Close ad

حكايات من الواقع: الغائب.. والأمل المفقود!

17-3-2024 | 14:28
حكايات من الواقع الغائب والأمل المفقودأرشيفية
خالد حسن النقيب

قد لا يتصور إنسان أن الدنيا التي تعطيك كل شيء يمكنها أيضا أن تباغتك وتسلبك كل شيء بشكل خاطف وقبل أن تفيق من سكرة رضاها عنك أو تعقل شيئا مما يحدث لك‏ ولكنها حكمة الله فى عبيده وأنا واحد ممن قست عليهم الدنيا لدرجة مميتة ولكني راض بحالي غير عابئ إلا علي ابني الوحيد الذي ما أن رأيته وحملته بين ذراعي لأول مرة حتي فقدته..!

موضوعات مقترحة

لم يمت أو يختطفه مني غاصب ولكن أمه غافلتني بعد خلاف وقع بيننا انفصلنا علي إثره وأخذته وسافرت به خارج البلاد لم أره من يومها وبمضي الأيام استطعت تجاوز أحزاني علي فراق ابنى وأول فرحة في حياتي وساعدني على ذلك إنسانة تعرفت عليها وارتبط قلبانا بعاطفة نبيلة انتهت بالزواج وأحسست أن الدنيا تعوضنى عن فقدانى لابنى بحياة جديدة وطفلة تجددت معها الحياة كانت فرحة العمر كله والسعادة التي تسكن النفس والروح..!

 كبرت ابنتى وكبرت السن منى حتي تخرجت في الجامعة وكنت أنا وهى علي موعد مع القدر عندما ارتبطت ابنتى بأستاذها في الجامعة ارتباطا عاطفيا وجاء خاطبا لها وبرفقته أمه، قد لا يصدق إنسان أن تقلبات الحياة ومتناقضاتها أغرب من روايات السينما وعندما تكون في لحظة واحدة مواجها لماض بعيد يذوب الزمن ويتجسد الماضى في ملامح لم يتغير منها غير خيوط العمر ونتوءات سن بدت علي ملامحها أجل هي من غادرتني جاحدة أبوتى لابني منذ زمن، خرجت من جوف الماضى من جديد لتنكأ جرحا غائرا ما توارى مع الزمن غير أنها اليوم أتتني تخطف منى ابنتى الوحيدة هى الأخرى ..!

وقع المفاجأة كان قاسيا إلي حد الصدمة لم أصدق أنها تأتيني من جديد وتشتعل معها نيران ثكلى فى قلبي لفراق ابنى، اندفعت محموما ناحيتها أمسكت بذراعيها، أصرخ فيها، أين ابنى، أين ابنى؟

لم أتنبه له في ثورتي كان يقف بيني وبينها يحجبها عني يذود عنها وتتجمد الدهشة منه حتى هدأت نيران الثورة في نفسي بعض الشيء..!

و قبل أن تأخذني نفسى للجة الوهم والخيال وجدتها تعرف ابنها علي بأنه ابنها من رجل تزوجته فى أوروبا قبل ثمانية وعشرين عاما بعد أن غادرتنى ولكن أين ابنى هل مات؟ يتحشرج الصوت منى فى مرارة عمر مضى وقلب يرتجف وما هدأ من روعي غير أنها أخبرتني أنه بخير ويعيش في ألمانيا وأنه تزوج وأنجب طفلين..!

كان الموقف عصيبا اختلت معه أعصابي ودخلت في حالة من الاكتئاب الشديد كيف يكون ابنى علي قيد الحياة ويعرف أني موجود فى الدنيا ولا يسأل عنى هل تحجر قلبه إلي حد الجفاء والقسوة على أبيه, تري ماذا أخبرته أمه عني, هل اعتبرني ميتا أم رجلا ظالما اضطهد أمه وعذبها حتي طفشت منه ومن جبروته خارج البلاد فآثر ألا يلقاني أو يعتبر أن له أبا علي قيد الحياة؟

سألتها إن كان يعرف له أبا في مصر, فقالت لي إنها لم توغر صدره ناحيتي وإنه عاش وتربي في أوروبا وعندما نضج وشب للحياة رجلا أعلمته بوجودك في مصر, وكلما كان يأتي لزيارتي وشقيقه بعد عودتنا لمصر, يجتهد في البحث عنك وفي كل مرة تبوء مساعيه بالفشل.

خارت قواي, لم تتحملني ساقاي فوقعت علي الأرض ونظراتي متعلقة بها تطمئنني لعلها تحادثه يأتيني وتقر به عيني.

المواجهة هذه المرة كانت الأصعب علي نفسي جمدتني في فراشي لا أقوي علي الحركة والخروج انتظارا له في المطار.. وما أتاني حتي احتضنت فيه عمري الذي ضاع انتظارا وامتلأت عيني به بعد أن كانت الدموع هي التي تسكنها كلما تذكرته.

 لقد عاد ابني إلي أولاده بعد أن قضي معي بضعا من الوقت وحضر زواج شقيقه من ابنتي, غادرني ثانية وغادرني قلبي معه ولكن هذه المرة سافر علي وعد أن يأتيني كل عام ومعه ولداه, ولست أدر هل يمتد بي العمر حتي أراه ثانية أم لا؟ فقد وهن العمر مني واعتل الجسد وسكنته الأمراض العضال, ولكنها الدنيا ومقدرات الحياة فيها, تهبك السعادة وسرعان ما تنتزعها منك انتزاعا مباغتا, لا يهون علي فيها غير صبر وإيمان ويقين في الله ورحمته سبحانه وتعالي.

م.ع

أثلج الله صدرك يا أخي وأنار قلبك بنور رحمته ولك أن تكون علي يقين من أن ربك ترفق بك كثيرا وأعاد إليك أملا كان مفقودا من خلال مشروع زواج ابنتك, وإذا كانت الدنيا بالفعل كما تعطي قدرا تأخذ قدرا وبشكل صادم ومباغت أحيانا إلا أن رحمة الله سبحانه وتعالي لا تخطئنا يا أخي, وإن كنت مندهشا من موقف زوجتك الأولي وأيا كان سبب الخلاف بينكما والانفصال فبأي منطق تحرم أبا من ابنه كل هذه السنوات وحتي يكبر الابن نفسه ويطالبها بحقيقة أبيه فتخبره بها ولكن بعد فوات الأوان, حيث استقرت حياته خارج مصر وكلما أتي أمه التي استقرت في مصر زائرا يبحث عن أبيه فلا يجده, لقد ارتكبت هذه المرأة جرما كبيرا ليس في حقك أنت فقط ولكن في حق ابنها بحرمانه من أبيه كل هذا العمر, وأحيي فيك يا أخي روحك الطيبة فأنت متسامح مع نفسك, لم تعق زواج ابنتك من ابنها ولعلك غفرت لها إكراما لابنك ولابنتك أيضا وإذا كان يا أخي العمر قد ولي وتداخلك هواجس مفزعة أن لا تري ابنك مرة أخري فذلك إحساس وجل طبيعي من طول فراقك له وتقدم العمر, ولكن ألست معي أن من صبر واحتسب وكافأه الله برؤية الغائب لهو في تبعية المولي من رحمه فلا تخشي شيئا يا أخي وفوض أمرك للمولي عز وجل فهو حسبك ونعم الوكيل. و لعلك إن أردت راحة في نفسك ابتهل إلي الله بدعاء نبيه الكريم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب

وصدق الله عز وجل عندما قال في محكم آياته من سورة البقرة ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين*الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنـا إليه راجعون*أولـئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولـئك هم المهتدون .

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة