Close ad

أحسنتُ الظن فأكرمني.. اللهم عودة

1-4-2024 | 14:03

شعور بخفة الروح وخفقان القلب ونبض الأوردة، شعور من منتهى الخيال في عمق الواقع، بالانتقال إلى مجال غير مجال الدنيا، رغم أننا فيها، والارتقاء فوق الأرض بأزمانٍ ومسافات رغم أننا فوقها، وخارج مجالات الحيوات التقليدية رغم أننا كنا بينها، شعورٌ مهيب لا يتكرر سوى هناك، حيث الجمع الغفير يهفو بالقلوب والأجساد والأرواح، وبكل خفقة ولفتة وشرود إلى تلك المساحة التي تسقط فيها الحُجب، وتصفو فيها النفوس، وتنهمر العبرات وتهدأ الخطرات، وتبرق المسرات.

نعم كل تلك المشاعر وأكثر مما لا يُحصى ولا يوصف، ونحن وقوف في أنقى وأطهر بقاع الأرض، نطوف بالبيت العتيق، ونلبي النداء بالنداء، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك.. 

نعم إنه النداء الذي يأتي على درب مُعبّدٍ من الرجاء لله، والثقة واليقين بالله، ثم الطمأنينة بالله، نعم إنها الطمأنينة التي استقرت بالقلب حين أيقنت تمام اليقين في رب العباد ووثقت كل الثقة في محبته لعبده الفقير وعطفه ورحمته عليه، وفي استجابة دعاء الشوق الذي يهفو، استجابة رأيتها تتحقق قبل أن أخطو خطوة واحدة لأداء العمرة، فما كان مني سوى أن ملأ الشوق روحي، وبلغ التمنى مبلغه، وهفا الفؤاد إلى بارئه، وتوجهت النفس إلى خالقها، ودعوتُ واثقًا بالعودة مع زوجتي وابنائي الأحباء الحسين والحسن إلى الرحاب المقدسة، وقد صدقنا الله وعده الذي أحسسناه، حتى جرى على اللسان بأننا بإذن الله ذاهبون، فذهبنا، وعند ساحة الطواف وبمجرد أن بلغنا موضع الحجر الأسود طُفنا وذكرناه سبحانه الذي نرجوه أن يذكرنا فيمن عنده، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. 

ومصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عمرة في رمضان تقضي حجة معي"، وقوله صلى الله عليه وسلم" من حج فلم يرفث ولم يفسق عاد كيوم ولدته أمه"، فإنني أرجو من العلي الكبير أن يُوفقني لدوام حسن الظن به، وأن أعود كيوم وُلدتُ خالياً من الذنوب، وأن يكتب لي العودة مراتٍ ومرات بلا انقطاع.

هدير من المشتاقين الذين جاءوا من أرجاء الدنيا، بأجناسٍ من كل أصقاع الأرض، ولكن بلسانٍ عربي مبين ينطق به العربي والهندي والصيني والغربي، الرجال والنساء والفتيان والفتيات، الأبيض والأسود والأشقر والأحمر، الجميع تحت راية الإسلام في البيت الحرام، مُذعنين ومقبلين على المولى بصدور منشرحة، يدعونه ويبتهلون إليه ويسبحونه ويحمدونه على نعمه ونعمائه، ووعده الكريم، إذ ألهمنا بحسن الظن به وهدانا ووفقنا إليه، فأحسنا ظنوننا بالله فكافأنا وخبأ لنا مزيدًا من المكافآت، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلىّ شبراً، تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلى ذراعًا، تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"، فإذا كان ذلك وعد الله الذي صدقنا به حين أحسنا الظنون به، وإذا كانت هذه القربات التي وُعدنا بها، فما بالنا ونحن نقترب من عندِ أول بيت وضع للناس، " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ"، نعظم شعائر الله، نطوف أشواطنا ونصلي وراء المقام، ثم نتلو قوله تعالى: "إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ"، ثم نسعى سعينا، متذكرين دعاء إبراهيم لربه، وهو محسن الظن به وموقن به، ويلتمس النجاة قبل مجيئها، في قوله تعالى "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ"، فكم كان جميلًا أن تهوي أفئدتنا وتهيم بالشعائر ونذكر ربنا الخالق الأحد الفرد الصمد، ونسعى بين الصفا والمروة، ونصادف أثناء السعي ماء زمزم على الجوانب، والذي كان قد تفجر عند أقدام الطفل إسماعيل عليه السلام، وتحققت نتائج حسن الظن، ونجى الله الطفل وأمه من العطش والجوع، وأرسل سبحانه الخيرات، والبركات التي لم تزل تتدفق إلى يومنا هذا، وليهب عز وجل لنا أياماً مباركات نتضرع فيها وفي كل وقت وحين إليه، فيلبي دعاءنا وهو القائل في كتابه الكريم : " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ". فاللهم أدم علينا نعمك وقوِّ إيماننا بك وحسن ظننا فيك ويقيننا بك يا أرحم الراحمين، والحمدلله رب العالمين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: