Close ad

كيف يتفاعل المبدعون العرب مع ما يجري في فلسطين‪‬؟ الأدب العربي على مشارف نكبة جديدة

10-4-2024 | 00:40
كيف يتفاعل المبدعون العرب مع ما يجري في فلسطين‪‬؟ الأدب العربي على مشارف نكبة جديدةالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة
محمود بركة
الأهرام العربي نقلاً عن

قاسم حداد: ‬الأدب يأتي في وقته فلا تستعجلوه

موضوعات مقترحة

أنطوان شلحت: ‬لا يمتلك المرء سوى أن يربي الأمل

عبلة الرويني: تغييرات كبيرة ستطرأ

مهيب البرغوثي:  ‬نحن بحاجة إلى أدب وشعر يتناسبان مع القضايا الكبرى

حسام أبو النصر: لغة جديدة ستولد توثق تلك اللحظات

تغريد عبد العال‪ :‬الحدث نفسه أكبر من اللغة

ليالي بدر: الرغبة في المقاومة دائماً موجودة

عثمان حسين: ما نكتبه منذ السابع من أكتوبر يصعب تصنيفه

منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة فى أكتوبر 2023، تعيش فلسطين لحظة فارقة فى تاريخها المعاصر تجدد الشعور العام بحجم المأساة التى تحولت طقسا للإبادة الجماعية تمارسه إسرائيل بلا رادع من أى نوع وبطريقة غير مسبوقة فاقت فداحة (الهولوكست)‬. ومنذ نكبة العام 1948 شهد الأدب والفن الفلسطينى صورا من التعبير، عن ذلك الحدث، اختلفت من حيث الشكل والمضمون، لكنها أفرزت أدبا للمقاومة ظل يرسم مسارات الإبداع الفلسطينى لنحو 75 عاما، وفى ظل استمرار العدوان الإسرائيلى على غزة طرأت أسئلة جديدة عما الأدب الفلسطينى أن يفعله فى الوقت الراهن، وكيف يخطو خطوة جديدة فى التعبير عن فداحة ما يجري؟ وما الأشكال الفنية الأكثر تفاعلا مع الحدث الذى يظهر تحوّلات مختلفة ومتعددة؟ 
طرحنا التساؤلات على مجموعة من الأدباء العرب سعيا لرسم خريطة للتفاعل الإبداعى المتوقع.

يقول الشاعر البحرينى قاسم حداد: “ليس من الحكمة استباق مساءلة الأدب عن شكله، فالأدب سيحتاج الوقت الكافى للنضج‪” ‬وعلينا ألا ننسى أن محمود درويش احتاج أكثر من عشرين عاماً، ليكتب القصيدة كما احتاج غسان كنفانى أكثر من ذلك ليبدأ سرده الروائى عن فلسطين، وبالتالى لابد من ترك الوقت لينضج الصنيع الأدبي، هل تذكرون قصيدة محمود درويش التى كتبها عن محمد الدرة؟ لقد كتبها بعد الحدث مباشرة، ولم ينشرها فى كتبه، لقد كانتخطاباً سياسياً، وقد أدرك محمود ذلك سريعاً وتخطى النص بحساسيته المعهودة، فالأدب يأتى فى وقته، فلا تستعجلوه.
ويتابع صاحب (ورشة الأمل) حديثه عن أدب المقاومة الفلسطينية قائلا :”في الأخبار التى تنقلها لنا القنوات فى التلفزيون أكاذيب تتراكم، وليست للتصديق.وكنا قد عرفنا عن أدب المقاومة من الكتاب الذى كتبه غسان كنفانى فى ستينيات القرن الماضى عن أدب الأرض المحتلة، وفى بداية السبعينيات مننفس القرن، كتب رجاء النقاش كتابا عن شاعر المقاومة، وتعرفنا فى تلك الفترة إلى شعراء من فلسطين مثل: أبو سلمى الكرمى ومحمود درويش وتوفيق زيّاد وسميح القاسم وسالم جبران ومعين بسيسو وعز الدين المناصرة وغيرهم، ولابد أن جيلى قد تعلم من هؤلاء وغيرهم المعنى النوعى للمقاومة، خصوصاً بعد تحولات شعر محمود درويش الأخيرة.
يضيف حداد “ بفضل هؤلاء وغيرهم، صارت فلسطين الدرس الأول فى حياتنا ونضالنا السياسى فى أوطاننا. بالطبع لا تحتاج المقاومة لأدب وثائقي.
وربما هذا الشعور الفنى الذى جعلنا نعيد كتابة نص (الجواشن) أكثر من مرة تفادياً للوثائقية عندما كنا نكتب عن التجربة الفلسطينية فى ثمانينيات القرن الماضي. الصدق يأتى من تلك الأشعار والأدب المكتوب فى وقته، يكفى من الوعى واكتساب المعرفة والتجربة الصادقة.
‬وفى سؤالنا عن موقع الكتابة النقدية من القصيدة الجديدة يقول: غير مرة قلت إن النقد الأدبي، بوصفه نقداً، يحتاج هامشاً من الحرية أكبر مما يحتاجه النص الأدبي. وبسبب تقلّص حريات التعبير وانعدامها أحياناً، سيتخلف النقد الأدبى فى البلاد العربية، وبالرغم من ازدهار الكتابة الأدبية العربية، فحظ كتابة الأجيال الراهنة والجديدة من النقد الأدبى أقل من حظنا، بسبب التخلف وغياب حريات التعبير فى الواقع العربي. فليس من الحكمة الآن الكلام عن المقاومة الفلسطينية فى واقعٍ بالغ التعقيد، فما نراه فعلاً وطنياً مقاوماً،  سيحاول العالمبما فى النظام العربى أن يحسبه إرهاباً، ولذلك ليس مسموحاً لك، فى الإعلام، الوقوف عند المزيد من مساءلة الواقع السياسى دون الاصطدام بالتعقيد الاجتماعى فى مواجهة النقد. وهو تعقيدٌ لا يقبل النقد ولا يحتمله، برغم مزاعم الديمقراطية التى يعلنها، مزايدةً مع المعارضة‪.‬
توجهنا إليه بالسؤال عن الحرب الإسرائيلية على غزة وتحديات يواجهها الأدب‪.‬. إلى أنطوان شلحت، وهو كاتب وناقد أدبى من فلسطين، فقال: “لم تكن الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة هى الأولى التى تضع تحديات خاصة أمام الأدب الفلسطينى المقاوم، ومع ذلك لا بد من القول إنها تحديات شبيهة إلى حدّ كبير، بالتى كانت ماثلة أمام الحروب السابقة، بل شفّت تلك الحروب عنها‪”‬وبحسب شلحت، فإن أبرز هذه التحديّات خلال الحرب الحالية، تتمثّل فى طبيعة هذا الأدب، وفى ما يتناسب منه مع حجم القسوة الدموية غير المسبوقة بحق الفلسطينيين وحيزهم المدنى وبناهم التحتية، الذى لم يكن أدنى من الإبادة الشاملة للبشر والحجر‪.‬
ويلاحظ شلحت أن كثيرا مما نشر إلى الآن من أدب فلسطينى يخصّ الحرب يقوم على إعادة كتابة الشهادات على ما تنطوى عليه من توثيق ومشاهدات وهى عودة تؤكد تلك العلاقة السرمدية بين الأدب والواقع، التى ربما جاءت الحرب الحالية كى تؤكدها وربما تعيد الاعتبار إليها‪.‬
‪ ‬ويرى أنطوان شلحت أن الغاية المرتسمة من كتابة الشهادات تتجسد فى نقل الواقع إلى القارئ، كى يقاوم من أجل تغييره، ومن أجل إيجاد السبل لعدم تكراره، وهى من صنف المساهمات الأقدم للأدب فى شتى تحولاته منذ أن بدأ الإنسان تعاطيه معه. كما تحاول بث الأمل. فمن الملاحظ فى الكثير من تلك الشهادات، كما يقول شلحت: إن الأمل فيا يتمرّد على الحجم المروّع للقتل والموت والتدمير. وربما فى هذا ما يعيدنا إلى مقولة الشاعر محمود درويش التى أكد فيها أنه تحت وطأة حالة الحصار الناجمة عن الحرب لا يمتلك المرء سوى أن يربى الأمل، فما بالك بالمبدع الشاعر أو الكاتب على ما يكتنزه من خيال، وأكثر ما تتصادى فى أيامنا هذه من أدبنا الفلسطينى المقاوم صرخة أحد الشعراء من أعوام طويلة خلت: ادفنوا أمواتكم وانهضوا... خصوصا أن الشعب الفلسطينى أثبت مرات يصعب حصرها أن ما بعد الموت ليس مزيدا منه بل نهوض، وهذا ما سينطبق على حرب الإبادة الجماعية التى تعرض لها قطاع غزة.
وكما يشير شلحت يثبت الأدب مرة أخرى أن الحياة الطبيعية التى يتطلع إليهاالشعب الفلسطينى منذ نكبة 1948 مرسومة ملامحها فى الأدب الذى صور الحاضر فى انقطاعه القسري، بسبب ممارسات الحركة الصهيونية وكيانها الغاصب، عن ماضيه المزدهر. وإذا كان تأكيد ذلك يعنى شيئا فإن أكثر ما يعنيه أنه لا يمكن التوجه إلى المستقبل من دون التخلص من الأسباب التي جعلت الحاضر مقطوعا عن الماضي. 
ومثل هذه الرسالة المستقرة فى ذهن كل فلسطينى، هى ما يحاول الأدب الفلسطينى المقاوم للحرب على غزة إيصالها أيضا إلى شتى أصقاع العالم فى زمان أصبح فيها هذا العالم أشبه بقرية كونية‪.‬
من جهتها تقول الناقدة المصرية عبلة الروينى: “لا يوجد تصور لشكل الأدب بعد أحداث غزة، لكن المؤكد أن هناك تغييرات لابد أن تحدث ليس فقط على مستوى الأدب لكنها تشمل الإنسان، وتأثير الكارثة الواقعة على الكتابة لكن هذا سيأتى من خلال المبدع، لذلك فالسؤال يحتاج إلى مزيد من الوقت، فالحدث أكبر من الجريمة والوصف سيكون أقل من الحدث، الذى فاق كل خيال‪ .‬
ويشير الشاعر الفلسطينى مهيب البرغوثى إلى أن أدب المقاومة فى مراحل الحروب على فلسطين شكل هوية الشعراء والأدباء الذين حملوا الهم الفلسطيني، كنوع من مقاومة الاحتلال و كان غسان كنفانى أول من وضع مصطلح « أدب المقاومة» لوصف الأدب الذى بدأ يكتب فى فلسطين عام 1948 بعد النكبة، ‪ ‬لكن مع التغييرات الأخيرة بات على النص الإبداعى أن يتطور كما تطورت آلة الحرب،‪ ‬ويرجح البرغوثى أن تبرز نصوص اليوميات والرسائل اليومية والطويلة، معتبرا أنها ستكون بديلا عن الرواية والقصة القصيرة والقصيدة‪.‬. ويضيف: “نحن بحاجة إلى أدب وشعر يتناسب مع القضايا الكبرى، التى يجب أن نتبناها ونناضل من أجلها، ولذلك إذا لم تكن القصيدة بالمستوى المعرفى للمقاومة سوف تخسر من كل الجهات ولن تكتمل‪ ..‬ وحسب البرغوثى، فإن موقع الشعر لن يختلف عن أى نوع أدبى آخر، كما أن مصطلح شعراء المقاومة فى عصر الحروب اليومية يحتاج أن نستعيد ما قاله محمود درويش “ ارحمونا من هذا المصطلح” وهذا لا يعنى أن الأدب انتهى، لكن الشكل قد يتسع ويأخذ أكثر مساحة من الحرية والمسرحية، وخلال الحرب لابد أن يظهر جيل وفكر جديد، يرى أبعد من الجيل الذى سبق وكما قال مظفر النواب» إن عروبة اليوم لا تشبه عروبة الأمس»، وفى رأى الشاعر البردونى « فى كل الأحوال ليس مصير الأدب أن يرسم خطة المصير لقضية ما فى أن يكون شاهداً مؤرخاً بطريقته يشاهد الوعى ويزرع الأمل‪»‬.
ترى التشكيلية الشاعرة الفلسطينية تغريد عبد العال، أنه ربما من الصعب الحديث عن الشكل الأدبى لشعر المقاومة فى أحداث غزة، وذلك لأن الحدث نفسه أكبر من اللغة، لكن لغتنا كلها تشعر بالألم فى ظل ما يحدث من حرب إبادة.
وتتوقع عبد العال أن الوقت سيحول ما يكتب على عجل إلى شعر يمجد الحقيقة الحية، لأن هناك حربا وجودية بين خير وشر، بين أخلاق ولا أخلاق، وعلى الشعر ألا يكتفى بدور الوثيقة على ما يحدث، لكنه صورة عن ماهية الإنسانية ومعناها فى هذا الزمن الرديء الذى فقد المعنى‪. ‬
ومن جهتها تقول المخرجة الفلسطينية ليالى بدر: إن المقاومة الفلسطينية الأدبية والفنية تأخذ أشكالا مختلفة فى كل مرحلة لابد أن تكون هناك تغيرات، فلا يمكن لفنان حقيقى أن يبقى عند نفس محطة البداية، والأكيد أن محمود درويش اختلف فى إنتاجه الأخير عن إنتاج البدايات.
‪ ‬لكن ما يمكن قوله: إن رغبة المبدع الفلسطينى فى التعبير عن المقاومة دائماً موجودة لكن الأشخاص يتغيرون طبقاً للمتغيرات والظروف الموضوعية المحيطة بهم، وانسجاما مع قناعتهم الفنية التى ينبغى ألا تتوقف عند فكرة المباشرة وتلاحق التطور فى النوع الفنى ذاته، وهذا هو التحدى الذى يبقى الفن أداة حقيقية للمقاومة‪ ‬
وبدوره يؤمن المؤرخ الفلسطينى حسام أبو النصر، أن اللغة الكلاسيكية فى كتابة المقاومة ستتغير، وستكون لها أدوات وأشكال أخرى، خصوصا مع حجم العدوان المستمر حتى الآن كما أن الكتابة الإنشائية والأدبية ستكون لها لغة حادة تبعد كثيراً عن الخيال وتذهب فى اتجاه الواقع، لكنها لن تستمر بالشكل القديم، كما أن الرواية التى تعتمد فى كتابتها على شخصيات وأماكن خيالية، ستصبح أكثر ميلا للتوثيق والاعتماد على أحداث حقيقية تعبر عما حدث فعلاً بعد أن فاق واقعنا حدود الخيال‪.‬. أما الشعر فإن أبو النصر يوقع أن ينتقل من الشعر الرومانسى والفانتازى إلى الواقعية ويعود إلى قضايا المقاومة ليحث على الصمود‪ .‬
‪‬ويلفت أبو النصر النظر إلى أن الحرب الأخيرة أخفت الكثير من معالم غزة  وأدت لاستشهاد الكثير من المؤرخين والعاملين فى مجال البحث التاريخى، وسيؤثر ذلك سلباً  لكنه لن يضعف كتابة التاريخ، بل على العكس سيكون هناك مستقبل لكتابة التاريخ من أجل التوثيق ورواية ما حدث بالتفصيل‪.
ويصف الشاعر الفلسطينى عثمان حسين اللحظة التى يمرّ بها الأدب الفلسطينى بأنها (فاصلة) مؤكدا أن الكتابةُ فقدت فضاءً من فضاءاتها لصالح الصورة، حيث تفوقت الأخيرة فى قدرتها على التأثير المباشر، وتوصيل رسالتها بحرفية لا تستطيع الكتابة مجاراتها، ومع ذلك، لم تخرج الصورة عن دورها التوثيقى لكل ما يحدث من موت ودمار هائلين‪.‬
وفى الكتابة أيضاً، ما يكتبه الناس عبر وسائل التواصل، لا يعدو عن كونه توثيقاً لكل ما لم تستطع الصورة رصده، كالخوف والقلق والألم والأحلام والكوابيس والخذلان وغيرها من المشاعر والأحاسيس التى يعيشها الناس تحت ضغط القتل اليومى لكل مظاهر الحياة بدءا بالإنسان، مرورا بكل مقومات وجوده، حتى أصغر تفصيلة من تفاصيل حياته‪.‬
وحسب حسين فإن الأدباء ليسوا استثناء فى إطار المشهد الفلسطيني، سواءكان داخل فلسطين أم خارجها، ولا نستطيع اعتبار ما يكتبونه من أفكار ونصوص وشعر ينتمى إلى أدب المقاومة بالمفهوم التقليدى لأدب المقاومة، خصوصا أن هذا الخليط من المشاعر والأفكار المشوشة والناجمة عن طبيعة الأحداث المؤلمة، متواصلة منذ خمسة شهور.
ما نكتبه منذ السابع من أكتوبر حتى يومنا هذا يصعب تجنيسه ووضعه فى إطار لم تتضح معالمه‪.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: