Close ad

الأخلاق مفتاح بناء المجتمع

19-3-2024 | 16:04

 

ماذا يعني إعلاء مكارم الأخلاق والوعي الرشيد في مجتمعنا؟ يعني النهوض بجسمه الاجتماعي بما يضمنُ له الاستقامة والتماسك.. إنها مسئوليةٌ جماعيةٌ تنطلق من الفرد وتتراكم إلى المجموع، كلٌ في مكانه ودوره، يعني أيضًا وطنًا يرتكز إلى قيمٍ ومبادئ راقيةٍ، تشكل أساسًا صلبًا يتجاوز به الأفكار الفارغة والسلوكيات الهشة.. 

هناك، في زاوية كل شارع وفي الحياة اليومية، تتجسد تلك القيم بوضوح، كالنجمة الساطعة في سماءٍ مظلمة.. ومعنى ذلك أن تكون أرضنا مزروعة ببذور العدل والإنصاف، حتى تنمو ثمارها في توازن المجتمع، وهناك لا مكان لظلمٍ يخيم أو فسادٍ ينتشر.. 

يعني أيضًا أن يكون لكل فرد دوره الفاعل في هذا البناء، من خلال أداء الواجبات بتفانٍ وحب، والسعي للتقدم والرقي بمجتمعه.. 

في هذا الوطن، يكون الحاكمُ درعًا للمظلومين، يحميهم ويدافع عن حقوقهم، ويكون المحكوم شريكًا في بناء المجتمع، يلتزم بالقوانين ويسعى لتحقيق المصالح العامة.. هكذا، يتكامل الجميع لصياغة مجتمعٍ يسوده الأمان والاستقرار، يُعْلِي فيه الأخلاق والوعي الرشيد راية الشرف والكرامة.

كل هذه الخواطر جاءتني عندما طالعت ما ورد في نحو 150 بحثًا حول مفهوم الأخلاق وجوانبها وتأثيراتها خلال المؤتمر الدولي الخامس لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات في القاهرة تحت عنوان "الأخلاق.. وآليات بناء الوعي الرشيد" والذي أُقيمت فعالياته على مدار يومي الخامس والسادس من مارس الجاري، حتمًا استشرفت في عقلي صورًا تفاؤلية، تتراقص معها آمال جديدة في مستقبل مجتمعنا المصري.. وكانت علي هامش المؤتمر ورشة تدريبية حول "ثقافة الاستهلاك"، بمثابة نقطة انطلاق للتفكير العميق والحوار المثمر حول ما يمكن أن يكون عليه مجتمعنا إذا تمسّك بقيمه الأخلاقية وترسيخها في وجدانه.

أستبشرُ خيرًا عندما أتخيل مجتمعنا متمسكًا بمنظومة القيم الأخلاقية التي ترتقي به، وتمتزج بروح الفطرة والإيمان التي تتغذى منها الأمم العظيمة، إنّنا كمجتمع، إذا تمكنا من إحياء هذه القيم وتعزيزها، سنسير بخطى ثابتة نحو المكانة الرفيعة بين الأمم، وهو ما تدركه بل وتعيه جيدًا الدكتورة شفيقة الشهاوي، عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة رئيس المؤتمر الدولي الخامس للكلية، من اختيار لهذا العنوان المهم لتعكس من خلاله للعالم أجمع سماحة الدين الإسلامي، فلا شكَّ أنَّ مكارم الأخلاق ليست مفهومًا جديدًا على أرض مصر، فقد جاء ديننا الحنيف بالقرآن الكريم وسنة نبيه الكريم لتُلقي الضوء على أهمية الأخلاق في بناء المجتمع، وكما تمتلك مصر جذورًا حضارية عميقة، فإنَّ دولتها القديمة بنيت على أسس أخلاقية راقية، حيث ازدهرت الحضارة الفرعونية القديمة بفضل قيمها ومبادئها ووعي أبنائها، ومع ذلك، يبدو أنَّ الإهمال في ترسيخ تلك القيم، والتوجه نحو ثقافة الاستهلاك بشكل مفرط، قد أدى إلى غياب تلك القيم الأصيلة في حياتنا اليومية، مما أدى إلى ظهور الانحرافات والاختلالات في المجتمع، فقد أصبح الاهتمام الأساسي للكثيرين هو الكسب السريع، دون مراعاة للقيم الأخلاقية التي تحدد علاقاتنا ببعضنا البعض.

فماذا لو ارتقينا بقيمنا الأخلاقية؟ 
إن هذا السؤال البسيط يحمل في طياته قوة هائلة قادرة على تغيير واقعنا، وتحقيق تحول إيجابي في كل مجالات الحياة، سنجد الطبيب يبذل كل جهده في علاج مرضاه، دون أن ينظر إلى الوقت أو الربح كهدف أساسي، فهو يفهم أن رسالته الإنسانية تتجاوز أي اعتبارات مادية، وكذلك، سيعمل المهندس على تقديم أفضل ما لديه من خلال احترام المواصفات والمعايير، والابتكار في استخدام التكنولوجيا لخدمة الإنسانية ولصالح البيئة، وسيقوم الإعلامي بدوره في توجيه الرأي العام نحو الصدق والموضوعية ونشر الوعي والتثقيف، وفضح الفساد والظلم، وتعزيز الوعي الإيجابي بين أفراد المجتمع.

سنجد التاجر يبتعد عن الغش، ويقدم أفضل السلع، ولا يحتكر أو يخفي السلع، في كل مجال ومهنة، يتحقق التقدم الحقيقي، فالأخلاق هي الأساس الذي يقوم عليه أي تطور حقيقي ومستدام، وبدونها، يمكن أن تتحول كل المستحدثات إلى نقمة بدلًا من نعمة.

عندما اطلعتُ على كل بحث، وغاصَ فكري في أعماق أفكار ورؤى كل باحث، لم يكن لديّ سوى إعجابٍ شديد بالأفكار الواعية والملهمة، إضافة إلي ورشة تدريبية جاءت بعنوان "ثقافة الاستهلاك"، التي ألقت الضوء على جوانب مهمة من حياتنا، وجسدتها في تجاربٍ وتحليلات متنوعة، تمتزج بين الواقعية والتطلع نحو المستقبل بأفقٍ أخلاقي واسع، المؤتمر لم تكتفِ بتقديم وتحليل الظواهر السلبية في المجتمع، بل انتقلت إلى مرحلة التوصيات العملية التي تجمع بين الأهداف النبيلة والقيم الأخلاقية السامية، فقد عملت على توجيهنا نحو فهم أعمق لتلك الظواهر، وتحليلها، ثم تقديم توصيات فعّالة ومبتكرة تجمع بين المصلحة العامة والأخلاق، من خلال تركيزها على نشر الوعي وتعزيز ثقافة احترام المواثيق الأخلاقية.

إنَّ مستقبل مجتمعنا المصري يعتمد على استعادة تلك القيم الأخلاقية السامية، وترسيخها في وجدان أفراده، فقط بتحقيق ذلك سنتمكن من بناء مجتمع قوي ومتماسك، يسوده العدل والمساواة، ويتقدم بثقة نحو مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة