Close ad

الهروب من شبح عبد المنعم إبراهيم.. كيف غامر صلاح السعدني بأداء دور ياسين في ثلاثية نجيب محفوظ؟

20-4-2024 | 13:19
الهروب من شبح عبد المنعم إبراهيم كيف غامر صلاح السعدني بأداء دور ياسين في ثلاثية نجيب محفوظ؟ صلاح السعدني خلا أداء دور ياسين في الثلاثية
أحمد عادل

كان تحديًا كبيرًا أن يُقدم الفنان الكبير الراحل صلاح السعدني على تقديم شخصية ياسين ابن السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية أديب نوبل العالمي تلفزيونيًا بعد أن جسدها الفنان العبقري عبد المنعم إبراهيم سينمائيًا، خاصة أن السعدني نفسه قد اعترف بأستاذية عبد المنعم إبراهيم وقدرته على إضافة الكثير للشخصيات التي يقدمها، وأن بصماته الكوميدية أو التراجيدية لا يمكن أن تسقط من ذاكرة ووجدان الجماهير.

موضوعات مقترحة

لكن صلاح السعدني حين أُسند إليه أداء هذا الدور كان يدرك مدى حساسية تلك المغامرة الدرامية، خاصة أن المقارنات ستعقد بينه وبين عبد المنعم إبراهيم، بل وأنها ستمتد لتشهد سائر أبطال المسلسل، لا سيما وأن المسلسل الذي يمتد لثلاثين حلقة يتيح لأبطاله مساحة درامية أكبر من الفيلم لإظهار المشاعر والانفعالات الشخصية التي تحيط بالأشخاص.

لقد أدى السعدني شخصية "ياسين عبد الجواد"، وهي شخصية محورية ضمن أحداث ثلاثية نجيب محفوظ "بين القصرين، قصر الشوق، السكرية"، وإن كان المسلسل قد أنتج منه "بين القصرين، وقصر الشوق" دون السكرية خلال عامي 1987، 1988م.

وياسين عبد الجواد، شخصية لم ترث من والده السيد أحمد عبد الجواد سوى الإنفلات في مجالس الأنس، لقد كان ضحية استبداد الأب وماضي الأم، فأقبل على شهوات الحياة بلا وازع، إنه يختلف عن أخويه، فهمي المناضل السياسي الذي يستشهد إبان ثورة 1919م، وكمال العاشق الولهان الذي رسم له نجيب محفوظ خطًا رومانسيًا حالمًا طيلة أحداث الثلاثية، حتى حينما ورث من أبيه مغامراته النسائية، فأنه لم يكن انتقائيا في الجمال، حيث كان والده مترددا بين "زبيدة" و"جليلة" اللتان يتمعان بقدر من الجمال والأنوثة، لكنه نزواته تقده إلى "أم حنفي" السيدة العجوز التي تعمل خادمة في منزل أبيه.

لقد أراد ياسين أن يهرب من الماضي بكل ما فيه، من سطوة أبيه الذي يراقبه في كل أحواله ويختار له كل شئ حتى شريكة حياته، ومن أمه التى لم ترحمه فأصبح مُعيرًا بها لأنها لا تتوانى عن الزواج من شاب في مثل سنه، لذا نراه يقبل على الحياة تاركًا النضال لأصحابه مفضلاً البقاء بين أحضان الغانيات وصاحبات الفرفشة.  

لقد فشلت جهود السيد أحمد عبد الجواد، ذلك الرجل الصارم الحاكم بأمره في منزله من أن يجعل ابنه البكر "ياسين" وريثا لحزمه وثروته، لقد أصيب بخيبه أمل في أولاده جميعًا، الذين سلكوا طريق السياسة والمثالية والإقبال على الحياة بلا قيد أو شرط.

كان صلاح السعدني يدرك أبعاد تلك الشخصية جيدًا، رسمها بعناية كبورتريه نابض بالحياة قبل أن يؤديها، عرف كيف يطوع شخصية "ياسين" المأزوم نفسيًا من النساء وعلاقاته المتعددة بهن، تستدعي صورة أمه صوت الماضي الذي يريد أن يهرب منه، لكنه يحاول أن يساير واقعة بضحكات غارقة في النزوات لأبعد الحدود، ورغم أنه كبير الأسرة فلم يكن سوى شخصية على هامش مسيرتها، غير مؤثر على قرارها إطلاقا، بل وحتى لم يكن ليملك قرار نفسه، هرب من الماضي وجعل من الحاضر كأسا مرا يتجرعه ليكون أبنا للحظته فقط.

إلّا أنّ هذه الآلام والمعاناة التي يعانيها ياسين، لم تنتج لنا سوى شخصية هامشية باقتدار، فهو على الرغم من أنه الأخ الأكبر إلا أنه لم يكن مؤثرًا لا على الأسرة ولا حتى على قرارات حياته الشخصية، فقد ظلّ معتمدًا على سطوة والده حتى عندما أصبح أبًا بدوره، فكان انعكاسًا لشخصية الزوج الضعيف، وإن كان يصرّ على الرّغم من ذلك على عدم التّخلي عن شرابه ونزواته.

لم يرد ياسين أن يفكر في شيء، فهرب من التفكر في الماضي كما هرب من التأمل أو التفكير في الحاضر وتجاهل تصوّر أو توقّع ما يمكن أن يأتي به المستقبل، لقد كان ابن لحظته.

إن البراعة التي أدى بها صلاح السعدني شخصية ياسين، تؤكد أنه كان قارئًا نهمًا واعيًا لأحداث الثلاثية، ولولا هذا الوعي لما أقبل على تلك المغمرة المحسوبة في آداء دور أداه من قبل واحدًا من أساتذة التمثيل في مصر هو الراحل عبد المنعم إبراهيم.


صلاح السعدني خلا أداء دور ياسين في الثلاثية من ارشيف مجلة الكواكب صلاح السعدني خلا أداء دور ياسين في الثلاثية من ارشيف مجلة الكواكب
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة