Close ad
11-3-2024 | 14:01

ونحن نستنشق بواكير نفحات الشهر الفضيل - أعاده الله علينا بالخير والبركات – ممتزجة بنسمات الربيع الذي أوشك على الحضور، تنضح بدواخلنا حالة روحانية بمثابة مهدئات نفسية، ليس لكونه شهر الكرم والبركة والخيرات فحسب، ولكنه شهر "البونس" أو تحصيل الأرباح، ورغم أن المقولة الشهيرة للمصريين "كل أيام ربنا خير" إلا أن هذه الأيام لها عبق خاص جدًا لا يقتصر على الالتزام بالعبادات وإعمار بيوت الله ومساجده، ولكنه شهر تعديل المسار، والسعي لتحقيق أعلى معدلات الربح وتحقيق المكاسب، وبالطبع ليست المادية، ولكن الإنسانية وتحصيل المزيد من الحسنات لعلها تذهب السيئات، وتتيح لنا فرصًا أكبر للالتحاق بالجنة.

فلا أحد يعاني من ضيق العيش والجوع في مثل هذه الأيام، ويحرص السواد الأغلب على تقديم ما لذ وطاب من الصدقات وإطعام الطعام وشنط رمضان وموائد الرحمن وصولًا إلى الزكاة بنهاية الشهر الكريم، وحين نمعن النظر في انعكاسات هذه الأيام المباركة سوف نصل إلى يقين أن الخير كلما زاد بين البشر وانتشرت أعماله، حلت البركات على الرزق والوقت والأعمال والصحة وشتى المقاصد، وكأن عطور الإنسانية المشبعة بالخيرات تلك تتكثف وتخترق طبقات الغلاف الأرضي في محاولة لفتح أبواب السماء.

حالة من الراحة والسكينة تسكن القلوب، وإحساس بالمودة والحب يكسو الوجوه، رائحة الجو ذاتها تختلف عن مثيلاتها في أيام العام الأخرى، وكأنها ممزوجة بروائح الأطعمة الشهية مع شهيق الرحمة وزفير الخير، وزينة الشوارع وأنوار البيوت وأصوات المساجد، الدفء الأسري وتواصل الأرحام والصحبة الحلوة، جميعها حالة استثنائية خاصة جدًا، تجبرنا على التشبث بهذه الفرصة حتى لا ينصرم الشهر دون جدوى.

وحتى تكتمل الرؤية فهناك بعض الجهات والمؤسسات والأشخاص يقومون بالاستغلال الخبيث لهذا الشهر الفضيل، من خلال طرق أكثر خبثًا لاستثارة المشاعر والجيوب أيضًا، وتتحول بعض إعلانات الخير إلى ستارة باهتة ثقيلة على قلوب المشاهدين، وقد تصل إلى حد الاستفزاز، بالإضافة لجشع بعض التجار وبارونات السوق على طريقة أغنياء الحرب الذين لا ترى أعينهم إلا الثروات وجمع المال، دون أدنى نظر للإنسانيات والروحانيات، وكأن قلوبهم مغشي عليها من فرط الطمع.

ولكن كما أخبرنا رسولنا الكريم "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" والصراع قائم دائمًا بين الخير والشر منذ هابيل وقابيل إلى الآن، فمنذ عدة أشهر أرسلت طفلة "كارت شحن" قيمته عشرة جنيهات إلى هبة راشد مؤسسة جمعية مرسال الخيرية تبرعًا لمشروع إنشاء حضانات لحديثي الولادة وقررت "راشد" جبرًا لخاطر هذه الطفلة إقامة مزاد على الكارت من خلال صفحتها على الفيس بوك، وخلال ساعات قليلة حدثت المفاجأة وبلغت قيمة الكارت في "مزاد الخير" عشرة ملايين جنيه، ليصبح بقدرة قادر أغلى كارت شحن في مصر ودول الجوار.

وتكررت هذه النوعية من المزادات على تبرعات أخرى من المواطنين شملت فساتين زفاف بعض العرائس وحقائب جلدية وجنيهات ذهبية، وخلال شهر رمضان الحالي تنوي الجمعية إقامة مزاد على "تي شيرت" للنادي الأهلي يحمل توقيع جميع لاعبي الفريق، ويتوقع أن يصل ثمنه إلى مبلغ خيالي أيضًا.

ومن هنا أحببت أن أقدم دعوة لقوى مصر الناعمة من نجوم وفنانين ورياضيين للمشاركة في مزادات الخير من خلال طرح بعض مقتنياتهم الخاصة، مثل ملابس أحد الأعمال الدرامية الشهيرة مثلا، أو كلاسيكيات السينما المصرية، أو طقم رياضي في أحد الماتشات المهمة في تاريخ مصر، ويفتح عليها مزاد لأعلى سعر يخصص للأعمال الخيرية المختلفة بعيدًا عن الحروب الاستعراضية التي يتبارى فيها الجميع لإظهار ممتلكاته وسياراته ومجوهراته وطياراتهم الخاصة وخلافه، وبعد عمر طويل تذهب كل تلك الممتلكات أدراج الرياح أو تسقط في فخ نزاعات الورثة دون جدوى، وربما على أفضل تقدير يتم تجميعها بين أربعة جدران تحت مسمى "متحف" فلان الفلاني، لكن ما سيمكث فعلا هو الخير الذي لا تذروه الرياح وتظل ثماره يانعة تسر الباصرين والمستفيدين.

فعلموا أولادكم أن ما يحصلون عليه من رزق ليس حكرًا عليهم، بل لغيرهم نصيب فيه، وهذا هو الاستثمار الذي يعلي قيمة الفائدة، وأن احتكار المال إلى زوال.

كلمات البحث