Close ad

أعماله شاهدة على موهبة استثنائية.. وداعًا عمدة الدراما العربية

5-5-2024 | 00:19
أعماله شاهدة على موهبة استثنائية وداعًا عمدة الدراما العربيةصلاح السعدني
أحمد سعد الدين - أحمد أمين عرفات
الأهرام العربي نقلاً عن

وضعه عادل إمام على أول الطريق فرد له الجميل بمسرح التليفزيون

موضوعات مقترحة

خاصمته الأضواء لسنوات فلم ييأس وعندما عاودته انطلق كالصاروخ

بعد غياب لسنوات عن كاميرات الاستديوهات، واحتجاب عن تقديم أعمال جديدة بسبب المرض وعامل السن، رحل عمدة الدراما المصرية صلاح السعدنى، عن عمر يناهز 81 عاما، وبعد رحلة طويلة مع عالم التمثيل قدم فيها أعمالا لا تزال خالدة، وصامدة تحارب النسيان وشاهدة على موهبة استثنائية، أكدت إخلاصها وإيمانها برسالتها الفنية، رحل العمدة تصاحبه دعوات الملايين من محبيه بالرحمة والمغفرة، مع دموعهم التى تنعى سقوط ورقة ذات طابع خاص، من أغصان شجرة زمن الفن الجميل، التى توشك أن تتساقط كل أوراقها بعد رحيل الكثيرين من فنانى هذا الزمن.

إن المتأمل فى رحلة الفنان صلاح السعدنى، التى قوامها نحو 200 عمل ما بين تليفزيونى ومسرحى وسينمائى، يجدها مليئة بمحطات عرف فيها طعم النجاح والشهرة والنجومية، كما تذوق فيها أيضا مرارة المنع من التمثيل وبقائه لسنوات بلا عمل، إن حياته بالفعل كانت أشبه بفيلم سينمائى لها بداية، وحبكة ونهاية بعد العديد من الصراعات .

كانت بداية الرحلة فى محافظة المنوفية، عندما ولد فى أكتوبر من العام 1943، لكنه لم يعش فيها طويلا، إذ عاش صباه وشبابه المبكر فى الجيزة التى شهدت  التحاقه بمدرسة السعيدية الثانوية، وأثناء دراسته فيها بدأت علاقته بالتمثيل، عندما اختاره أحد المدرسين ليشارك بإحدى المسرحيات ككومبارس، ضمن المجاميع كمحارب يمسك بالحربة، وظهر فى هذا العرض دون أن ينبس ببنت شفة، ولكنه أحب التمثيل من وقتها وتمنى لو يصبح عالمه فى المستقبل الذى لا يدرى كيف ستكون ملامحه، خصوصا أنه بعد تخرجه فى الثانوية العامة، كان نصيبه الالتحاق بكلية الزراعة، وبالتالى شعر بحلمه يبتعد عنه، دون أن يعلم بأن هذه الكلية ستكون هى أولى محطاته الحقيقية فى رحلته مع التمثيل، وأن زميله عادل إمام الذى يسبقه فى سنواته الدراسية بالكلية، سيكون اليد التى تأخذه إلى هذه الرحلة، فقد كان عادل إمام وقتها رئيسا لفرقة التمثيل بالكلية، وشاء القدر أن يتعارفا معا، وكانت لهذا التعارف قصة، فقد كان عادل إمام فى حاجة إلى ممثلين جدد يضمهم لفرقته، فدعا من خلال لوحة إعلانات الكلية الطلاب الجدد المحبين للتمثيل للانضمام إلى الفرقة، وما أن شاهد السعدنى هذا الإعلان حتى سارع بالتقدم، وعندما أجرى له عادل إمام اختبارا، لمس فيه عشقه الكبير للتمثيل، برغم أنه لم يمارس التمثيل بشكل احترافى من قبل، وكان كل تاريخه يقتصر على مشاركته ككومبارس فى هذه المسرحية التى شارك بها فى مدرسة السعيدية الثانوية .

ما أن أعجب عادل إمام بموهبة السعدنى، حتى اختاره ليشارك معه فى العرض المسرحى «ثورة الموتى» ، ليزداد إعجابه به، فقد برع فى الدور الذى اختاره له، مما شجعه على أن يختاره فى أدوار أخرى، ويتعامل معه كعضو أساسى فى فريق التمثيل بكلية الزراعة، ليس هذا فحسب بل لم يثق فى غيره لكى يأمنه على الفرقة، عندما تخرج فى كلية الزراعة فاختاره ليكون خليفته، ليصبح صلاح السعدنى من بعده هو رئيس فريق التمثيل بالكلية.

وإذا كان عادل إمام صاحب فضل على السعدنى، فى أنه أخذ بيده لعالم التمثيل من خلال المسرح الجامعى، فقد رد السعدنى هذا الجميل بأنه أخذ بيد عادل إمام للعمل فى مسرح التليفزيون، الذى لعب دورا كبيرا فى شهرتهما معا، والكثير من أبناء جيلهما، فبعد نشأة التليفزيون فى أوائل الستينيات، جاء التفكير فى عمل ما يسمى بمسرح التليفزيون على أن يضم هذا المسرح فرقا متعددة منها الكوميدى والعالمى والحديث وغيره، وتم إسناد هذا الأمر للمخرج سيد بدير، وتم الإعلان عن حاجة المسرح إلى ممثلين فعلم السعدنى، وهو لم يزل طالبا بكلية الزراعة بهذا الأمر، فذهب وتقدم إلى اختباراته وقد أخذ معه عادل إمام، لينجحا فى هذه الاختبارات ويصبحا من أوائل الممثلين الذين أسسوا هذا المسرح، الذى شكل فترة مهمة من فترات المسرح المصرى، برغم أنهما كانا يتعاملان بالقطعة لكونهما طلبة بالجامعة، ومن أهم الأعمال التى شارك بها السعدنى  مسرحية «زهرة الصبار»، التى قدمت فى عام 1967 من إنتاج المسرح الكوميدى التابع لمسرح التليفزيون، وقام ببطولتها مجموعة كبيرة من النجوم مثل سناء جميل، ماجدة الخطيب، عبد الرحمن أبو زهرة إخراج كمال ياسين، علاوة على غيرها من الأعمال التى لفتت الأنظار بشدة إلى موهبة السعدنى، وجعلت الجميع يتوقع له مستقبلا مشرقا فى عالم التمثيل.

النجومية قادمة ولكن
بعد مسرح التليفزيون، الذى يمثل المحطة الثانية فى مشواره الفنى، جاءت الدراما التليفزيونية لترسم المحطة الثالثة، والأهم فى رحلته مع الفن، وقد بدأت هذه المرحلة فى منتصف الستينيات، عندما اختاره المخرج نور الدمرداش، ليشارك فى مسلسل «الضحية»، قصة عبد المنعم الصاوى وسيناريو وحوار فيصل ندا، مع سميحة أيوب وعبد الله غيث، وعبد الوارث عسر وزيرى مصطفى، وقد استطاع السعدنى من خلال هذا المسلسل الذى عرض  فى 1964، أن يلفت الأنظار إليه بقوة، مما شجع نور الدمرداش على اختياره  ليشارك  معه فى مسلسل «الساقية»، الذى عرض فى سنة 1965، ومع تألقه الشديد فى هذا المسلسل، لم يتخل عنه الدمرداش، واختاره ليقدم دورا مهما فى مسلسل «الرحيل»، والذى تم عرضه سنة 1967، واستطاع السعدنى أن يحظى بإعجاب الجمهور والنقاد معا فى هذا العمل.

تتوالى المحطات فى رحلة السعدنى، لنصل إلى المحطة الرابعة التى تمثلت فى تجربته مع السينما من خلال عمل يعد من كلاسيكيات الفن السابع، بل من أفضل 100 فيلم فى تاريخه، وهو فيلم «الأرض»، الذى شهد أول مشاركة لصلاح السعدنى فى السينما، وذلك عندما اختاره فى بداية السبعينيات المخرج يوسف شاهين، ليشارك فيه، مجسدا دور «علوانى» ، وكما لفت إليه الأنظار فى المسرح، استطاع أيضا أن يلفت إليه الأنظار وبشدة فى السينما من خلال هذا الدور،  مما جعل كل من شاهده يرى أن النجومية سترافقه وبقوة، ولن تتخلى عنه فى أيامه المقبلة، فاستعد هو لها فاتحا ذراعيه، وكل أمله فى مستقبل فنى مشرق .

الملك هو الملك
انطلق السعدنى كالصاروخ الذى لم تستطع أى قوة أن توقفه، فظل يدور ويعلو فى مدارات مختلفة، حتى وصل إلى أعلى مكانة ليعتلى القمة والجميع يتأمله فى رحلته بإعجاب وحب وشديدين، خصوصا فى عالم الدراما التليفزيونية، فهو برغم أنه قدم تجارب متميزة فى المسرح مثل «الملك هو الملك « للكاتب السورى سعد الله ونوس، وإخراج مراد منير، التى شاركه بطولتها فايزة كمال، ومحمد منير وحسين الشربينى، ومسرحية  «باللو باللو»، التى أخرجها سمير العصفورى، وشاركه بطولتها إسعاد يونس، ومحمود الجندى، وهالة فاخر، وأخرجها سمير العصفورى وغيرها من الأعمال الأخرى، التى جعلت المسرح القومى يختاره فى دورته الثالثة عشرة لتكريمه، وإصدار كتاب عنه حمل عنوان «صلاح السعدنى «ابن الحلم واليقظة» أعده الكاتب أحمد خميس، وكذلك كانت له تجارب ذات طابع مختلف فى السينما مثل فيلمى «الأرض ، أغنية على الممر» اللذين تم اختيارهما من أفضل 100 فيلم، علاوة على أفلام أخرى مثل « فوزية البورجوازية، اليوم السادس، فتوة الناس الغلابة، ملف فى الآداب، الموظفون فى الأرض، كونشرتو، لعدم كفاية الأدلة، قضية عم أحمد، زمن حاتم زهران» ، إلا أن تجاربه فى عالم الدراما التليفزيونية كانت هى الأقوى والتى وضعته على قمة الهرم.
 
شخصيات صامدة لا تعرف النسيان
إن من يقلب فى أوراق الدراما التليفزيونية عبر تاريخها، لابد أن يتوقف عند الشخصيات التى جسدها الفنان صلاح السعدنى، وبعدها سرعان ما يكتشف أنها هى الأبرز، فمن ينسى شخصية «العمدة سليمان غانم» التى قدمها فى مسلسل «ليالى الحلمية»، الذى عرض الجزء الأول منه سنة 1987، فهذا العمل رغم أنه ضم نحو 120 ممثلا، لكن السعدنى استطاع أن يتفوق وبقوة، مستخدما أسلحته وأدواته الفنية التى كشفت عن خفة دمه حتى أن عباراته التى كان يرددها فيه أصبحت متداولة بين الناس، فكان من أهم أسباب نجاح المسلسل طوال أجزائه الستة وأيضا من أهم الدوافع التى جعلت الناس تقبل على مشاهدته بشغف كبير، إن «ليالى الحلمية»، التى باتت أيقونة الدراما العربية، كشفت الكثير عن عالم صلاح السعدنى، كعاشق للمبارزة الفنية، التى تألق فيها أمام الفنان يحيى الفخرانى، فمن ينسى الصراع الشرس الذى كان بين العمدة سليمان غانم، والباشا سليم البدرى، أيضا قدرته على الذوبان فى الشخصية حتى تناسى الناس شخصيته الحقيقية وظلوا لسنوات ينادونه بالعمدة سليمان غانم،  ثم  مع توالى أدواره ومعايشته لشخصيات أخرى أصبح الناس والنقاد يطلقون عليه لقب «عمدة الدراما العربية».

أيضا من ينسى شخصية «حسن النعمانى»، التى قدمها فى مسلسل أرابيسك»، فى منتصف التسعينيات، وجسد من خلالها دور ابن البلد الشهم الذى يعيش داخل كل مصرى، والذى يعتز بمهنته وبتاريخ بلده، والمتأمل فى هذا الدور ومن قبله دوره فى «ليالى الحلمية «، يكتشف أن السعدنى لم يكن مجرد ممثل يؤدى ما يعرض عليه من أدوار، لكنه كان صاحب قضية ورسالة، خصوصا ما يتعلق بهوية بلده وتاريخه والتحولات التى شهدها، وهكذا كان فى كل أعماله التى قدمها مثل مسلسل «رجل فى زمن العولمة»، الذى تطرق فيها لما طرأ على حالنا من تغيرات فى هذا الزمن، وأيضا ظهر اهتمامه جليا بالتاريخ فى مسلسل «حلم الجنوبى»، وهكذا كان فى كل أعماله التى قد تختلف فى موضوعاتها لكنها تتفق جميعا فى التأكيد على أنه كان فنانا مهموما بوطنه، والسعى من خلالها على توصيل رسائل بعينها هدفها الإصلاح ودق ناقوس الخطر سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة  لما قد يعترى المجتمع من أشياء تهدده ، ومن هذه الأعمال «سفر الأحلام ، الناس فى كفر عسكر، الباطنية، الأصدقاء، حارة الزعفراني، عدى النهار، أبناء العطش ، حصاد الشر» وغيرها  ومنها آخر أعماله التى قدمها وهو مسلسل «القاصرات» الذى قدمه منذ نحو 11 سنة، وكان قد تجاوز السبعين عاما، فإن إيمانه بالقضية التى حملها المسلسل جعله يتحامل على نفسه رغم مرضه ويقدمها، واستطاع من خلاله أن يسلط الضوء على ظاهرة زواج الفتيات القاصرات التى انتشرت فى بعض المناطق الشعبية والريفية، ويكشف من خلال هذا العمل عن أن هذه الظاهرة تهدد أمن وسلام المجتمع وعلينا أن ننتبه إليها ونواجهها بحسم.
 
ليست مجرد حياة لكنها دروس مستفادة
لم تكن رحلة الفنان صلاح السعدنى، مجرد محطات قدر ما كانت دروساً مستفادة، يتعلم منها الجميع، فهو عانى كثيرا وتعرض لضغوطات شديدة، وبرغم ما عاناه لم ييأس ولم يتخل عن موهبته ويذهب لعمل آخر، بل ظل صابرا وعندما واتته الفرصة من جديد انطلق واشتغل على نفسه، وأعاد شحن موهبته من جديد برغم أن أبناء جيله كانوا قد سبقوه فى عالم الشهرة والنجومية، ومنهم الفنان نور الشريف الذى اعترف فى أحد البرامج بأنه عندما كان فى الفرقة الأولى بالمعهد العالى للفنون المسرحية، عمل «كومبارسا»، خلفه فى عملين مسرحيين هما « ليلة الامتحان «ولا تطفئ الشمس» ، فعندما عاد السعدنى للوقوف أمام الكاميرات من جديد كان نور الشريف نجما لامعا فى سماء السينما، وكذلك عادل إمام وسعيد صالح، وغيرهم من رفقاء دربه، وبرغم ذلك لما يصب بالإحباط، بل بدأ من جديد يحمل ثقته فى نفسه وإيمانه بموهبته، وبالفعل استطاع أن ينجح ويتفوق، أيضا من أهم الدورس التى نتجت عن هذه الرحلة أنه لم يدخل فى صراعات مع أحد رغم كل ما مر به من صعوبات، بل كان محبا للجميع ودودا معهم، لم يبخل بالنصيحة على أحد، بل إنه لم يسمع أحد يوما أنه دخل فى جدال مع صناع الأعمال الفنية حول أجر سيحصل عليه أو عن ترتيب اسمه وسط نجوم العمل على التترات، ومن هذه الدروس أيضا أنه عندما وجد نفسه غير قادر على العمل بسبب المرض وعامل السن، ابتعد عن الساحة وآثر أن يعيش ما تبقى من حياته فى هدوء وسط أسرته، تاركا شخصياته تتحدث عنه فأصبح هو الغائب الحاضر بين الناس .

كذلك أدرك السعدنى أن نجاح الممثل يكمن فى اختياراته، لذلك كان يدقق فيما يقدم من أعمال، فاختار التى تعبر عن المحيطين به ويعيش بينهم، فكان لسان حالهم يتحدث عنهم عما بداخلهم ويذكرهم بتاريخهم ويغرس بداخلهم العشق لهويتهم، لذلك عشقه الناس وأقبلوا على أعماله .

أصدقاء الرحلة يتحدثون: المخرج عمر عبد العزيز

الإنسان سيرة والمسجد ممتلئ عن آخره من محبى صلاح السعدنى، فسيرته عطرة والناس تحبه رغم أن بعضهم لم يقابله وجهاً لوجه، وهذا هو سر شخصية صلاح السعدنى الذى عرفته منذ أكثر من خمسة عقود، فيكفى أن تجلس معه ساعة واحدة حتى تقع فى غرامه لأنه إنسان بسيط جداً ويحب أصحابه، ويسأل عنهم باستمرار، فلا أستطيع أن أنسى أثناء تصوير فيلم «كراكيب»، كان يتعامل مع عمال الاستديو بحميمية شديدة ويجلس معهم ويتبادل الأحاديث والقفشات الضاحكة، لدرجة أنه عندما كنت أطلب منهم العمل ساعات إضافية لم يمانعوا، وكان السبب هو وجود العمدة، كما كانوا ينادونه، وعلى المستوى الفنى كان يكفى أن تشرح له المشهد قبل تصويره، فيسأل أين الإضاءة الرئيسية وماذا تريد من الريأكشنات ويدخل فى تفاصيل الشخصية بشكل غريب، ثم ما إن تدور الكاميرا حتى تجد أمامك ممثلا من طراز فريد ينفذ ما يريده المخرج بسهولة تامه، وما أن أقول أستوب تجده يعود لروح السخرية والقفشات من جديد، ويسأل جميع الموجودين ما رأيكم فى المشهد الذى أديته، وبعد انتهاء الفيلم يواصل الاتصال بنا وفى بعض الأوقات يقول على فكرة إحنا عاملين أكل حلو أوى النهاردة، هات لب وسودانى عشان نشرب الشاى مع بعض بعد الأكل، فى إشارة منه لعزومة عشاء.
 
أما أسعد اللحظات فكانت عندما يجتمع صلاح السعدنى بعادل أمام ويبدآون فى حديث الذكريات ثم القفشات بينهما هذه الجلسة من المستحيل أن تجد فيها شخصا ساكتا كل الجالسين فى قمت السعادة والضحك من كلام الصديقين وقفشاتهما، رحم الله صلاح، واحد من أفضل الأصدقاء المثقفين والموهوبين.

المخرج هانى لاشين
فقدنا قيمة إنسانية وفنية رائعة، لست أذكر على وجه التحديد بداية معرفتى بصلاح السعدنى، لكنى أؤمن بأنه رجل عابر لكل الأزمان، فبمجرد معرفتك به، وبعد دقائق معدودة تجد نفسك دون أن تدرى صديقا لهذا العملاق، فقد كان يحمل بداخله كما من الحب للآخرين لا يوجد له مثيل، فيكفى أن أقول لك إن صلاح هو نموذج لابن البلد المثقف الذى يمتلك الشهامة والجدعنة، ويستطيع أن يقرأ ما تفكر فيه من نظرة عين، فعندما كان يمشى فى الاستديو ويرى أحد العاملين شارد الذهن على الفور يجلس بجواره ويتحدث معه وينادى على عامل البوفيه ويطلب له الشاى ويجبر بخاطره ويسأل عنه كل فترة، لذلك تجد كل الفنيين وعمال الاستديو يفرحون عندما يأتى صلاح السعدنى، أما زملاؤه الفنانون - فحدث ولا حرج - فهو الصديق الوفى والأخ والابن فى نفس الوقت، وجوده يعتبر فرحة لزملائه، فهو يضحك طوال الوقت ويلقى القفشات ويناقش الجميع بالإضافة لروح السخرية التى يمتلكها، أضف إلى ذلك  أن صلاح - رحمه الله - كان قارئا نهما ومثقفا كبيرا ولديه صبر على النقاش لأوقات طويلة، ويتذكر الكثير من أبيات الشعر لشعراء كثيرين، تعاملت معه فى أربعة أعمال منها فيلم «العودة والعصفور» بطولته مع ميرفت أمين، ولا أخفيك سراً أن صلاح - كفنان - من أكثر الناس إلتزاماً بمواعيده ويأتى إلى الاستديو مبكراً ويعمل مكياجه ويكون جاهزا ثم يبدأ فى مداعبة زملائه فيصنع جوا من المرح قبل التصوير، وعندما يتم تجهيز الشوت تجده فى أعلى درجات التركيز لتعليمات المخرج ولا يتحرج من كثرة الإعادة، لأنه يحرص على خروج العمل ككل فى أفضل صورة، أذكر فى فيلم بعنوان «ليه يا دنيا» بطولته مع وردة ومحمود ياسين كم المناقشات التى تتم بين المشاهد وأوقات الراحة بين هذا الثلاثى، فالمعروف عن محمود ياسين أنه عاشق للأدب والثقافة، فى سبيل أن صلاح كان يحب أن يتحدث معه فى الشعر والأدب، وكانت المناقشات كأنها برنامج أدبى فى أجمل صورة حتى أن الفنانة وردة كانت تقول عاوزين نخلص التصوير بسرعة عشان أستمتع بالنقاش بين الصديقين، رحم الله صلاح السعدنى، الأخ والصديق إبن البلد الذى لم يتغير حتى آخر لحظات حياته.

مدير التصوير سمير فرج
صلاح السعدنى، واحد من أهم فنانى الزمن الجميل الذين عاصرتهم، صديق للجميع بلا استثناء، فعلى مدار ستة عقود لم أسمع يوماً أنه دخل فى صدام مع أحد أو تشاجر مع أحد، بالعكس هو دائما مجمع الأصدقاء وهو حمامة السلام بينهم، بالإضافة لروحه المرحة وأسلوبه الساخر الذى ورثه عن شقيقه الأكبر محمود السعدنى، كان يمتلك شخصية متفردة كشخصية أبناء البلد ويتحلى بالشهامة والجدعنة، عندما كان يرانى من بعيد أجد من ينادى على «يا ابن فرج» تعال اجلس بجوارى فأنت واحشنى جداً رغم إنك ندل مش بتسأل، فأقول اتصلت بك من أسبوع وأنت رديت فيضحك ويقول أنا بعاكسك ويبدأ فى إلقاء القفشات، وعندما تناقشه فى أى موضوع فنى أو ثقافى أو حتى رياضى تجده يمتلك معلومات قيمة وإلمام بالموضوع ويحكى لك عن بعض الأمور التى حدثت فى هذا الشأن، كان أهلاويا حتى النخاع وكنا أثناء التصوير نتوقف لمشاهدة مباريات النادى الأهلى، وعندما يفوز نجد صلاح السعدنى يقول المشاريب النهاردة على حسابى، رحم الله الفنان المثقف الجميل الذى رأيت وعرفت حب الناس له عندما دخلت المسجد لأجد صلاة الجنازة مكتظة عن آخرها تجسيداً لحب الناس له.

الفنان سامح الصريطي
معرفتى بصلاح السعدنى بدأت منذ عام 1977، عندما شاركنا فى مسلسل معاً، ومن وقتها وهو صديق مقرب للجميع يشع البهجة فى كل الجلسات التى تجمعنا، وأشهد له أنه من القلائل فى الوسط الفنى الذين يتسلحون بالثقافة بكل ألوانها، فمن مميزات صلاح أنه عندما تتحدث معه فى أى مجال تجد عنده معلومات صحيحة ويناقش بشكل علمى، ومن الأمور الطريفة أنك لو شاهدت معه مباراة كرة قدم تجده متحمساً للغاية، وفى نفس الوقت عنده قدرة على تحليل المباراة بشكل صحيحا، وفى الحياة العامة هو إنسان جاد يضحك ويسخر من أشياء كثيرة لكن فى ضحكه رسالة، لأنه لا يضحك للضحك فقط، إنما دائما يحاول أن يكون لكلامه معنى وللحديث رسالة معينة، وأثناء وجودنا فى تصوير ليالى الحلمية كانت جلسته  تعتبر من البسمات الجميلة فى الاستديو، فيضحك مع الجميع ويناقش الجميع بمن فيهم عمال الاستديو الذين يحبونه لتبسطه معهم، الحقيقة أن بوفاته خسرنا قمة كبرى على مستوى الفن العربى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة