطفى أو دينار أحمد المستعلي المضروبان سنة ٤٨٨هـ بالاسكندرية، و هذا يظهر مدى أهمية السكة كواحدة من أهم مظاهر السيادة وشارات المُلك، فضلا عن توظيفها لخدمة الدعاية السياسية والمذهبية، و بناءً على مسار الأحداث نُرجح أن دينار المستعلي قد ضُرب في الأيام الأخيرة من سنة ٤٨٨هـ ، و من غير المستبعد مع بداية سنة ٤٨٩هـ كذلك، مع تجميد تاريخ السنة لأغراض دعائية. 

حين يؤرخ للدول أو الدويلات النزارية لا يصح تجاهل دولة نزار المؤقتة بالإسكندرية، فهي في كل الأحوال دولة لها نطاق جغرافي وإمام بويع وتلقب حسب التقاليد الفاطمية وأقر بإمامته القضاة وبعض المشايخ والزعامات القبلية كما ضربت السكة باسمه، و كلف وزيرًا يدير دولته و يجيش الأتباع والمناصرين للقضاء على خصومه، باختصار لدينا مقر للحكم وحاكم مستقل وجيش ومؤسسات حكم تقليدية فكيف لا نعتبرها دولة !!، وعلى جانب آخر لا يمكننا وصف دولة على رأسها نزار بأي شيء غير أنها دولة نزارية، وما حدث بالاسكندرية سنة ٤٨٨ هـ لايجعلها فقط مقرًا لأول دولة نزارية بل الأهم أنها شهدت الفصل الأول لتشكل النزارية كجماعة سياسية ومذهبية عقب وقوع مظلومية ستجعل الإسكندرية أشبه بكربلاء أخرى.  

ما حدث في الاسكندرية سنة ٤٨٨هـ لم يكن تمردًا مناطقيا أو انقلابًا أو حتى ثورة على الحكم الفاطمي ، بل كان إلى حد كبير من توابع التنافس على السلطة بين أئمة البيت الفاطمي من جهة و الوزراء أرباب السيف من جهة أخرى ، فرغم أن بدر الجمالي قد استبد تقريبا بكامل السلطة السياسية و العسكرية و الدعوية خلال النصف الثاني من عهد المستنصر، إلا أن ولده الأفضل قد أضاف لذلك الحق في التدخل السافر والحاسم بمسألة ولاية الإمامة، فيما يمكن اعتباره انقلابًا على العقيدة الاسماعيلية التي تعد الإمامة عمودها الفقري، ولذا فحسم الصراع لصالح الأفضل بن بدر الجمالي أنهى تمامًَا أي سلطة للأئمة الفاطميين الذين صار حالهم يشبه حال الخلفاء العباسيين من حيث انحصار حقوقهم في الدعاء على المنابر وكتابة أسمائهم على السكة، واقتصار حضورهم العام على الركوب بالمواكب والمشاركة في المراسم. 

انتصار الأفضل وتخلصه من نزار لم يكن بالسهولة التي قد يبدو عليها، صحيح أن موازين القوى كانت في صالح الأفضل، لكن نزار وأتباعه لم يكونوا لقمة سائغة، حتى أن الأفضل أجبر على التراجع بعد الجولة الأولى واضطر للجوء إلى الحيلة والعمل على استمالة بعض أتباع نزار عن طريق إغرائهم بالمال والمناصب وترهيبهم من انتقامه. 

كان نزار يعلم أن له بالإسكندرية مناصرين، ففيها الكثير من مناوئي بدر الجمالي و ولده من بعده، وهذا ما سيجعلها البيئة الحاضنة الأنسب لما سيقوم به، كما أن موقعها الجغرافي وبنيتها الأساسية ومقدراتها الاقتصادية قد تعين على التحصن و الصمود في وجه الحصار وأيضا ميناؤها يتيح الهروب في حالات الطوارئ، و لهذا لا يصح الظن بأن قصد نزار للإسكندرية كان عشوائيًا، ولا يفوتنا الاشارة لما عاناه أهل الاسكندرية من تنكيل على يد بدر الجمالي بعد أن ثار بها ابنه الذي لُقب بالأوحد، فقد ظن أن أهلها شجعوا ابنه على عصيانه، والمؤكد أن تلك الحادثة قد رسخت وضع الاسكندرية كقاعدة للثورة على الوزراء الفاطميين.  

نختم بأن الانقسام الذي نجم عن الثورة النزارية لم يكن الأخير، فقد حدث انقسام آخر بعد مقتل الإمام الآمر بأحكام الله، وجدير بالذكر أن الدعوة الإسماعيلية لم يبق منها بعد زوال الدولة الفاطمية سوى تلك الجماعات التى انشقت عن مركز الدعوة بالقاهرة، فقد استمرت الدعوة النزارية و التي ينتسب لها في زماننا أتباع الأغاخان، وأيضا الدعوة المستعلية الطيبية، والتي تنتسب لها في زماننا طائفة البهرة. 


دنانير المستنصر والمصطفي والمستعلي

محمد عبد الحميد

باحث في تاريخ المسكوكات القديمة


محمد عبد الحميد باحث في تاريخ المسكوكات القديمة

المصادر والمراجع:

Norman Douglas Nicol , A Corpus of Fatimid Coins

أيمن فؤاد سيد: الدولة الفاطمية تفسير جديد

عبد المنعم ماجد: الإمام المستنصر بالله الفاطمي

ستانلي لين بول:  تاريخ مصر في العصور الوسطى

فرهارد دفتري: تاريخهم و عقائدهم

فرهارد دفتري: معجم التاريخ الإسماعيلي

برنارد لويس: الحشاشون فرقة ثورية في تاريخ الاسلام

طه أحمد شرف: دولة النزارية أجداد أغا خان

محمد السعيد جمال الدين: دولة الإسماعيلية في إيران

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة