Close ad

في أحيان كثيرة تتحول الأوطان إلى أرض أجنبية.. الشاعر السوري أكرم قطريب: الشعر نوعٌ من المواطنة| حوار

18-4-2024 | 20:45
في أحيان كثيرة تتحول الأوطان إلى أرض أجنبية الشاعر السوري أكرم قطريب الشعر نوعٌ من المواطنة| حوارأكرم قطريب
حوار أجراه ـ هانى نديم
الأهرام العربي نقلاً عن

فلسطين فى شعر درويش استعارة عالمية لخسارة عدن والقيامة وآلام النفى

موضوعات مقترحة

 

الشعر لا يمكنه تغيير أى شيء لكنه فى كثير من الأحيان مكان الحياة الحقيقى

 

يقول هوميروس: “إن الشعر هو رحلة صيدٍ ليلية” وكذلك الحوار مع شاعر مثل أكرم قطريب هو رحلة صيد ليلية، فقد يولد سؤالٌ ما، مساراً فى أدغال وأحراش ضاربة فى الذاكرة والحنين.. فى المشهد السورى تلمع تجربة أكرم القطريب كدرهمٍ فى نهر.. تجربة خاصة ولافتة ولا تحب الضوضاء كثيراً بوصفها المهيب الراسخ.

 اختار أكرم أن يعيش فى نيوجرسى فى الولايات المتحدة منذ زمن طويل، إلا أنه متواصل ومتصل بالشعر السورى والمشهد العربى الكبير، أصدر عدة دواوين شعرية كان لها صدى واسع، مثل: “مسمّراً إلى النوم كابنٍ وحيد” وأقليات الرغبة، وأحرث صوتك بناي، وغيرها العديد وبلغات مختلفة. التقيته فى هذا الحوار الذى تأخر كثيراً.

< مبتدئاً مجموعة «قصائد أمريكا» وتلك الدلالة التى تشير إلى بنيوية جديدة وشعرية مختلفة عن تجاربك فى “أقليات‪ الرغبة” و”مُسمّراً إلى النوم كابنِ وحيد”، وغيرها.. هل حقاً لدينا نصوص خاصة بغرباتنا وأوطاننا الجديدة؟ كيف ترى الأمر؟ 

فى قصيدة مبكرة كتبتها بعد فترة من مجيئى للإقامة بشكل نهائى فى نيوجرسي، انتبهتُ إلى أن الطريقة التى أرى فيها العالم حولى بدأت تتغير عبر الكتابة الشعرية ذاتها، وحتى أسلوب العيش، وعرفتُ أن ما يُبقيكَ على قيد الحياة أثناء الانتقال إلى المكان الجديد هو تلك القشرة الرومانسية أو حبل المشيمة الوهمي. استعارة خادعة مفادها فكرة فشل علاقة الحب مع المكان الأول. وربما يُطلق على هكذا كتابة صفة الكتابة البعيدة عن المنزل، المرجعيات الأساسية فيها ستكون للأثاث والفقد والحيرة والطبيعة وتمجيد الألم

وبغض النظر عن أسباب هجرتى التى لها أسبابها، تخلّيتُ عن كل شيء وأتيتُ إلى هنا، وبطبيعة الحال ثمة شعور بالذنب لا أفهمه أيضاً مع صعوبة تآلفى مع المكان الأمريكى لفترة طويلة، حتى أننى لم أستبعد الاستسلام لفكرة العودة التى حلمتُ بها مرات عديدة، لكن بمجرد التفكير فيما آلت إليه الأمور فى سوريا ستتبدد أية آمال والحنين القديم أيضاً لن يصمد كثيراً. كان الشعر وطناً افتراضياً ثالثاً، وبمثابة السطر الأخير فى حقيقة لا توصف مثل المرض أو الموت

ارتبط المنفى تاريخياً بالمسافة الجغرافية والإقصاء، لكن فى أحيان كثيرة الأوطان أيضاً قد يتبدّل جلدها وتتحول إلى أرض أجنبية، ومع مرور الوقت ستلتقى الضفاف فى مادة المعاناة وعدم اليقين بشأن المستقبل. فبعد عبور الحدود فى طريق العودة لن ترى سوى بلاد متهالكة ومتربة

حتى فى دمشق الشاسعة كنتُ على وشك أن أستسلم وأعود إلى منزلى الأول، حيث السكينة والأمان العائلي، لكن ذلك لم يُتوَّج بالنجاح. قررتُ البقاء فى دمشق أكتب القصائد والمقالات للصحف اللبنانية منتصف التسعينيات. ولم أتخذ من المحاماة مهنة بعد سنوات دراسية مديدة فى كلية الحقوق. حاولتُ الانتقام من سنوات التعب المضنية التى قضيتُها للدراسة فى العاصمة، حياة مليئة بالخسارة والخيبة والتشرد، مع الأضرار البالغة التى كانت مزيجاً من الحزن الشديد والبوهيمية والرغبة العارمة بالقفز من النافذة

< هل استسلمت إلى لغة المراثي؟

 مسألة التعبير الشعرى الآن مثيرة للقلق تحديداً فيما يتعلق بذلك السعى الحميم للدمج بين ما يمكن أن أسميه التداخل الحى بين السيرة الذاتية وبين لغة المراثى – مراثى الذات المفردة والجمعية. الإيمان الأساسى بالشعر ينبع من ذلك الإحساس الشاق بفكرة الخلاص من النسيان، وما يجعل الحياة تستحق أن تُعاش. فى الماضى كان بمثابة علامة أو هاوية. هذه هى أرض الشعراء من الجاهلية إلى اليوم، وقبل ظهور الكتابة كان من الشائع أن يقوم أهل القبائل العربية بنقل الأخبار فيما بينهم باستخدام الشعر الشفاهي. أتت شعبيته من زاوية ارتباطه العاطفية بالناس، كما أنه يعكس تعقيدات الحياة فى المنطقة: الصحراء والأمكنة المهجورة والتنقل واقتفاء الأثر والخطوط الدقيقة لقصص الحب المحرمة ومسائل التحدى المستمرة للحدود والتمزقات الاجتماعية والثقافية، كما أنه بقى لأكثر من 15 قرناً يعكس التطورات والإنجازات التاريخية والسياسية والفلسفية والأدبية للعرب. الآن يُعدّ الشعر بالنسبة للكثير من الشعراء شكلاً من أشكال المواطنة.

عُرف محمود درويش بلقب “شاعر فلسطين” الذى عدَّهُ عبئاً يستمتع به لكنه كان يتهرب منه دائماً. أصبحت فلسطين فى شعره استعارة عالمية لخسارة عدن والقيامة وآلام النفي.. 

< دوماً ما أسأل الأدباء الذين يعيشون فى الأماكن القصية عن رؤيتهم للأوطان البعيدة وما يحدث بها وكيف تختلف قراءاتهم.. كيف ترى اليوم المشهد الثقافى عموماً فى سوريا، وما الذى تغير عليك بين الأمس واليوم؟

 بالتأكيد لدينا نصوص خاصة بأوطاننا الجديدة، أبتدئ بالمثال الأوضح: “الرابطة القلمية” 1916 على يد نسيب عريضة وعبد المسيح حداد، ومن ثم قام بتجديدها جبران خليل جبران سنة 1920، وضمت فى عضويتها كلاًّ من جبران خليل جبران وأمين الريحانى وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضى ونسيب عريضة وغيرهم! بدا جليّاً افتراق الشعر العربى الأمريكى عن الشعر العربى تلك الفترة فى نواحٍ كثيرة، منها الشكل والموضوع والتحرر من القافية والتخلى عن الصور النمطية، حتى أن ميخائيل نعيمة دعا إلى استخدام اللغة العامية اللبنانية

الآن تنتشر أسماء كثيرة لكتاب وشعراء وأكاديميين ومؤثرين عرب على مساحة عريضة من الخارطة الأمريكية، ومنهم من يكتب وينشر باللغة الإنجليزية، أو يترجم أعمالاً مختارة من الشعر العربي. أى كتابة هنا لن تكون بعيدة عن سطوة ومؤثرات المكان الأمريكى الثقافى والشعرى والحياتي

المنفى ليس مكاناً جغرافياً فحسب، كما تعلّمتُ أن المنازل مؤقتة ومسألة الحنين ستـأخذ بعدًا فى تغيير فكرة الخسارة ذاتها، لأن الشوق يشدّكَ عادة إلى الجوهر الثمين لماضٍ لم يعد موجوداً، تقف فجأة ً وقد تقطّعت بك السُّبُل، وسينكسر قلبُكَ مئات المرات وأنتَ تشاهدُ طيور البحيرات دون أن تجد جواباً للسؤال الذى يُلحّ: “لماذا أنتَ هنا”؟ 

الأوطان البعيدة تفوق المرثيات بالذى آلت إليه، مع ذلك بقيت رائحتها على ثيابي. يكتب لى منذر مصري: “تعال ولو زيارة”، لأرد عليه: “أن الشوق القديم تلاشى إلى الأبد، وخرسانة من الأسى فى قلبى لا يمكن لأى بلدوزر أن يزيلها منه، أضف إلى ذلك منظر البيوت التى كنا نراها من شبابيك الباصات الذاهبة بنا إلى دمشق وقد تهشّمت مثلما يتهشم وجهٌ آدميٌّ نحبُّهُ جداً. فلم أعد أطيق ذلك الهواء الذى كنا نستنشقه مع السخام والدخان المنبعث من عوادم سيارات المازوت، مع ذلك عشنا طويلاً، أو بالأحرى تعايشنا مع فكرة أن لكَ موطناً ينتمى للجغرافيا. أصبح المكان من البعد السحيق، أننى لم أعد أراه، وربما لا أحنُّ إليه. مع ذلك أٌصرّ أن أكتب عن أشياء شبيهة بتلك القطعة من العالم”. 

< ما الذى تغير فيك؟

أعرف تماماً كم تغيرت تلك البهجة الريفية التى كانت تسبغ سحناتنا بفرح غامض غير مفهوم، خصوصا فى التعامل مع أشياء الحياة اليومية، ومالا يوصف أحياناً كثيرة، ولا أُخفيك مع الحيّز الضيق الذى كنا نعيش فيه كنا نسافر إلى بيروت مع القصائد والمقالات، نقطع منطقة المصنع فيتغير شكل الهواء، نصل الحمرا على عجل ولهفة واضحة، وسيفرد لنا هناك أنسى الحاج وعقل العويط وحسن داوود ويوسف بزى وبول شاوول وعناية جابر وصباح زوين وعبده وازن وفادى طفيلى وسامر أبو هواش وبسام حجار وجمانة حداد وعباس بيضون صفحات كاملة فى ملحق جريدة النهار والسفير والحياة  وملحق نوافذ فى جريدة المستقبل، حتى ظننتُ أن بداية العالم فى الرملة البيضاء ونهايته فى شارع الحمرا.

تقول لى رولا الحسين: “أنا هجرت الحمرا، إنسَ يا أكرم انسَ وبلاش الأطلال”. 

< وماذا عن المشهد الثقافى السوري؟

المشهد الثقافى فى سوريا يبقى آسراً، فى مكان تشكو قطاعات كاملة فيه من العجز الآن، وأكثر تنوعاً مما كان عليه فى أى وقت مضى. وأظنه فى السنوات التى تلت سنة 2011 انقسمَ وتشظّى ويصل إلى أماكن بعيدة، حين امتد خارج الحدود لأسباب الهجرة القسرية لكثير من الكتاب والفنانين والمسرحيين، كما نشطت ترجمات كثيرة لأعمال روائية وشعرية، وأصبح الأدب السورى تحت عين المجهر، وصوتاً قوياً آتٍ من منطقة الخلل الجغرافي. مازالت أيضاً بعض دور النشر تعمل تحت ظروف استثنائية وقاهرة داخل ما تبقى من البلاد وتطبع الدواوين والروايات وتنجز ترجمات مختلفة عن الأدب العالمي

والآن فى عصر التواصل الاجتماعى والعصر الرقمى وعصر السيلفى لم يعد الشعر محصناً ضد هذه القوة المتجددة للمنصات التى أصبحت مزدهرة بالشعراء من جميع الخلفيات ومستويات الخبرة. الزمن يتغير والفن أيضاً يتغير معه. مثلاً أدت القيود المفروضة على عدد الكلمات فى تويتر إلى ظهور شكل موجز من الشعر، مقاطع قصيرة تجبر الشعراء على استخلاص أفكارهم فى بضعة أسطر، مع اختفاء أكشاك بيع الصحف التدريجي، وانحسار الصحافة الورقية فُتحت الأبواب أمام أصوات متنوعة متحدية التسلسل الأدبى الهرمى التقليدي. لقد أصبح الشعر أكثر سهولة من أى وقت مضى

< ماذا عن مشاركاتك ومشاريعك الشعرية؟

 أشارك مجموعة من الشعراء فى حى راذرفورد كجزء من حلقة يُطلق عليها

‪“The Red Wheelbarrow” والتسمية مأخوذة من عنوان قصيدة للشاعر وليام كارلوس وليامز، كما تصدر مجلة دورية بنفس الاسم أيضاً. كما شاركتُ فى تحرير وتقديم مختارات شعرية لشاعرات وشعراء من العالم العربى لمجلة نيويورك بوترى ريفيو التى تصدر فى نيويورك باللغة الإسبانية

‪“The Screams of War” مختارات شعرية ستصدر لى فى شهر نيسان عن سيغل برس فى لندن ترجمها إلى العربية البروفيسور يونس البستى وهو أستاذ جامعى فى قسم لغات وحضارات الشرق الأدنى (جامعة ييل – نيوهيفين، أميركا). قامت دار النشر بتغيير العنوان الأساسى “مرض الحنين

‪“The sickness of longing” الذى أرسلته بداية الأمر، وأظن أنهم ارتأوا أن “صرخات الحرب” يعكس واقع الحال، وربما يكون معقولاً من الناحية التسويقية كواقع صريح نعيشه فى عالم النشر أينما كان.

< من الأدب إلى هوامشك الحياتية اليومية، حدثنى عما تصنع وكيف تعيش، عن الأصدقاء والمباهج والمسرات والأحزان إن شئت؟

أعيش فى نيوجرسى حياة هادئة جداً. أرسمُ أيامى ببطء شديد. لا أدرى ما الذى حدث فعلاً، وأنا أعرف جيداً أن الشعر لا يمكنه تغيير أى شيء، لكنه يبدو فى كثير من الأحيان مكان الحياة الحقيقي. نهر صغير قرب البيت، سناجب تأكل البلوط المرمى تحت الاشجار، عائلة صغيرة، وأصدقاء نلتقى كلما سنحت لنا الفرصة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: