Close ad

د. فاروق الباز: مصر كانت تطعم العالم.. وأتمنى أن تعود كما كانت| حوار

19-3-2024 | 13:33
د فاروق الباز  مصر كانت تطعم العالم وأتمنى أن تعود كما كانت| حوار د. فاروق الباز
زينب الباز
نصف الدنيا نقلاً عن

د. فاروق الباز:

موضوعات مقترحة

لا قلق من الذكاء الاصطناعي بل إنه سيحل محل الإنسان في المهن الصعبة 

ورثتُ الابتسامة الدائمة والتسامح واحترام الآخر من أمي

الدكتور فاروق الباز عالم جيولوجي من العلماء المعدودين عالميا، لم يأتِ حصوله على لقب «ملك القمر» من فراغ، بل نتيجة جهد وعمل دؤوب مستمر، جعل من اسمه علامة فارقة في تاريخ وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، وأُطلق اسمه على كويكب بين المريخ والمشترى، ومع كل حوار مع د. فاروق الباز تكتشف أن لديه الكثير ليقوله، سواء في العلم أو حتى عن حياته الخاصة؛ يفتح خزائن أسراره فيمتعنا، واليوم فتح قلبه لـ «نصف الدنيا» في حوار شائق.


• ما تقييمك للتغيرات المناخية التي طرأت على كوكب الأرض وخطرها على العالم؟
علماء المناخ لم يقدموا إثباتًا علميًّا قاطعًا بأن الإنسان هو من يغير المناخ، وأن لهذا التغيير أثرا في التجمعات الإنسانية، ومع ذلك فنحن نعلم أن مصانع العالم تقذف بالكثير من الذرات في الغلاف الجوي فتوثر في نقاء الهواء الذي يتنفسه الإنسان والحيوان والنبات؛ لذلك فعلينا جميعا أن نقلل من هذا؛ لأنه في الغالب يضر بالحياة على سطح الأرض، بسبب التغيرات المناخية والتأثيرات السلبية التي تواجه كوكب الأرض من الانبعاثات الحرارية أصبحت مصر أكثر الدول اقتراضًا من أجل رغيف العيش، بعد أن كانت المُصدر الأول للغذاء، برغم أن الأراضي الزراعية في مصر من أفضل أنواع التربة في العالم، ولكنها تتعرض للتجريف من خلال بناء منازل للمواطنين ومنشآت حكومية، ولا بد من وضع عقوبة رادعة تصل إلى السجن لمن يبني حتى على متر واحد على الأرض الزراعية التي تكونت في مصر منذ 6 ملايين سنة من ترسيبات فيضانات نهر النيل، ولا يمكن استعادة خصوبة هذه الأرض في الوقت الحالي بخاصة بعد وجود السد العالي.


• إلى أي مدى سيؤدي ممر التنمية غرب النيل إلى حل لأزمة الغذاء؟
أزمة الغذاء الحالية تحثنا على تغيير مسار المعيشة في مصر؛ فلقد أهدرت الدولة فيما سبق الكثير من الأراضي الخصبة التي عاشت مصر على إنتاجها الزراعي لآلاف السنين، وبرغم أن تاريخ مصر يشهد بأنها كانت تطعم دولا كثيرة فإنها اليوم تستورد القمح لإنتاج رغيف العيش، وهذه مأساة يجب أن نفكر فيها، وأول ما يجب فعله هو تجريم وتحريم البناء على الأراضي الزراعية التي رسبها فيضان النيل على مدى آلاف السنين، اليوم ليس هناك أي رسوبيات بعد بناء السد العالي، ولذا فلابد من الحد من تدهور الإنتاج الزراعي ومنع البناء، أما ممر التنمية فسيشمل أراضي غرب النيل ومعظمها صالحة للزراعة أو البناء أو الصناعة وكل النشاطات الإنسانية، وبعد الدراسة المستفيضة لهذه المساحات الشاسعة، بواسطة طاقم الأبحاث من شباب مصريين نساءً ورجالًا، اتضح أن هناك ما يمكن إضافته إلى مساحة المعيشة في مصر مرة ونصف المرة عما هو موجود حاليا، فمن غير المعقول العيش على 5 % من الأرض، وأرى أن مشروعات التنمية التي تقام الآن والتوسع في مناطق جديدة هي أفضل الحلول.
•ما رأيك في الذكاء الاصطناعي ومدى تأثيره في الكثير من المهن؟
الذكاء الاصطناعي وسيلة تساعد الإنسان على فهم الأشياء أو نقل المعلومات وتسهيل حياة البشرية، كما أن الأجهزة المصنوعة ستحصل على توجيهات من الإنسان، الذكاء الاصطناعي ليس جديدا، بل يتطور منذ فترة أبولو، وأعتقد أن الفترة المقبلة سيكون بها تقدم أكبر في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد شهدت الفترة الأخيرة تطورا كبيرا؛ حيث إنه عامل مساعد للإنسان ولا قلق منه، بل يمكن إغلاقه أو تغييره في أي وقت، العقل البشري قادر على تغيير الذكاء الاصطناعي، واتخاذ المسار لمصلحة الإنسان، وسوف يريح البشرية من المهن الصعبة.
- كيف استقبلت نبأ تسمية كويكب باسمك؟
لهذه التسمية قصة طريفة؛ ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية تأسس الاتحاد العالمي لعلوم الفلك سنة 1948 في بداية التسابق الدولي نحو الفضاء، وبخاصة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وكان هدف تسمية الأجسام الفضائية من كواكب أو كويكبات أو نيازك هو منع اللغط وفض الاشتباك بين القوى الدولية على مسميات الفضاء، والاتحاد العالمي لعلوم الفلك هو المسؤول عن اختيار الأسماء، وليس لأى طرف آخر تحديد الأسماء الفضائية، حتى عند وضعنا الخطط والخرائط المختلفة لرحلة أبولو لاستكشاف القمر كانت كل الأسماء التي نطلقها لا تكون رسمية إلّا بعد موافقة الاتحاد العالمي لعلوم الفلك عليها، وقد طلب أحد أساتذة الاتحاد إطلاق اسمي على أحد الكويكبات، وقدعلمت بالخبر خلال وجودي في مؤتمر بالعاصمة الفرنسية باريس، وأخبرني بذلك صديق لي يعمل في وكالة ناسا الفضائية، وبالمناسبة الكويكب الذي أطلق عليه اسمي أبعد بكثير من كوكب المريخ، وهو جزء من مجموعة من الكتل الصخرية التي تدور حول الشمس في المساحة ما بين المريخ والمشترى. 


- ما تقييمك لتجربة برنامج الفضاء المصري؟
  على الرغم من كثرة  الصعوبات التي تواجه برنامج الفضاء المصري، نتيجة ضعف التمويل، فإنه من الضروري أن يُخصص جزء أكبر من ميزانية الدولة لبرنامج استكشاف الفضاء والبحث العلمي بعد الصرف على البنية التحتية، ولننظر إلى تجربة البرنامج الفضائي الهندي، وهي دولة نامية مثلنا وقريبة إلى حد كبير من ظروفنا، لنرى كيف غيّر البرنامج الفضائي الهندي حياة الفلاحين هناك بفضل حصولهم على بيانات دقيقة عن أراضيهم؛ الأمر الذي ساعدهم في النهاية على زيادة الإنتاج الغذائي، وأتمنى أن يحدث ذلك في مصر؛ لأنه سيؤثر كثيرا في شكل التطور الذي أحلم به لمصر. 
- حدثني عن طفولتك والحياة التي عشتها مع عائلتك؟
أنا واحد من تسعة أبناء وبنات، أعتقد أن طفولتي كانت سعيدة، فقد كنا مجموعة من الأبناء والبنات تربينا جميعا في بيت متدين وسط عائلة مصرية عادية، فأبى وأمي ينتميان إلى محافظة الدقهلية وبالتحديد قرية طوخ الأقلام القريبة من مدينة السنبلاوين إلى جوار مدينة المنصورة، والدي كان مدرسا في المعاهد الدينية بالأزهر الشريف، وتربينا على حب العلم والمعرفة، وعندما وُلدت كان أبي يعمل في المعهد الديني بالزقازيق، لكنه بعد سنتين انتقل إلى معهد دمياط، وانتقلت معه الأسرة إلى هناك، وقضينا بها نحو 12 سنة، وأذكر أن المعيشة في دمياط كانت جميلة؛ فأهلها طيبون يمتازون بالنظافة واحترام العمل، وعشنا فيها حتى انتهيت من المرحلة الابتدائية، وبعد ذلك انتقل والدي إلى العمل شيخا للمعهد الديني في شبين الكوم، لكن العائلة انتقلت في تلك السنوات إلى القاهرة بعد أن التحق أخي أسامة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وأكملت أنا تعليمي الثانوي في مدرسة القبة الثانوية، ولم تكن المرحلة الإعدادية موجودة في ذلك الوقت، ثم بدأت حياتي الجامعية.


- إلى أي مدى تأثرت بوالدك؟ وماذا تعلمت منه؟
كان أبي قارئا مثقفا ومتفهما، حاول دائما أن يحصد المزيد من العلم والمعرفة، فكانت له مكتبة في غرفة نومه  يحتفظ بداخلها بالكتب التي كان يعاملها بكل احترام، وحتى اليوم ما زلت أتعامل مثله مع الكتب باحترام، وفي المساء كان يذهب إلى المكتبة ذات الأرفف الزجاجية يحمل كتابا ويجمعنا حوله، ويبدأ سرد قصص عن الغزوات الإسلامية والتاريخ الإسلامي بطريقة مشوقة جدا، كنا نفهم منها الدين ونخرج منها بدروس كثيرة في العلم والإيمان والأخلاق، وقد  تأثرنا أنا وإخوتي بما كان يحكي والدنا لنا وبثقافته وعلمه، فقد كان متميزا باحترامه للدين واحترامه لعمله، ويشهد بهذا  كل تلاميذه حتى يومنا هذا.


- ووالدتك، كيف تأثرت بها؟
كانت أمي سيدة بسيطة لا تجيد القراءة والكتابة، وقد علمها والدي القراءة والكتابة وأنا في الصف الثالث الثانوي، وبالرغم من ذلك كانت امرأة على قدر كبير من الذكاء الفطري والوعي والثقافة، وكانت دائمة الدعم والتشجيع لي، وهي من غرست فيّ قوة الشخصية والثقة بالله ثم بنفسي، وقد علمتني ألا أتخلى عن حلمي أو مبادئي، ومن أكثر الصفات التي تعلمتها من أمي أيضا التسامح وحب الخير للآخرين والبعد عن الأنانية والغرور، كانت  أعز أصدقائي طوال حياتي؛ لأنها كانت ذكية جدا إلى درجة أنها كانت تعرف ما يدور في مخيلتي قبل أن أنطق بكلمة واحدة، وأثرت فيّ وفي إخوتي في كل شيء؛ فقد كانت  تتعامل معنا برفق واحترام وعدل، ولا نستطيع أن نتعدى حدودنا التي وضعتها؛ لأنها أرادت دائما أن تكون أخلاقنا راقية، وقد كانت تحترم الجميع وتكرم كل العاملين حتى الباعة الجائلين، وكانت تعطف عليهم وتطعمهم، وأتذكر أنه عندما كان يأتي إلينا ضيف ذو نفوذ، وزيرا كان أو أستاذ جامعة أو غير ذلك، كانت تطلب منا أن نأخذ الطعام للسائق قبل أن يأكل الضيوف، بل إنها كانت تختار له أفضل الأصناف من الأكل، لقد تعلمنا منها احترام الإنسان، وأن من يقوم بعمله على أكمل وجه يجب أن نحترمه ونحييه ونعمل على دفعه، تجدونني دائما مبتسما، والسر في هذه الابتسامة هي أمي؛ فقد كانت دائما مبتسمة لنا ولكل الناس، وقد ورثت هذا منها.
- متى نزلت دموعك؟
أعتقد من أكثر المواقف التي أزعجتني جدا هي وفاة وأبي؛ حيث كنت أدرس في الولايات المتحدة الأمريكية في السنة الأولى لي، ولم أستطع الاتصال بعائلتي أو العودة لدفنه، لذلك كنت دائما أذهب إلى أماكن البعيدة وأجلس وحيدا أبكي بحرقة.
- كيف أثرت علاقتك بوالديك في التعامل مع بناتك؟
علاقتي أنا وزوجتي ببناتنا جيدة، تجمعنا صداقة قوية، ومن المؤكد أننا كنا مؤثرين بشكل متوازن في حياتهن وتكوين شخصياتهن، ولا أستطيع أن أقول: إن طرفا منا كان له تأثير أقوى من تأثير الثاني؛ لأننا متفقان ومتفاهمان منذ البداية على طريقة التربية والتعامل معهن، وكان لأبي وأمي تأثير كبير في تربيتي لبناتي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة