Close ad

لماذا الكتابة على صفحات الأهرام ماتعة؟!

21-4-2024 | 17:52

مذ كنت صغيرًا، أو كما يقال منذ نعومة أظافري ولدي شغف بالقراءة والكتابة، فقد كنت انتظر حصة اللغة العربية بفارغ الصبر، وكنت أفرح فرحًا شديدًا عندما كان المعلم يطلب منا أن نكتب موضوع تعبير، بل وكنت أزداد سعادة عندما كنت عضوًا في جماعة الصحافة المدرسية وفريق الإذاعة، ويا لسعادتي عندما كان يطلب مني ناظر المدرسة في مرحلة الإعدادية أن أقدم فقرات الإذاعة المدرسية، ودومًا ما كنت أبدأها بالقرآن الكريم، كنت أتدرب على الأداء طيلة الليل.

وذات يوم تأخر المعلم عن الحصة، وحدث هرج ومرج في الفصل، فدخل علينا مشرف المدرسة في هذا اليوم وممسكًا بيده "خرزانة" طولها لا يقل عن مترين ووقف الجميع انتباه، كنت وقتها ممسكًا بقلمي أدون بعض الخواطر في كراستي، فنظر إلي قائلًا ماذا تفعل، تلجلجت في الكلام فأمسك بكراستي وقرأ ما بها فقال لي يومًا ما ستكون صحافيًا.

نعم كانت ميولي أدبية، فكنت أعشق الكتابة منذ صغري والمشاركة في الأمسيات الشعرية والندوات، ازدادت هذه الموهبة عندما اتسعت مداركي الفكرية مع دخولي الجامعة، والتحاقي بقسم الفلسفة وكثرة المناقشات مع الأساتذة، وكثرة النقد البناء، فضلاً عند مكتبة الكلية التي كنت أقضي معظم وقتي بها، حتى أني كنت لا أحضر بعض المحاضرات وأقضي وقتها في المكتبة.

كانت عادة المكتبات أن تأتيها الجرائد اليومية، تقريبًا كل الصحف القومية، الأهرام، الأخبار، الجمهورية.

كنت أطالعها جميعًا، لكن كان لي شغف بالأهرام، لا أدري لماذا، قد يكون لأهمية الموضوعات التي كان يتناولها المبدعون وقتئذ، فقد كانت تشدني مقالات الكاتب الكبير أنيس منصور - رحمه الله - الصحفي الفيلسوف، لكن كانت له آراء صريحة في المرأة، كنت لا أقبلها ونوقشت هذه الأفكار في العديد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية، وقتما كان التليفزيون تليفزيونًا، وقتما كان المذيع يمتلك جميع أدوات النقاش.

كذلك كنت أحب القراءة للشاعر الكبير فاروق جويدة، والأستاذ المبدع عبدالمعطي حجازي، والأستاذ العملاق أسامه سرايا وغيرهم من المبدعين، لما كانت تحمله كتاباتهم من موضوعات حيوية تمس واقعنا المعيش وقتئذ، ولا يزالون يواصلون كتاباتهم الإبداعية.

تخرجت من الجامعة وكلي أمل أن ألتحق بهيئة التدريس في الجامعة، وأكتب مقالات في الأهرام.

فكنت أراسل الأهرام (بريد الجمعة)، ولا أحد يعيرني انتباهًا، لم أمل، كنت أنتظر كل يوم جمعة لعلهم يروني وينشروا لي، لكن لم يحدث، كنت أدون ما أكتبه وأظنه أو أحسبه مقالات، لكن عندما ازددت في الإطلاع والقراءة أدركت أنها خواطر؛ لذلك كانوا لا يلتفتون إليها.

إلى أن حصلت على درجة الدكتوراه، وأصبحت لدي حصيلة معرفية لا بأس بها، وبعد أن توطدت علاقتي بالفيس بوك رحت أقرأ الآخر قراءة جيدة، أدركت أن الفيس بوك لا يمكن أن يستغل هذا الاستغلال السيئ.

بدأت أكتب وأنشر على صفحتي، لم يكن لي قراء إلا عدد محدود جدًا، كنت أصاب باليأس والإحباط أحايين كثيرة، وكنت أتوقف ثم أعود وأكتب.. وهكذا، إلى أن هديت إلى رقم هاتف كاتب صحفي كبير رحمه الله، فراسلته وعرضت عليه ما أكتبه، فكان يوجهني ويثني على موهبتي في الكتابة، ثم التقيت صحفيًا آخر، وقال لي لولا أنك موهوب ما كنت نشرت لك في الأهرام العربي.

ليس هذا فحسب، بل أجروا معي حوارًا من ألف ومائة وعشرة كلمة، فضلا عن حوار سبقهم إليه معي نائب رئيس تحرير عقيدتي، كان فاتحة خير علي، فبعد هذا الحوار أصبح لي مقالًا ثابتًا في عقيدتي.
 
ظللت على حالتي أراسل المواقع وانشر فكري بكل الطرق المتاحة، لكن عيني كانت على محبوبتي الأهرام متحديًا نفسي -أولًا- وبعض الناس الذين طلبت منهم أرقام بعض الكتاب فتحججوا بحجج واهية، ولا أدري لماذا؟!، إلى أن هداني الله إلى رقم جوال رئيس تحريرها السابق، راسلته لكنه لم يلتفت إلي على الرغم من أني عرفته بنفسي، لكن لم ينشر لي، إلا أنني ذات يوم وبعد فترة كتبت له مرة أخرى أول مقال نشر طرفهم، يبدو أنه أعجبته الفكرة، فأدركت طبيعة الموضوعات التي ينشرونها وأعطاني رقم هاتف مدير صفحات الرأي ومنذ يومها ويقومون بالنشر لي، صحيح ليس بصفة دورية، ولكن في النهاية ينشرون لي وهذا ما كنت أصبو إليه.

نأتي إلى الأسباب المهمة التي جعلت الكتابة على صفحات هذه الجريدة ماتعة وشيقة:

أول هذه الأسباب، أنها صحيفة متماسكة بمعنى ما زالت إلى الآن لها قراء ينتظرونها كل يوم، وهذا ما ألمسه بنفسي مع باعة الصحف ذهابًا وإيابًا يوميًا وأنا ذاهب إلى العمل، وكذلك وأنا عائد منه، فضلًا عن مشاهدتي لكثير من ركاب المترو ممسكين بها يتصفحونها.

وثاني هذه الأسباب سعرها معقول جدًا ومتاح للجميع، ثلاثة جنيهات، وهذا يدل دلالة قطعية الثبوت عن دعم الدولة لها فتكلفة النسخة أضعاف أضعاف ما تباع به، ومن ثم إمكانية شرائها متوافر للجميع، وبما أنك تكتب على صفحاتها فبالحتمية المنطقية سيصل فكرك إلى كل المثقفين الذين يتابعون صفحات الرأي، وحتى المواطن البسيط الذي سيكون بجوار من يمسك بها في المترو سيشاهد صورتك وتقع عينه على اسمك فتعرف وتنتشر لو أخذنا المسألة من الناحية البراجماتية.

وثم سبب ثالث ومهم جدًا، أن صفحات الرأي تضم نخبة ممتازة من الكتاب المفكرين، سواء على صفحات الجريدة الورقية أو البوابة الإلكترونية، فليس كل كاتب مفكر، وأعي ما أقول - فهناك من يكتب ليقتات، مزاولة مهنة، لكن هناك كاتب مفكر، عندما تقرأ له يأخذك إلى عالم الفكر، ويجعلك تُعمل عقلك في كل كلمة يكتبها، هكذا حال كتاب صفحات الرأي في الأهرام، هناك من يكتب عن السياسة سواء المحلية أو العلاقات الدولية، هناك من يكتب عن القضية الفلسطينية، هناك من يكتب عن الاقتصاد، عن كافة الفنون والآداب والثقافات، هناك من يكتب في الأدب والفن والشعر، أيضًا نجد من يكتب عن الفلسفة، نعم صفحات الرأي تعبر عن آراء أصحابها بمختلف توجهاتهم واتجاهاتهم الفكرية.

أما رابع هذه الأسباب، إفراد مساحات معتبرة للنشر، فضلًا عن إعطاء الكاتب فرصة للتعبير عن رأيه بحرية.

أيضًا وهذا لمسته بنفسي، صياغة عنوان المقال صياغة صحفية معتبرة تجذب القارئ إليه وتجعله يقرأه ولا يمل من قراءته.

فالأكاديمي قد لا يمتلك القدرة على الحبكة الصحفية، ومن ثم يقوم مسئول الصفحة بالتعديل، تعديل العنوان دونما الإخلال بالمضمون.

وهناك سبب خامس يجعل الكتابة شيقة، المراجعة اللغوية الدقيقة للمقالات، فقد يكون الكاتب غير متخصص في اللغة العربية، وقد تسقط منه كلمة أو جملة، فيقوم الديسك المركزي بالمراجعة والتصحيح اللغوي الدقيق، وفي ذلك احترام لعقول القراء.

فضلا عن التقنيات العالية في إخراج الصفحات، فضلا عن إتاحة الفرصة للقراء أن يقرأوا المقالات على البوابة الإلكترونية وطباعة المقالات إن أرادوا ذلك.

حفظ الله الأهرام وحفظ رئيس مجلس إدارتها وأعضاء المجلس ورؤساء تحريرها ورؤساء الصفحات ورئيس الديسك المركزي وفريق عمله، وفريق عمل بوابتها الإلكترونية، أولئك الذين لا يألون جهدًا في تقديم كل ما هو جديد ومواكب للحدث على مدار الساعة بمنتهى الحرفية والتقنيات الحديثة.

حفظ الله كتابها الأجلاء الذين أثروا الحياة الثقافية بمئات المقالات التي أنارت وستظل تنير طريقنا نحو المعرفة والثقافة والفهم والاستبصار؛ من خلال كتاب مبدعين وهبوا حياتهم لخدمة مجتمعهم حسبة لله تعالى.

* أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

كلمات البحث
الأكثر قراءة