Close ad
16-4-2024 | 15:42
الأهرام المسائي نقلاً عن

كثيرة ومؤثرة هي منحنيات الحياة، ينعطف الواحد منا عطفة لا يكاد يُلقي لها بالاً، فإذا بها تغير مسار حياته وترسم الخطوط الرئيسية في صورة العمر، ويصبح ما عداها خطوطًا باهتة بالقلم الرصاص.

مع مشاعر مشحونة بالوطنية سافر الشاب مصطفى كامل (1874-1908) إلى فرنسا وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة تولوز، وهناك تفتحت زهور كتاباته الأدبية، حتى إذا ما عاد إلى أرض الوطن انضم إلى بلاط صاحبة الجلالة وسطع نجمه في سمائها وتعرف على رجال السياسة والمجتمع في مصر وفرنسا.

آمن الزعيم مصطفى كامل بدور الكلمة في كفاح مصر لنيل استقلالها فأسس جريدة اللواء عام 1900، ونشر مقالاتٍ في فرنسا أحدثت أصداءً واسعة في المحيط الأوروبي، وأسس مع صديقه محمد فريد قبيل وفاته بشهرين الحزب الوطني، كان فدائيًا يتسلح بالكلمات.

أيضًا عمل الزعيم سعد زغلول (1858-1927) في بواكير حياته في جريدة الوقائع المصرية؛ حيث تعلم على يد السيد جمال الدين الأفغاني (1838-1897)، الذي كان بحسب قول الأستاذ أحمد بهاء الدين (1927-1996)، (يوزع السعوط "النشوق" بيمناه والثورة بيسراه). 

ولم تقتصر السمات المشتركة بين الزعيمين؛ كامل وزغلول، على بدء حياتهما العملية في الصحافة، بل وفي الخلفية العلمية أيضًا، حيث تخرجا من مدرسة الحقوق بالقاهرة، والتي كانت تعد مدرسة للخطابة والكتابة أهلتهما للدفاع عن حرية الوطن، كان سعد ثائرًا ومُلهِمًا.

على الجانب الآخر من المتوسط، لم تتخيل زوجة حداد إيطالي فقير أن يصبح ابنها الأكبر رئيسًا للبلاد، كانت تصلي للرب أن يُخلصه من سلوكه العدواني وأن يصبح مُدرسًا، لكنها إزاء همجيته وطرده من الكنيسة لم تجد بُدًا من إلحاقه بمدرسة داخلية.

ومن بوابة الصحافة دخل الشاب بينيتو موسيليني (1883-1945) عوالم السياسة، حيث التحق بصحيفة الحزب الاشتراكي وترقى حتى تولى رئاسة تحريرها وانغمس في بحار السياسة وتمكن من دخول البرلمان بعد تأسيسه الحزب الفاشي، الذي سرعان ما تحول إلى حركة شعبية وفرض سلطته على الجميع ليؤلف الوزارة وهو دون الأربعين من عمره، وفي عام 1930 أصبح القائد العام (الدوتشي)، ليدفع بسياساته المتهورة ورغبته في صنع إيطاليا العظمى البلاد في سلسلة من الحروب انتهت بإعدامه بعد هزيمة قوات المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) في الحرب العالمية الثانية، ثم إعدام أدولف هتلر بعده بيومين. ماذا لو كان أكمل مساره كصحفي محترف.

في الجوار، لم ينس سير ونستون تشرشل (1874-1965) بداياته كصحفي ومراسل حربي حين أعطته إنجلترا ظهرها وصوتت لصالح منافسه كليمنت آتلى؛ رئيس حزب العمال، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

لم تكن نتائج الانتخابات رفضًا لرجل قاد بلاده نحو النصر، قدر تعبيرها عن احتياجات فترة ما بعد الحرب من تعمير وتطوير للاقتصاد.

في هدوء، عاد تشرشل إلى أوراقه وأقلامه وأصدر ستة مجلدات عن الحرب العالمية الثانية نال بها جائزة نوبل للآداب عام 1953. من الطبيعي أن تقع، من غير الطبيعي ألا تعاود الوقوف والانطلاق.

ما إن تولى بوريس جونسون (1964-) رئاسة حزب المحافظين البريطاني حتى أهل نفسه للسير على درب مثله الأعلى تشرشل، فقاد بلاده للخروج من الاتحاد الأوربي (يناير 2020)، فيما عُرف باسم بريكست  Brexit، ولأن رياح السياسة كثيرًا ما تأتي بما لا تشتهي السفن، فقد اضطر للتنحي عن منصبه في سبتمبر 2022، تحت وطأة انخفاض شعبيته وانتقاد النواب لأداء الحكومة، ليفتح حقيبته في هدوء ويعود لأوراقه وأقلامه وعمله الصحفي.

صحفيون.. بدأوا رحلتهم من بلاط صاحبة الجلالة، ولكن ما إن انعطفوا قليلاً حتى اختلفت النهايات!

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة