Close ad

المحروسة وأحلام العمر

5-3-2024 | 16:51
الأهرام المسائي نقلاً عن

عاود ذات الحلم الفتى سانتياجو لأكثر من ليلة؛ يرى فيما يراه النائم أنه يُنقب عن كنزٍ مدفون أسفل أهرامات الجيزة، باع أغنامه وهجر الكنيسة المهدمة التي آوته لسنوات طويلة، والتي كثيرًا ما استظل ونام تحت شجرة الجميز بها.

عبر سانتياجو البحر إلى الشاطئ المقابل بالمغرب، ومن هناك أكمل رحلته مع القافلة بمحاذاة ساحل البحر المتوسط صوب مصر.

صبر من أجل حلمه على ما واجهه من اختبارات وتعلم من كثيرين؛ أخبره الحكيم أنه عندما يريد شيئًا ما بإخلاص فإن العالم يتكاتف معه، وعرف أن الحب لا يحتاج مبررات، "إننا نحب لأننا نحب.. ليس هناك سببٌ للحب"، قالت له حبيبته فاطمة.

وهناك.. وبينما هو منهمك في الحفر عند سفح الهرم فوجئ بفارسين ملثمين يقفان عند رأسه، لكزه أحدهما بقسوة وسأله عما يفعل؛ فأخبره أنه ما جاء إلا بحثًا عن حلمه، فيجبراه على الحفر أكثر وأكثر، لكن دون جدوى حتى إذا ما يئسا وهما بالرحيل قص عليه أحدهما متهكمًا أنه منذ عامين تكرر عليه حلم رأى فيه أنه وجد كنزًا مدفونًا أسفل شجرة جميز عتيقة داخل كنيسة قديمة في الأندلس، وأنه لم يكن من الغباء ليرحل خلف سراب حلم، وهنا أدرك سانتياجو أنه وجد الكنز، فهناك وحيث كان يدوس بنعليه يقبع كنزه.

في المقابل، قص أحمد ابن طولون (835 – 884) على أمه أنه رأى في الحلم أنه يحكم مصر، كان وقتها طفلاً يعيش في كنف أمه وأبيه في بخارى، فتعيش أُمه تذكره بالحلم وتدفعه للأمام، بوفاة والده كلفه الخليفة العباسي المتوكل برئاسة الحرس وترقى حتى عُهد إليه إدارة أعمال مصر ونواحيها، لتبدأ رحلته في بناء الدولة الطولونية.

ويجد المتأمل في حياة ابن طولون أن حياته كانت سعيًا دؤوبًا لتحقيق سلسلة أحلام لا تنتهي، بدأت بتولي الحكم فبناء مدينة القطائع وفيها مسجده الأشهر، حتى أن الروائية ريم بسيوني عنونة الجزء الثاني من ثلاثيتها (القطائع)، والذي تناولت فيه سيرته (حلم أحمد).

كذلك، عاشت أم محمد علي باشا ترعى وحيدها على أمل تحقيق حلم راودها قبل ميلاده عدة مرات، رأت فيه وليدها القادم يصعد على ظهر فرس طريقًا وعرًا شديد الانحدار، حتى إذا ما وصل للقمة جلس على كرسي مطلي بالذهب وبيده سيف، وقد كان.

وفد محمد علي (1769-1849) عام 1801 ضمن كتيبة الأرناؤوط التي أرسلها الوالي العثماني إلى مصر. بانسحاب الحملة الفرنسية في ذات العام انقسمت السلطة السياسية بين المماليك، فرقة تميل للإنجليز بقيادة محمد بك الألفي، وأخرى للسلطان العثماني بقيادة إبراهيم بك الكبير، ومع تمكن محمد علي من هزيمتهما واندلاع ثورة الشعب ضد الوالي أحمد خورشيد باشا وعزله، اختاره زعماء الشعب بقيادة عمر مكرم؛ نقيب الأشراف، لتولي الحكم، مما اضطر السلطان العثماني لإصدار فرمان بذلك.

من بين آلاف الأحلام بدلت ثلاث منها حياة سانتياجو، وابن طولون، ومحمد علي، الأول صنعه الروائي البرازيلي باولو كويللو في تحفته الأدبية، الخيميائي، ليبرهن على غفلتنا لما تحت أقدامنا من كنوز.. بينما غَيَرَ الحلمين الأخيرين وجه المحروسة.

كانت المحروسة –وستظل- في الواقع قبل الأحلام قبلةً ومقصِدا.. كابد الكثيرون من أجلها، وصبروا أيضًا من أجلها، فسجلت أسمائهم على جدران الزمن.

الأحلام وقود الشغف.. يكفي كل شخص حلم واحد يعيش من أجله.. يقول الشاعر (لو بطلنا نحلم نموت).. فبالأحلام يُصاغ المستقبل.. فإن عَزَت أحلام النوم نسجنًا للمحروسة من حرير أحلام اليقظة نهرًا وسهلاً وشمسًا، حفظ الله الوطن.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: