Close ad

موعد جديد مع السعادة

10-4-2024 | 18:57

العيد موعد من مواعيد السعادة؛ وهي سعادة عامة تغشى الجميع مهما كانت الظروف.. فرحة العيد كأنها طيف يطير مع الأثير عقب فجر آخر يوم من رمضان؛ فرحة تنتظر من يلمسها ليصاب بعدوى السعادة، فينطلق كالأطفال أو معهم، يلتمس السعادة من ابتساماتهم التي تملأ الأجواء ببهجة لا تجدها في أي يوم آخر من أيام العام!

 الأفراح للجميع

حتى هؤلاء الذين يقضون عيد الفطر نيامًا كسالى سوف تمسهم العصا السحرية للسعادة، أنا واحد من هؤلاء الذين يحبون الهدوء ويفرون من زحام المتنزهات والنوادي والميادين، لكنني أجد السعادة في المكالمات ورسائل التهنئة القادمة من كل أحبائي، وأجد الابتسامة تعلو وجهي وتتسع شيئًا فشيئًا كلما تفقدت تلك الرسائل، ووجدت عقلي يجري بشريط ذكريات ممتع حول كل صديق وقريب وعزيز يبادرني بالتهاني..

يكفيني السير في الشوارع قبل وبعد صلاة العيد؛ لأشعر بمتعة ما بعدها متعة؛ وأنا أتابع حولي حركة نشيطة تدعو للتفاؤل؛ عائلات وأسر تتحرك في جماعات في اتجاه الساحات والمساجد، وكلما اقتربت من المسجد تزداد الحركة وتتكاثف الحشود، ولهذا يفضل البعض صلاة الميادين والساحات لما بها من أنس بكثرة القاصدين..

تقترب من المسجد وتكبيرات العيد تعلو وتزداد وضوحًا، تجلس وتشارك المكبرين تكبيرهم والمهللين تهليلهم، وتشعر أنك جزء من هذه الحالة العامة من سعادة المجموع، إنها عدوى السعادة التي لا يفلت منها إلا محروم!

تنتهي صلاة العيد، وتسير في الشوارع، ويصادفك في كل خطوة شخص تعرفه أو لا تعرفه، تحبه أو تبغضه، لا يهم؛ لأنك تسلم على الجميع وتبادلهم التهاني متناسيًا كل الضغائن والأغراض، كأن هناك سرًا خفيًا في الهواء يلف الجميع بشعور مشترك من النشوة والاستبشار!

لا تسل إلى أين المسير

فقط غادر بيتك وتحرك إلى مكان ما، وسوف تجد السعادة هناك.. كن كالأطفال في انطلاقهم واندفاعهم صباح يوم عيد الفطر، الفرحة منثورة منتشرة عبر الهواء والأثير، لن تحتاج إلا أن تسير في الشوارع لا أكثر، ربما تأخذك قدماك إلى أحد أقاربك ممن لم تزرهم منذ زمن طويل، أو قد تتعب قليلًا فتجلس على أقرب مقهى لتصادف هناك شخصًا تعرفه ويدور بينكما حديث ممتع، أو حتى تجلس وحيدًا لتراقب ابتسامات الناس من حولك ومشاعر البهجة الإيجابية التي تملأ الأجواء، فتسعد لمجرد مشاهدة الوجوه وقد علتها الابتسامة.

وإن كنت رب أسرة فلا تكسل ولا تتهرب من أولادك، ثق أن في مرافقتهم للنوادي والمتنزهات فرصة لا تعوض لك أنت لا لهم؛ فرصة للنشاط والحركة والمشي قليلًا بدلًا من جلسة السيارة وجلسة المقهى والجلسة الأبدية الصنمية أمام شاشة التليفزيون، فرصة لكي تستنشق نسائم الصباح الباكر وحولك الخضرة والماء والوجه الحسن، فرصة لتتحدث مع بعض أبنائك لتكتشف أن آخر مرة تحدثت حديثًا وديًا طويلًا مع أحدهم مرت عليها أيام وأسابيع وربما شهور، فرصة حتى للتصابي واللعب قليلًا مع أبنائك بنفس طريقتهم العفوية التلقائية، وحينها سوف تكتشف أن اللعب له فوائد تفوق فوائد بعض أدوية القلب والدم!

سعادة تتحدى الأحزان

والسعادة شعور نسبي. والمحروم منها قد تسعده أقل الأشياء وأبسطها، لهذا جاء الأمر الرباني بوجوب زكاة الفطر قبل حلول العيد، وقد تكتشف أن الشخص الأناني القتور البخيل هو شخص واجم متجهم لا يستطيع الضحك أو الابتسام، وأن الفقير سعيد باسم الوجه رغم فقره، إذ أن العطاء في ذاته شكل من أشكال السعادة وأسبابها، والفقر مع الرضا والقناعة راحة وطمأنينة قد يفتقر إليها الطماعون.

العيد يأتي وفي يده مفتاح من مفاتيح الفرح والبهجة، والباب ينفتح على مصراعيه لكل وافد مقبل راغب في الفوز بقليل من هذه الفرحة، حتى العصاة المثقلين بالذنوب أو قساة القلوب ينالون شيئًا من فرحة العيد، وإن لم يطلبوها أو يتعرضوا لها، وفرحتهم أن شعورهم بالتقصير الذي رافقهم طوال شهر رمضان ذهب واختفى مع حلول العيد. 

هكذا هو العيد. الجميع فيه فائزون وسعداء بسبب أو بلا سبب..

حتى أهل غزة على ما هم فيه من محنة قادرون على تحدي ظروفهم والاحتفال بالعيد، مهما استشهد منهم آلاف النساء والأطفال والشباب، فإنما ارتقوا من دارٍ أدنى إلى دار أعلى وأفضل.

وحتى هؤلاء الذين عانوا ويلات حرب غزة على مدى ستة أشهر آخرها شهر الصيام وصبروا، فإن مجرد كسرة خبز أو قطعة تمْر باتت سبباً من أسباب السعادة والسرور. وسرورهم الأعظم هو انتصارهم على عدوهم الغاشم، ووجوم المهزوم الذي بات علامة واضحة على وجه كل صهيوني. 

بداية ونهاية

عيد الفطر نقطة فارقة.. أحدث الأبحاث أكدت أن العادة عند البشر لا يمكن اكتسابها إلا إذا استمر أداؤها لمدة لا تقل عن شهر، معنى هذا أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون لشهر رمضان مغزى أكبر من ثوابه.. 

* مدمنو السجائر يكتشفون أنهم قادرون على ترك التدخين في رمضان. لكن العيد يصبح بالنسبة لهم فرصة لا للاستمرار في العادة التي اكتسبوها أثناء الشهر الفضيل بالصيام عن التدخين، وإنما لكسر هذه العادة والعودة للشراهة في شرب السجائر. وهكذا كل الذين اكتسبوا عادة أثناء شهر الصيام. عادات الأكل والسهر والنوم والصلاة والذكر، كل العادات الجيدة تختفي وتعود ريما لعادتها السيئة القديمة وكأن شهرًا فضيلاً لم يكن!

عيد الفطر فرصة لقرار مؤجل، أن بإمكانك الاستمرار على ما اعتدت عليه خلال شهر رمضان. وأن الإرادة لا تنقصك لتصوم عن كل عادة ضارة في حياتك. وإن كان عيد الفطر يؤذن بنهاية أيام الصيام، فهو بداية لقرار مصيري يمكنك اتخاذه لإحداث تغيير جذري بطريقتك في الحياة.

عالمية عيد الفطر

لعل من أجمل ما في عيدَي الفطر والأضحى أنهما من الأعياد العالمية. كصورة مجسمة للتوحد والمشاركة العابرة للحدود. الطقوس والشعائر واحدة، والمشاهد تتكرر من بلد إلى بلد. 

والعيد في الحالتين يبدأ من المساجد والساحات والميادين بالصلاة وتكبيرات العيد. وما إن تنتهي الصلاة حتى تبدأ الاحتفالات بدءًا من المساجد ذاتها. وفي بعض المساجد الكبرى تحدث استعدادات كبيرة للحظات ما بعد صلاة العيد: هدايا وحلوى يتم توزيعها على الأطفال، وبالونات في شكل حزم ومظلات وعناقيد ينفرط عقدها لتتطاير فوق الرؤوس الشاخصة بأبصارها تتابع مظاهر الاحتفال. 

وفى البيوت احتفالات موازية: أولها بالزينة والأغاني، وليس آخرها تقديم البسكويت والكعك والحلوى بأنواعها، وأجمل ما فيها الاجتماعات والزيارات والتهاني تنهال على الألسنة والابتسامات تسبقها.

عيد الفطر يأتي كتتمة وخاتمة لشهر الصيام. وعيد الأضحى كاحتفالية خاصة بأيام الحج، فكأن العيدين يحتفيان ويحتفلان باثنين من أهم فرائض الإسلام: الحج والصيام.  

نعم إننا نتشاطر ونتقاسم شعائرنا كمسلمين لا في محيطنا الضيق في الشارع أو القرية أو الحارة أو المدينة، بل في كل الدنيا. ثمة روابط متينة تبدأ في التمدد مع كل شعيرة أو فريضة نتشاطرها كمسلمين حول العالم عندما نجتمع للحج أو الصيام أو الاحتفال بأعيادنا، ومع تعمق الروابط وتأصلها وتجذرها في القلوب نتحول إلى ما يشبه الجهاز العصبي الواحد المتصل بعضه ببعض مهما تباعدت بين أجزائه المسافات أو أصابت بعض خلاياه العلل والخطوب.

ليس العيد مجرد يوم عادي من أيام العام، بل هو مفتاح للسعادة، وفرصة للتغيير، وطريقة للتواصل الشعوري مع أشقائنا في كل أرجاء العالم. 

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: