Close ad

رسالة مشفرة مرة أخرى

3-4-2024 | 10:36
الأهرام العربي نقلاً عن

تتجلى إرادة المصريين فى اللحظات الفارقة. حين يظن المخططون أن أهل مصر استكانوا لما يجري، يصعد الحبل الحضارى السرى من حيث لا يتوقع المخططون، يربط  الحبل الأسلاف بالأحفاد، تنهض الأفكار التى قد لا ترد على الخيال.

بعد أشهر مميتة من أحداث يناير كنا ثلة رفاق فى ميدان العباسية، نبحث عن مصر الغائبة، اقتحمتنا سيدة خمسينية، أخرجت بضع وريقات مطبوعة، مدت يدها بالأوراق، قالت لا تتحيروا، ثمة رجل هو عبدالفتاح السيسي، احفظوا هذا الاسم جيدا، فمصر أمة لا تضيع.

ظل صدى كلمات هذا السيدة يتردد فى ذاكرتى وأنا أكتب مقالا بعنوان «شفرة مصرية» عن 30 يونيو ثورة الثورات الحقيقية، وقد جاء فى المقال الذى أستعيده هنا مرة أخرى بعد سنوات عشر، ما يلى: 30 يونيو رسالة مصرية وعربية، شاء من شاء، وأبى من أبى، جاءت ردا على رسائل ملغومة، كثيرا ما  كان ساعى البريد  يحملها إلى العنوان الخطأ، لكنه لا يستسلم قط، فكاتبوها يصرون على أن نقرأها، ونحن  نرفض بطبيعة الحال.

يفرق عمدة المفكرين العرب جمال حمدان، صاحب شخصية مصر، بين الأمم المنبثقة ذاتيا، وبين الأمم المستعارة، الأولى قادرة على الكمون تحت العواصف، أما  الثانية  فترتجف عند هبوب رياح متوسطة القوة.

الأولى قادرة على الصمود تحت أقسى ضربات المعارك، أما الثانية  فتسلم قيادها ولسانها وهويتها عندما يلوح أى خطر، حتى لو كان صغيرا.

جربوا  اصطناع عواصف مدمرة، جعلوها تجتاح الأمم والشعوب، نجحوا فى غالب الأحيان، صار النجاح معيارا، فجميع المصابين بعواصفهم لم يعودوا كما كانوا.

جرى ذلك كثيرا، حفلت مدونات التاريخ بقصص وروايات عن هذا النجاح، نجاح  فى إنجلترا الملكية، وأمريكا الجمهورية، وفرنسا الملكية، وروسيا القيصرية، والجزيرة الأيبيرية، "إسبانيا والبرتغال، وأندورا ومنطقة جبل طارق" وطار هذا النجاح إلى وسط  وجنوب وشرق أوروبا.

يكمن  معيار النجاح فى اندلاع "معركة بين الحروب"، كما يصفها دائمًا المفكر  المصرى الإستراتيجى الأستاذ أحمد عز الدين، ثم تفضى هذه المعركة إلى حرب حقيقية شاملة، وبرغم التمهيد لها  بصبر ودأب، على مدى سنوات، تصل أحيانا إلى عقود، وبرغم الإشارات السرية والعلنية عن إمكانية وقوعها، فإنها تبدو مباغتة لعامة الناس، أو الذين  لديهم  غرض بأن نظن فيها فعل  المباغتة.
فهل كانت معركة ربيع  الصحافى الفرنسى برنارد هنرى ليفى وأصحابه مباغتة حقا؟

قطعا، فإن الإجابة بلا.

فى كتابه  الخطير، وغير المشهور،"بين جيلين"  يصف عمدة لاعبى الشطرنج السياسيين، مستشار الأمن القومى الأمريكى فى عصر الرئيس الأسبق جيمى كارتر، زبجنيو بريجينسكى، أقول يصف دواء سحريا لحالة مريض جنوب وشرق المتوسط، دواء  مركبا من خلطة سرية، مادتها الفعالة تتكون من مجرد مطرقة صغيرة، ومجموعة أيادٍ مؤمنة بالشيخ بريجينسكى، تقوم بالطرق بها أسفل الجدران، جدران المجتمع المعنوية: الثقافية والفكرية، على أن يكون الطرق خفيفا ومستمرا.

يتوقع بريجينسكى بهذه الوصفة المجربة، أنه خلال عقدين أو ثلاثة، ستكون النتيجة مبهرة لهم، وكارثية علينا، يسقط بعدها المريض العربى كالتفاحة الناضجة، دون  الحاجة إلى حرب كبيرة، أو تكاليف مربكة، ودون مقاومة ذاتية تنتج عن الشعور بالخطر، فالشعور بالخطر لأى شعب قد يجعله يستيقظ.

وصف بريجينسكى المنطقة العربية بمجموعة العرقيات والأديان، والألسنة المتنافرة، ويجب تعميق هذا التنافر، حتى يسهل السيطرة على المنطقة من خلال مفتاح واحد، كاد الأمر ينجح عندما منح الإعلام الغربي "لقب الربيع" لفوضى طالت كل مساحة الإقليم العربى منذ أحد عشر عاما.

ليس بريجينسكى وحده من شرع فى تركيب هذا الدواء، لأمم  جنوب وشرق المتوسط، بل إن كل مفكرى عصر النهضة، وما تلاهم فعلوا ذلك، وقد شجعهم أن كثيرا  من الناس كانوا مستعدين للخدمة.

كانت رسائل بريجينسكى وأتباعه مكشوفة، بينما رسالة 30 يونيو كانت رسالة مصرية وعربية واحدة مشفرة، صاغها ذات يوم جمال حمدان، ومن كان يمشى فى مساره العظيم”.

بعد أكثر من عشر سنوات لا تزال كلمات تلك السيدة الخمسينية تتردد فى ذاكرتي. فمصر أمة  تلد أبناءها كما تشاء.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
التجارة فى الحرب

من إبادة إلى أخرى، تتصاعد تجارة الحرب من قبل مقاوليها المعتمدين، تشجعها نخبة سياسية غربية، تبرر للجلاد، وتلوم الضحية، يرفضها رأى عام عالمى، ولا يؤخذ برأيه، رغم ادعاء الديمقراطية .

ترامب.. وأربعة أيام تغير العالم

من السادس إلى التاسع من يونيو 2024 ثلاثة أيام، يمكن أن نسميها أيام الحسم الغربى، خلالها جرت انتخابات البرلمان الأوروبى، صعدت فيها أحزاب اليمين، أو أحزاب

الأكثر قراءة