في حوالي عام 1500 قبل الميلاد، ترك الفنان المصري على واحدٍ من جدران مقبرة (نخت رخ مي رع)؛ الوزير الخاص بالملك تحتمس الثالث نقشًا لامرأة تحمل غزالًا بيد، وباليد الأخرى تمسك بسلةٍ حملتها فوق رأسها؛ كانت تلك السلة مملوءة بالكعك المستدير المنقوش، وفي الواقع تمتلىء جدران المقبرة بأشكال ونقوش الكعك المختلفة، وفي هذا الصدد يقول الدكتور سيد كريم في كتابه (لغز الحضارة المصرية) أن زوجات الملوك المصريين القدماء قد اعتدن تقديمه للكهنة القائمين على هرم خوفو في يوم تعامد الشمس على حجرة دفن الملك خوفو، ما يؤكد أن عادة صنع الكعك في المناسبات الدينية ممتدة في المصريين من زمن أجدادهم القدماء.
لا يتركنا الفنان في حيرة بشأن مذاقه ومكوناته؛ فهناك نقشًا على حائط المقبرة، يُبين لنا مقادير عمل (الكحك)، ويصور بالتفصيل خطوات عجنه وخبزه؛ وكيف كان عسل النحل يخلط بالسمن، ثم يقلب على النار، ويضاف إلى الدقيق، ويقلب المزيج حتى يأخذ شكل عجين يسهل تشكيله، وقد يُحشى بالتمر المجفف، أو التين ويزخرف بالفواكه المجففة كالنبق والزبيب، ثم يُرص على ألواح الاردواز، ليوضع بعدها في الفرن، أو يُقلى في السمن أو الزيت؛ بحسب نوعه.
كحك العيد
ربما لم تنقطع عادة المصريين في خبز الكعك في احتفالاتهم الدينية في العصور اللاحقة، لكن من المؤكد أن صناعة الكعك ازدهرت وبشدة في العصر الإسلامي؛ مع الابتكارات التي أُدخلت على حشوات الكعك، والأشكال المتنوعة لقوالب تشكيله وزخرفته.
ويمكن القول بأن نقطة التحول في صناعة الكعك بدأت مع زمن الطولونيين، حين كان وجهاء القوم يصنعون الكعك ويوزعونه على العامة، وفي تلك الفترة أخذ الكعك منحى (كعكة الحظ) في زمننا هذا، فيُذكر أن أبي بكر محمد بن علي المارداني وزير الدولة الطولونية في عهد خمارويه بن أحمد بن طولون، قد أمر بصنع كعكًا حشاه بالدنانير الذهبية، وقدمه في مائدة عيد دعا إليها وجهاء القوم، وعُرف هذا الكعك باسم (افطن له)؛ أي انتبه للدينار الذهبي في كعكتك.
وفي عهد الفاطميين ازداد اهتمام الدولة بتوزيع كعك العيد على عامة الشعب، فاستحدثوا دارًا خاصة بصنع الكعك أطلقوا عليها (دار الفِطرة)، يُحدثنا المقريزي عن دار الفطرة بالتفصيل في كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) فيذكر أن: "العزيز بالله هو أول من بناها، وقرّر فيها ما يعُمل مما يُحمل إلى الناس في العيد"، وكان العمل فيها يبدأ من أول رجب حتى منتصف رمضان، ثم يوزع الكعك منها على الخاصة وكبراء القوم والعامة وتُصرف معه الملابس والأقمشة المذهبة والمنقوشة كهدايا للنساء، ويذكر المقريزي أنه كان يُصرف لتلك الدار كميات كبيرة من الدقيق، والعسل، والزعفران، والزبيب والفستق والسكر وغير ذلك من مستلزمات ومقادير خبز الكعك والحلوى. وكان يعمل بها نحو مائة عامل لصنع الكعك، وكعب الغزال، وغيرها من الحلويات، والتي يصفها المقريزي بأنها "معباة مثل الجبال من كل صنف"، بل ويذكر أيضًا في حديثه عن دار الفطرة رواتب كل عامل فيها؛ فيقول أنها كانت تبلغ ستين دينارًا يُنعم بها الخليفة ووزيره على كل عامل.
كحك العيد
وكانت إذا جاءت ليلة العيد، أُعد الفاطميون سماطًا ضخمًا وزودوه بأصنافٍ شتى من الحلوى، فإذا صلى الخليفة صلاة العيد، وقف في شباك قصره وأمر بدخول عامة الناس، فيأكلون الكعك والحلوى ويحملون منها ما يقدرون على حمله إلى بيوتهم؛ ليتحول المذاق اللذيذ لوسيلة يتقرب بها الخلفاء الفاطميين من عامة الشعب.
وحتى مع مغيب شمس الدولة الفاطمية، لم تنجح محاولات حكام الأيوبيين في القضاء على عادة المصريين في صنع الكعك احتفاءًا بالعيد، بل أن شهرة السيدة حافظية أو حافظة؛ الصانعة الأمهر لكعك العيد في زمن الفاطميين، قد امتدت للعصر الأيوبي، وأصبح كعك حافظية ماركة مسجلة؛ لأنها كانت تنقش عليه اسمها وكان يأكل منه كبار القوم، لكن انتقل صنع الكعك من دار الفطرة التي أغلقها الأيوبيون، لمطابخ بيوت العامة، وأصبح الناس يتهادون به فيما بينهم.
استمرت عناية المصريين بصنع الكعك في زمن المماليك، فبجانب رواج الكعك كواحد من بضائع سوق الحلويين في زمن المماليك، وابتداع المصريين طرقًا جديدة في نقشه وتزينه، لتصبح عبارات (كل هنيئًا واشكر، كل واشكر مولاك، بالشكر تدوم النعم) نقوشًا رائجة لكعك العيد في زمن المماليك، ولا يزال متحف الفن الإسلامي يحتفظ بقوالب تزيين الكعك التي حملت تلك العبارات، كما تذكر الوقفيات أنه كان يوزع على الفقراء في عيد الفطر؛ فمثلًا وقفية الأميرة تتر الحجازية، ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، تؤكد بأنها كانت تحرص على توزيع الكعك الناعم والخشن على موظفي مدرستها.
ومن الطريف إن المصريين كانوا يترقبون ظهور كعك العيد في الأسواق، ويصيبهم الحزن إن ارتفعت اسعاره، بل ويرفعون الشكاوى بهذا السبب للقضاة والمحتسبون، تذكر منها دكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها (القاهرة في حياتي) الشكوى الطريفة التي كتبها شعرًا جلال الدين السيوطي في القرن العاشر الهجري للمحتسب بعد ارتفاع أسعار الكعك والحلوى:
لقد جاء بالبركات فضل زماننا
بأنواع حلوى نشزها يتضوع
حكتها شفاه الغانيات حلاوة
ألم ترني من طعمها لست أشبع
فلا عيب فيها غير أن محبها
يبدد فيها ماله ويضيع
فكم ست حسن من أصابع زينب
بها كل ما تهوى النفوس مجمع
وكم كعكة تحكي أساور فضة
وكم عقدة حلت بها البسط أجمع
فيا قاضيًا بالله محتسبًا عسى
ترخص لنا الحلوى نطيب ونرتع
هذا وانتقلت عادة خبز كحك العيد من مصر لبقية الوطن العربي من خلال الهجرات والسفر وقوافل التجار والحج، وإن اختلفت المسميات والحشوات وطريقة التقديم؛ بسكر أو بدون، فيُسمى في بعض البلدان كالسعودية بالمعمول، وفي العراق بالكليجا، والبحرين بالخنفروش ويُضاف إليه الزعفران. ثم اختلفت حتى بعض مقاديره؛ فالكليجا مثلًا تُعجن بالسميد.
وباختلاف الظروف الحياتية والاقتصادية، وعلى مر الزمن، لم تنقطع حتى اليوم عادة ارتباط الكعك بالعيد؛ فمحلات الحلوانية والمخابز في العشر الأخيرة من رمضان تزدان بصفوف البسكويت والغُريبة والبيتي فور والكعك المُحلاة بالسكر، وتفوح روائح (روح) الكعك والحلقوم (الملبن) من الأسواق ومحلات بيع لوازم الحلوانية، ومن كثيرٍ من البيوت التي تُفضل رباتها خبز الكعك منزليًا، لتتضاعف بهجة العيد، وتُصنع فرحته وتُنقش بيدي صاحبة الدار.
ياسمين عبدالله
باحثة ماجيستير في مركز الإسكندرية للدراسات الهلنستية
القطاع الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية وجامعة الإسكندرية
كحك العيد
الباحثة ياسمين عبد الله