Close ad

... والتاريخ لا يمل التكرار

19-3-2024 | 16:01
الأهرام المسائي نقلاً عن

نزل الأمير الأرمني بدر الدين الجمالي (1015-1094) مصر برسالة واحدة؛ (جئتُ لا أبغي منصبًا. جئتُ لأقف مع الجميع).. كان يعلم مقدار التشتت والعداوة بين جميع القوى، دعاهم إلى قصره لفتح صفحة جديدة، لبى الدعوة مائتا أمير، تعاتبوا وتسامحوا، ودون أن يشعر أحد كان رجاله ينفذون خطته في هدوء، استدرجوا الأمراء واحدًا تلو الآخر حتى قضوا عليهم جميعًا.. كان صادقًا!! وقف معهم حتى قتلهم جميعًا وصار القوة النافذة في البلد، عندها تمتم (آن لهذا البلد أن يستقر).

على خلفية مقال الأسبوع الماضي (أفندينا.. الـمُختلف عليه) وصلتني تعقيبات قيمة أشارت إلى تأثر عملية التأريخ بتوجهات المؤرخ، الأمر الذي يضعنا أمام جانب من الحقيقة وليس كل الحقيقة، تمامًا مثلما يكتفي شخص بمشاهدة مقطع فيديو من عدة دقائق لحدث استغرق أيامًا فكونَ قناعته الشخصية في ضوء ما رأى، مثل ذلك اختزال سنوات حكم الأمير عباس حلمي الأول على أنه (فترة انتقالية بين الجد المؤسس والجيل الثالث)، كما أشار أحد القراء في تعقيب رصين.

ولفت تعقيب آخر الانتباه أن المخطوط الذي دلف منه محسن الغمري إلى فضاء أحداث روايته (أفندينا)، كُتب بقلم الشيخ صفاء الدين مترجم وكاتب الباشا الكبير، الذي توافق حبه وولعه بالخيل مع حب الأمير عباس، حتى أن الأخير، اصطفاه من دون المقربين بالخروج معه لتفقد أحوال الرعية متخفيًا في زي تاجر، بعد توليه الحكم خلفًا لعمه إبراهيم باشا. من ثم، كانت الهواية المشتركة سببًا للتقارب ومد وشائج الثقة بينهما، فلما غمس الشيخ قلمه وشرع يؤرخ، أرَخَ بعين لم تخل من أبوه، بحكم السن، ووفاء بحكم الصحبة.

أيضًا، عرضت الرواية موقف الشيخ عبد الرحمن الجبرتي (1753-1825) من محمد علي باشا، فمن جهة رأى فيه حاكمًا مميزًا أرسى دعائم الحكم وأسس لبناء دولة قوية، ومن جهة أخرى انتقد طغيان عساكره وسطوتهم على الأهالي وفرض نظام جباية (ضرائب) عَصَرَ به قوت الشعب كي يمول حملاته العسكرية الممتدة في الأركان الأربعة، فغضب عليه الباشا وأوعز إلى خلصائه فاغتالوا ابنه خليل، فتوقف عن الكتابة بعد ما ابيضت عيناه من الحزن.

ضِمنَ خيوط روايته (كلاب الراعي) استعرض الروائي أشرف العشماوي الفترة السابقة لتولي محمد علي الحكم بعد خروج الفرنسيين 1801، من خلال كمال سيف الدولة نائب محتسب القاهرة المسئول عن حفظ الأمن والنظام الموالي للمماليك، وأخيه حسن جمال الدين الرومي الثوري المغامر الرافض للمماليك، كانا على طرفي نقيض سياسيًا لكنهما حافظا على رباط الإخوة إنسانيًا.

قاد حسن مُتخفيًا حروب شوارع ضد المماليك والأرناؤوط والشركس ونسج العامة حوله الأساطير، وأطلقوا عليه (الشاطر حسن) وغازلهم أمل عودة مصر للمصريين مَشوب بشعور خفي باليأس؛ (يا ولدى أنتم تثورون على ظالم لتأتوا بأشد منه ظلما، لا تراهنوا على القوى فقط، وإنما اختاروا العادل الذي يراهن علينا نحن المستضعفون) قالت له سيدة عجوز.

أنهك حسن جيوش المماليك وخلت الساحة للباشا الذي سارع بقمع كل معارضة، عاد بالتاريخ ثمانية قرون كاملة وسار على خطى سلفه بدر الدين الجمالي وقضى على المماليك في مذبحة القلعة، وأخرس كل صوت كي يستقر البلد؛ لتنتهي الرواية باعتقال حسن ومصرع أخيه، في الوقت الذي كان فيه شاب في نحو العشرين من عمره يطالع بأسىَ من على ظهر السفينة المتجهة إلى مارسيليا ضمن بعثة تلقي العلوم، مخطوطٌ سري لتاريخ المحروسة عنونه عمه الشاطر حسن (آن لها أن تستقر).

ودائمًا للجغرافيا نافذة واحدة، وللتاريخ ألف ألف نافذة.. والتاريخ لا يمل التكرار..

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: