Close ad
11-3-2024 | 17:12

تشهد هذه الأيام الفضيلة إقبالًا كبيرًا على أداء العمرة؛ نظرًا لما تمثله هذه الشعيرة من فضل، عبر التعبد لله بالإحرام والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ثم الحلق أو التقصير ومن الإحرام تبدأ نية أداء النسك ويتلفظ بها باللسان.. "لبيك اللهم عمرة"، وإذا كانت رحلة العمرة واحدة من الرحلات المقدسة، منذ فجر الإسلام فإنها أيضًا باتت تجربة دينية تضيف الكثير للمعتمر، وتوفر له فرصًا واسعة للاطلاع واستكشاف جوانب كثيرة من تاريخ الإسلام، بل معايشة أحداثٍ دينية على أرض الواقع؛ عبر تمكينه من زيارات مواقع تاريخية لم يكن ليبلغها، ولعل ما قامت به المملكة العربية السعودية من تطوير وتحديث عبر رؤية 2030 والتي طالت الأماكن المقدسة، والمواقع التاريخية الدينية ساهم في إثراء التجربة أتاح فرصًا لم تكن متاحة؛ من خلال إحياء هذا التراث الديني النادر.

واللافت أن شمولية التطوير وعمومية التحديث ساهم أيضًا في إثراء تجربة العمرة عبر استخدام التكنولوجيا الرقمية في تيسير رحلة العمرة وتحويلها إلى تجربة دينية مفيدة ومثيرة، إذ يطلق عليها "عمرة بلس" لما تتضمنه من زيارات دينية وتاريخية، بل وتسويقية جعلت منها رحلة شاملة المنافع، وجامعة الفوائد.. فهي تبدأ بتأشيرة إلكترونية لا تستغرق ساعات معدودة وحجز أيضًا إلكتروني للطيران ولدى الوصول إلى الأراضي المقدسة تبدأ التجربة عبر منصة "نسك" التي تقوم بتوفير ممر رقمي آمن للمعتمر، يحصل من خلاله على كافة الخدمات التي يحتاجها في الرحلة والزيارات التي يقوم بها للأماكن الدينية المطورة، ابتداء من حجز السيارة والقطار والمواقع التاريخية.. وغير ذلك من خدمات.

وقد كان لي شرف أداء العمرة قبل أيام، وعايشت هذه التجربة المميزة التي أتاحت لي فرصة كبيرة في التعرف عن قرب على الخدمات التي تقدمها المملكة العربية السعودية للحجاج والمعتمرين، وللحقيقة أن ما شاهدته من تطور كبير لم أكن أتوقع أن يكون بهذا الإبهار، ولك أن تتخيل أن تتاح لك فرصة الوقوف بعرفات في غير أوقات الحج، وأن تعتلي جبل الرحمة وتتعايش مع هذه الأجواء الروحانية في هذا الوقت، ثم تتوجه إلى مزدلفة، ثم منى ومسجد المشعر الحرام، ثم إلى منطقة رمي الجمرات، وتتأمل تلك المناسك التي يؤديها الحاج في شهر ذي الحجة، والمثير أن هذه المناطق المقدسة باتت أماكن مفتوحة للزيارة طوال العام؛ لتوفر واحدة من التجارب الدينية الفريدة التي تضفي على النفس روحانيات، وجلال وصفاء لا يوجد في مكان آخر على وجه الأرض. 

"العمرة بلس" لم تعد مجرد مناسك في مكة وزيارة قبر الرسول بالمدينة، بل هي تجارب دينية شاملة توفر للمعتمر أو الحاج الكثير من المعارف والعديد من التعاليم والمفاهيم الصحيحة للدين الحنيف، ففي مكة يوجد حي جبل ثور أحد أهم وأبرز المواقع التاريخية الدينية، فهو يضم غار ثور الذي ورد ذكره في القرآن الكريم من خلال قوله تعالى: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم".

ويقال إن غار ثور هو أول حصن في الإسلام تحصّن فيه الرسول الكريم وصاحبه الصديق، بعد إعلان الدعوة السماوية، حيث أوى إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبوبكر - رضي الله عنه - وهما في طريقهما إلى المدينة في رحلة الهجرة النبوية، فدخلا فيه حتى إذا هدأ طلب قريش لهما تابعا طريقهما، وأثناء وجودهما في الغار جاءت قريش تبحث عنهما، حتى وقفت على فم الغار، إلا أن الله ردها بفضله وقدرته، يقول أبوبكر- رضي الله عنه - لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم : "يا أبابكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" رواه البخاري ومسلم.

وفي مكة أيضًا هناك تجربة زيارة حي حراء ومعرض الوحي، وتلك المنطقة تشهد تطويرًا كبيرًا يتيح للمعتمر الوصول إلى غار حراء الذي تلقى فيه الرسول - صلى الله عليه سلم - الوحي عبر طريق ممهد بطول يصل إلى 1700 مترو يستغرق نحو ساعة ونصف، ويجري حاليًا إعداد طريق يصل للغار بالسيارة، أما المعرض فقد أقيم بأحدث الوسائل التكنولوجية إذ يروي، عبر غرف مزودة بشاشات عرض عملاقة، قصة الوحي منذ سيدنا آدم، حتى نزول الوحي على سيدنا محمد، كما يضم مجسمًا لغار حراء تم تصميمه بنفس المواصفات التي تجعل منه نسخة تجسد طبيعة وشكل هذا الغار المقدس.

وفي مكة يوجد مجرى عين زبيدة الذي يعد من أبرز المعالم التاريخية في مكة المكرمة، حيث يحظى بمكانة استثنائية في قلوب المسلمين، إذ أنه كان مصدرًا للمياه العذبة، ومحطة استراحة للحجاج القادمين إلى مكة المكرمة، ويجسد مجرى عين زبيدة رمزًا للتاريخ والتراث الغني للمدينة المقدسة، ويأتي مشروع تطوير وإعادة تأهيل خاصرة عين زبيدة؛ ليعزز الوعي الثقافي والتراثي ويثري تجربة الزوار القادمين إلى مكة المكرمة.

وفي محافظة الجموم غرب السعودية والتي تعتبر من المناطق التي تزخر بالعديد من الثروات التراثية القديمة، يوجد متحف الجموم، ويضم نحو 1500 قطعة من الأزياء والأدوات الزراعية وأدوات الصيد والسيارات والفخاريات والجلود وأدوات نحاسية وكتب، في تنوع نادر للتراث والتاريخ؛ حيث يوجد في المتحف بعض القطع التي يتجاوز عمرها 2000 عام؛ منها قطعةً "حلزون متحجر" تم العثور عليها في سد وادي فاطمة، وعمرها يزيد عن ألفي عام.

وفي "وادي سرف" وعلى طريق المدينة المنورة يوجد قبر أم المؤمنين السيدة ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبدالله بن هلال آخر زوجات الرسول الكريم؛ حيث تزوجها في السنة السابعة في الهجرة، وكان اسمها برة فسماها ميمونة، ولما فرغ من غزوة خيبر قدم عليه جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فخطب الرسول الكريم ميمونة من جعفر، وعاشت في مكة بعد رسول الله إلى أن توفيت سنة 66 هجرية، ويقال: إنها وهبت نفسها للرسول، ودفنت في نفس المكان الذي خطبها وتزوجها فيه الرسول الكريم.
كثيرة هي المواقع الدينية التي يمكن للمعتمر زيارتها واستحضار تاريخها وجلالها، في تجربة كانت في السابق من الصعوبة تنفيذها إلا أنها باتت اليوم بفضل التطور الذي تشهده المملكة جعل منها تجربة مميزة.

وللحديث بقية في المدينة المنورة

[email protected]

 
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: