Close ad

الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد يكشف أسرار «عتبات البهجة»| حوار

10-3-2024 | 22:56
الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد يكشف أسرار ;عتبات البهجة;| حوار الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد
حوار - مصطفى طاهر

على الطريق ما بين عروس المتوسط الإسكندرية والعاصمة القاهرة، تشكلت حياة الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد، وتقاطعت مع كل نواحي الحياة الإجتماعية والثقافية والسياسية في مصر، وبقدر صعوبة الرحلة التي قطعها رجل الترسانة البحرية في الورديان صعودا إلى قمة المشهد الأدبي والروائي المصري والعربي، جاءت إبداعاته الادبية لتشكل غنيمة لمحبي القراءة، وكنزا ثريا لصناع الدراما، عبر ببساطة عن تحولات مجتمع هادر.

موضوعات مقترحة

"بوابة الأهرام" حاورت الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد حول روايته "عتبات البهجة" التي تتصدر المشهد الدرامي في رمضان هذا العام، مع قيام الفنان الكبير يحيى الفخراني في تقديمها من خلال مسلسله التلفزيوني الجديد الذي يحمل نفس عنوان الرواية.

عن الرواية: 

بطل "عتبات البهجة" رجل جاوز الخمسين من عمره، يتأمل ما مضى من حياته، يحاور نفسه ويسأل صديق عمره ونظيره في السن: لماذا كلما اقتربت منَّا البهجة ابتعدت عنَّا؟ فيرد صديقه قائلا: إن الوقوف على عتبات البهجة خير من الدخول إلى البهجة نفسها؛ لأنك إن دخلت إليها قتلتك وأهلكتك. هكذا، وعبر سرد حميم ومشوِّق، سيصحب القارئ هذا الرجل الخمسيني في رحلته بحثا عن البهجة.

ويتساءل الراوي- عبر فصول الرواية التي استهلَّ كل واحد منها بسؤالين يبدآن بكيف، ولماذا؟- عن أمور يعرف أنه لن يجد لها إجابة؛ فضياع البهجة أو افتقادها قد يحدث مرة أو اثنتيْن في المجتمع ويمضي، لكننا في بلادنا هذه كلما صادفتنا البهجة، ضاعت منّا ولا تعود، ويكون علينا دائما وفي كل مرة أن نبحث عنها من جديد.

كيف جاءت فكرة رواية "عتبات البهجة"؟

مع بداية الألفية الثالثة واظن عام 2003 كنت في هذا الوقت أعاني من آلام الشريان التاجي في بدايتها، والتي اقتضت – حسب تعليمات الطبي – أن أنقص وزني وأمشي كل يوم ثلاث كيلومترات على الأقل، وكان يزورني صديقي شاعر العامية الجميل محمد كشيك، وأزوره في الوراق قريبًا مني، في هذا الوقت لم أكن قد انتقلت لحدائق الأهرام وكنت أسكن في منطقة أرض الجمعية.

كان محمد كشيك مولع بمعرفة الادوية والنباتات والعطارة وغيرها، كثير الدخول على مواقع الانترنت يتابع هذه الأشياء، وقال لي أنه يحتاج للمشي رغم أنه ليس مريضًا، وهكذا كان يأتي إلي فنخرج معًا مشيًا على الأقدام حتى ميدان الكيت كات، وفي ميدان الكيت كات كانت هناك حديقة لم أفطن لوجودها، رغم مروري على المكان لعشرين عامًا أو يزيد، أو فطنت لوجودها لكنها لم تشكل لي أهمية لصغرها، ومن ثم تعودت أن أمر عليها دون اهتمام سواء كنت اقود سيارتي أو بدونها، والمسافة من البيت للكيت كات ليست قصرة، وتزيد على 3 كيلومترات، وكنا نعود مشيًا أيضًا، وكثيرا ما كنا ندخل منطقة المنيرة شديدة الزحام ومنها على أرض عزيز عزت حيث باعة السيراميك وسوقه، ومنها إلى الكيت كات ثم الحديقة، المهم أننا نمشي سواء في اتجاه واحد على كورنيش النيل، أو خبط عشوائي، كنا نمشي والسلام، نراقب ما يحدث حولنا ونعلق عليه ونضحك، خاصة وأن تعليقات محمد كشيك كلها غير متوقعة وخارجة عن حدود العقل العادي.

أشار لي أول يوم خرجنا فيه أن نجلس في الحديقة، ونرتاح قليلا قبل العودة إليها مشي أيضًا، ودخلنا إلى الحديقة الصغيرة الخالية من الناس، ربما ثلاثة فقط يجلسون بعيدا عن بعضهم منسيين أو نسيهم الزمن، وبائعة للشاي وقريبا منها بائعة اللب والفول السوداني، وكانت بائعة الشاي امرأة ضخمة الجسم سوداء ترتدي جلبابا أسود أيضًا، طلبنا منها كوبين من الشاي طلبهما محمد قائلا لي:" مينفعش نقعد هنا من غير ما ننفعهم"، وبعد لحظات لمحنا فتاة جميلة شديدة البياض تأتي إلينا بالشاي – الذين يعرفون محمد كشيك يعرفون انه لا يمكن ان يجلس صامتًا، سألها:" إنتي بيضا والست الكبيرة سودا، انتي بتشتغلي عندها؟"، فضحكت الفتاة وقالت أنا بنتها، أشار محمد للمراة الكبيرة – في حوالي الخمسين- وقال لها:" البنت دي بتضحك علينا وبتقول انها بنتك .. ازاي"، كل ذلك وانا اكتم الضحك، وقالت المراة ان أباها ابيض، وبعد قليل رأينا طفلا اسود يجري في الحديقة وتناديه البنت البيضاء، فقال لها محمد:" اياك تقولي انه ابنك"، فضحكت الفتاة وقالت: هو ابني فعلا وابود اسود البشرة"، وضحكنا من هذا التناقض الغريب بين البنت وامها وابنها ويوما بعد يوم تعودنا عليهما وعرفنا اسرار حياتهما، كل ذلك كان يمر بي عاديا ولأني اتبعت رجيما في الأكل فكان كشيك يدخل على المواقع الالكترونية ويحدثني عما هو مفيد للقلب، واقترح علي الذهاب لمحل "حرَّاز" بباب الخلق لنشتري عسل النحل الجبلي، وغيره من الأعشاب الطبيعية، وكانت تحدث حوارات مربكة بينه وبين الباعة وبين ابن صاحب المحل . والرواية لا تخايلني ولا كتابتها.

إذن لماذا كتبت الرواية؟

في أحد الأيام وأنا جالس لوحدي في البيت رحت اشاهد فيلم " عربة اسمها الرغبة" وكان فيلم لجيسيكا لانج وإليك بالدوين، ورحت أشاهد الفيلم حتى وصلت إلى نهايته وعربة الإسعاف تأتي لتحمل جيسيكا لمستشفى الأمراض العقلية، وهي تقول لطبيب الإسعاف :كنت انتظرك من وقت طويل يا حبيبي"، لقد أحاطها كل الأشرار في الفيلم والمسرحية العظيمة لتنيسي ويليامز، وجدت نفسي أبكي، أجل ابكي من أجل جيسيكا لانج  وبدأت أفكر في كتابة الرواية، بل بدأت كتابتها على الفور.

أعجب ما في الرواية هو أنني وجدت نفسي أقفز فصلين لا أكتبهما، وانتقل للفصل التالي لكل منهما، أصبحت الرواية واضحة امامي، وصرت على يقين أنني سأكتبها وتكتبني.

كان فيهما فصل أكثره حديث عن الأعشاب والعلاج بها، المعلومات امر سهل، وأرجأت هذا الفصل لأذهب لمحل "حرًّاز" وذهبت مع محمد كشيك وكتبت بعض اساء العقاقير العشبية، ووتركته يتحدث مع الباعة بينما أراقب انا الداخلين والخارجين وأسماء بعض العقاقير ثم وقفت لننصرف، لم يطل الوقت وعدت وكتبت الفصل الذي تركته خاليا. أما الفصل الثاني فكان فيه حديث عن الكلاب وأنواعها، عرفتها من الانترنت وكتاب صغير عن الكلاب، لكني كنت في حاجة للذهاب لسوق الكلاب لأدخله صامتا وأخرج كما فعلت في محل الأعشاب وذهبنا انا وكشيك إلى سوق السيدة عائشة، سوق الكلاب صغير ودخلت وظللت لأكثر من عشرة دقائق صامتا، وكان كشيك يتحدث ويسأل أسئلتي من دون ان يدري. وجاءت نهاية الرواية بشكل عجيب لم اتوقعه . فبعد الجولة في سوق السيدة عائشة جلست في مقهى، وكنت أجلس أنا وكشيك كعادتنا،  أثناء جلستنا لنشرب الشاي هل علينا رجل ضخم يرتدي الجلباب البلدي وعمامة فوق رأسه وألقى السلام وحدثني مباشرة بعد أن رددنا السلام:" مش عايز يا بيه واحدة ست تشتغل عندك في البيت شغالة أو خفير للعمارة بتاعتك؟".

كان يحدثني أنا، وعلى الفور رأيت محمد كشيك ينظر إليه نظرة دهشة ويتردد في الكلام، وتحدثت وقلت:" متأسف لأني معنديش عمارة وبالتالي لا أحتاج لحارس ولا لشغالة، وإذا بمحمد كشيك قبل ان يتكلم الرجل يقول له:" انت بتشتغل ايه"، فأجاب:" عامل على باب الله"، ورد كشيك:" انت باين عليك شيخ منسر"، واندهشت من إهانته للرجل الذي بدوره اخرج بطاقته الشخصية وقدمها لنا يقول:" دي بطاقتي يا بيه وده اسمي وعنواني"، وامسك كشيك بالبطاقة وراح يضحك:" اسمك أبو صفيحة"، فقال الرجل:" اسم العيلة يا بيه لكن انا اسمي محمد"، وأمسكت بالبطاقة وراعني الاسم الذي ينتهي بابي صفيحة وابتسمت وطلبت للرجل شايا وجل الرجل، وما كاد ينتهي حتى منحته 20 جنيها، وشكرني ودعا لنا وانصرف، هذا الرجل منحني نهاية الرواية التي كنت متحيرا فيها، كنت افكر أن يشتري كل من أحمد وحسن بطلا الرواية كلبين ويمشيان في الطرقات وقد وضع كل منهما نظارة على عينيه كأنهما كفيفين تهديهما الكلاب، الآن انتهت الرواية بهما يشتريان الكلبين ويعطيانهما لأبي صفيحة المسكين الذي قابلاه على المقهى ليربيهما ويبيعهما ويستفيد من ثمنهما، ويستمر في تجارة الكلاب.

سؤال الرواية هو لماذا كلما اقتربت منا البهجة ابتعدت عنان ليرد حسن شخصية الرواية على هذا السؤال، أن الوقوف على عتبات البهجة خير من الدخول إلى البهجة نفسها لأنك إن دخلت إليها قتلتك وأهلكتك فيفكر أحمد قائلا:" لم اقتنع بكلامه لكني كالعادة صدقته، ومشينا صامتين".

الرواية كلها مواقف لا يصل البطل إلى نهايتها وتنتهي على عكس ما أراد وبسرعة كل شيء، الحب والجنس وغيرها". وبالمناسبة كان محمد كشيك رحمه الله أول قارئ للرواية قبل نشرها.

ما هو شعورك مع قيام الفنان يحيي الفخراني بتقديم الرواية في مسلسل تلفزيوني؟

- سعيد جدا طبعا وأتمنى أن يلتفت المنتجون للرواية في مصر فالسينما قامت على الرواية وهذا ينقصنا الآن كثيرا. هناك روايات كثيرة لكتاب كثيرين تستحق أن تتحول لأفلام ومسلسلات. ويحيي الفخراني قيمة كبيرة في الفن وأسعد الملايين عبر السنين بأعمال عظيمة من الأفلام مثل خرج ولم يعد وللحب قصة أخيرة و الاقزام قادمون وعودة مواطن وغيرها كثير كذلك مسلسلات رائعة مثل ونوس والخواجة عبد القادر وزيزينيا وليالي الحلمية وشيخ العرب همام . ومن ثم هو اضافة رائعة. يحيى الفخراني بهجة الفن وسيظل بهجة الفن إلى الأبد. محبتي له تاريخ وسعادتي به تفوق كل خيال.

اقتربت المسافة بين الرواية والسينما والدراما.. كيف ترى هذا المشهد حاليا؟

-الرواية لغة والسيناريو صورة. مقتضيات الصورة تختلف. لا أحب المقارنة بين أي عمل أدبي وعمل سينمائي أو تليفزيوني. الحكم علي الرواية من لغتها وشكلها الأدبي، والحكم على المسلسل أو الفيلم من الصور وتتابع المشاهد ومعانيها وغير ذلك كثير. كما أن المسلسل أو الفيلم يخضع للرقابة بينما في الرواية حرية كبيرة. مسألة المقارنة بين الفيلم أو المسلسل والرواية لا أقف عندها ولا أهتم بها. هكذا مثلا كان نجيب محفوظ وغيره من كتاب العالم. أنا مسؤول عن روايتي أما الفيلم أو المسلسل فمسؤولية السيناريست والمخرج والمنتج والممثلين والمصور والموسيقار الخ . وأدوات الصورة غير أدوات الأدب.  

يذكر أن إبراهيم عبد المجيد ولد في 2 ديسمبر عام 1946م الإسكندرية،  حصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1973م،  في نفس العام رحل إلى القاهرة ليعمل في وزارة الثقافة

له العديد من الإنتاجات الأدبية البارزة، منها  «ليلة العشق والدم»، «البلدة الأخرى»، «بيت الياسمين»، «لا أحد ينام في الإسكندرية»، «طيور العنبر»، و «الإسكندرية في غيمة»، كذلك نشرت له خمس مجموعات قصصية وهم «الشجر والعصافير»، «إغلاق النوافذ»، «فضاءات»، «سفن قديمة»، «وليلة انجينا»، وقد ترجمت روايته «البلدة الأخرى» إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، كما ترجمت روايته «لا أحد ينام في الإسكندرية» إلى الإنجليزية والفرنسية، و«بيت الياسمين» إلى الفرنسية، بالإضافة إلى ترجمة العديد من الأعمال الأخرى لعدة لغات.

توج بالعديد من الجوائز، منها جائزة النيل 2022، جائزة نجيب محفوظ للرواية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عن «البلدة الأخرى» عام 1996م، جائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب لأحسن رواية عن «لا أحد ينام في الإسكندرية» عام 1996م، جائزة الدولة للتفوق في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2004م، جائزة الدولة التقديرية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة عام 2007م،  جائزة كتارا للرواية العربية عن فئة الروايات المنشورة عن روايته (أداجيو) عام 2015م.


مسلسل عتبات البهجةمسلسل عتبات البهجة

رواية عتبات البهجةرواية عتبات البهجة
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة