Close ad

فنلندا والسويد فى «الناتو».. لحظة تاريخية فى المشهد الأمنى الأوروبى

3-3-2024 | 22:39
فنلندا والسويد فى ;الناتو; لحظة تاريخية فى المشهد الأمنى الأوروبىالناتو
رشا عامر
الأهرام العربي نقلاً عن

«مرحبًا بكم فى المجر»، بهذه الكلمات، أعلن رئيس الحكومة المجرية فيكتور أوربان، موافقته على انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلنطى (الناتو)، حيث كان آخر زعيم أوروبى لم يصدق على عضوية السويد فى حلف شمال الأطلنطى، لكن جاءت موافقته يوم الجمعة 23 فبراير، بعد اجتماع مع نظيره السويدى أولف كريسترسون، لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصلت المسألة إلى تأكيده على أن البلدين مستعدان للقتال والتضحية بحياتهما من أجل بعضهما البعض.

موضوعات مقترحة

إنها ميلودراما بدأت منذ ما يقرب من عامين، وتم عرض الفصل الأخير منها فى بودابست، حيث ستتمكن السويد أخيرًا من الانضمام إلى حلف شمال الأطلنطى (الناتو)، كما طلبت منذ مايو 2022، أى اليوم التالى للحرب الروسية - الأوكرانية، لكن للوصول إلى هناك، كان عليها أن تقدم تعهدات للمجر التى وصفت نفسها بأنها مع السلام، بينما السويديون يؤيدون الحرب فى الصراع الروسى - الأوكرانى، لكن بعد ملحمة عنيفة أبدى فيكتور أوربان دعمه للترشيح السويدى.

نقطة تحول إستراتيجية

 القرار الذى اتخذته السويد بالانضمام إلى منظمة حلف شمال الأطلسى، يعكس تحولاً عميقاً فى سياسة الحياد التى تنتهجها، وفى وقت يشهد فيه العالم زيادة فى التوترات الجيوسياسية، خصوصا فى ظل الحرب فى أوكرانيا، ويمثل لحظة تاريخية وإستراتيجية فى المشهد الأمنى الأوروبى. فلقد اتخذت السويد، الدولة المشهورة بحيادها منذ قرون، خطوة حاسمة من خلال تقديم طلبها إلى الناتو فى مايو 2022، بالاشتراك مع فنلندا. ويمثل هذا النهج، المدفوع بالسياق الأمنى‪ المتوتر فى أوروبا فى أعقاب الحرب الروسية - الأوكرانية، تغيراً كبيراً فى العقيدة الأمنية السويدية. فتاريخياً، اتبعت السويد مسار عدم الانحياز العسكرى الذى استمر لأكثر من مائتى عام، ومع ذلك، فإن التهديد المتزايد على حدودها، وفى منطقتها المباشرة دفع البلاد إلى إعادة النظر فى موقفها.

لم يكن اندماج السويد فى حلف شمال الأطلسى طريقاً سلساً، وفى حين سارع أغلب أعضاء حلف شمال الأطلسى إلى دعم الترشيح السويدى، أبدت المجر تحفظات مرتبطة بالانتقادات التى وجهتها السويد بشأن سيادة القانون فى المجر، مما أدى إلى تأخير عملية الانضمام.

عضوية السويد فى حلف شمال الأطلسى، ليست بالأمر الهين على الإطلاق، وهو ما يعكس زيادة الوعى بالتهديدات الأمنية فى منطقة البلطيق وخارجها، ومن خلال الانضمام إلى حلف شمال الأطلسى، لا تعمل السويد على تعزيز أمنها فحسب، بل تسهم أيضًا فى استقرار أوروبا والدفاع الجماعى عنها، ومع عضوية السويد وفنلندا، يعمل حلف شمال الأطلسى على تعزيز وجوده فى منطقة الشمال، وهو القطاع الجغرافى الإستراتيجى الذى يواجه روسيا.

وبرغم أن السويد حافظت على موقف الحياد، فإنها لم تقف مكتوفة الأيدى فى مواجهة التحديات الأمنية، وقد شاركت البلاد بانتظام فى مهام وتدريبات الناتو، مما يدل على تعاونها الوثيق مع الحلف، فإن العضوية الرسمية فى منظمة حلف شمال الأطلنطى، تعنى ضمناً التزاماً أعمق واندماجاً فى آليات الدفاع الجماعى، الأمر الذى يتطلب التكيف من جانب المؤسسة العسكرية السويدية، وقد تعهدت السويد بالفعل بتحديث قواتها المسلحة، من خلال زيادة إنفاقها العسكرى والاستثمار فى معدات جديدة.

توازن إقليمى

إن توسيع حلف شمال الأطلسى، بانضمام السويد (وفنلندا) يؤدى إلى تعديل التوازن الأمنى‪ فى منطقة البلطيق، وفى مواجهة روسيا. وينظر البعض إلى هذا التوسع فى حلف شمال الأطلسى، على أنه عامل ردع إضافى ضد الطموحات الروسية، بينما يرى البعض الآخر أنه يمثل خطرًا لتصعيد التوترات، لقد أصبحت السويد، بفضل جيشها القادر وموقعها الإستراتيجى، لاعباً رئيسياً فى الدفاع الجماعى عن شمال أوروبا.

ويرمز انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلنطى، إلى نقطة تحول كبرى فى السياسة الأمنية الأوروبية، فهو لا يعكس التحديات الأمنية الحالية فحسب، بل يعكس أيضًا التصور المتطور للحياد والمشاركة العسكرية، وبينما تستعد السويد للاضطلاع بدور أكثر نشاطاً فى الدفاع الجماعى، تكتسب أوروبا ميزة إضافية فى سعيها إلى تحقيق الاستقرار والأمن، فاندماج السويد فى حلف شمال الأطلنطى يشكل موضوعاً معقداً ومتعدد الأوجه، وهو ما يوضح ديناميكيات القوة والمخاوف الأمنية فى عصرنا هذا، وهو يثير تساؤلات مهمة حول مستقبل الأمن الأوروبى، ودور التحالفات العسكرية فى الحفاظ على السلام والاستقرار، والقرار الذى اتخذته السويد بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسى، بدعم من مواطنيها وحلفائها، يبرهن على استعدادها للمشاركة بنشاط فى الدفاع الجماعى، وبالتالى تأكيد دورها فى البنية الأمنية الأوروبية والعالمية.

< لماذا أنهت السويد وفنلندا وضعهما المحايد؟

أنهى الصراع الروسى - الأوكرانى “الحياد التاريخى” لفنلندا والسويد. وقد نجح هذا المبدأ فى إبعادهما عن الصراعات والحروب لعدة عقود، وعلى الرغم من اختلاف الأسباب التى دفعتهم إلى البقاء على الحياد، فإنهم جميعا لديهم علاقة مباشرة مع روسيا.

اختارت السويد اعتماد سياسة الحياد منذ بداية القرن التاسع عشر، بعد تعرضها لهزيمة مؤلمة خلال الحروب النابليونية، تسببت هذه الحروب بشكل خاص فى خسارة العديد من الأراضى، بما فى ذلك فنلندا، التى أصبحت تحت السيطرة الروسية وفى عام 1939، كان غزو الاتحاد السوفيتى لفنلندا بمثابة صدمة حقيقية، تمكنت القوات الفنلندية من وقف تقدم الجيش الأحمر، لكنها فقدت كاريليا، أو 10% من الأراضى وعلى الرغم من امتناعها عن التوقيع على الاتفاقية الثلاثية، فقد اختارت فنلندا التحالف مع ألمانيا النازية، وهى مقامرة انتهت بخسارة المزيد من الأراضى وفى نهاية الحرب العالمية الثانية، وافقت موسكو على احتفاظ فنلندا باستقلالها، وألا تكون جمهورية سوفيتية ولا دولة تابعة. لكن بشرط واحد: “الحياد العسكرى والدبلوماسى الصارم”.

لذلك كان الحياد مفروضًا، فهذه “الفنلندية” تعنى “عدم الانحياز”، حيث وافقت هلسنكى على أن تكون دولة محايدة مقابل الحفاظ على استقلالها السياسى، وبعد الحرب الباردة سمح وضع الحياد لدولتى الشمال بالحفاظ على علاقات جيدة مع الغرب والكتلة السوفييتية، ولكن بعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتى، تحول كلا البلدين نحو الغرب. وعلى الرغم من انتهاك “الحياد السياسى”، فإن “الحياد العسكري” كان لا يزال سارى المفعول، وبرغم المناورات العسكرية المتكررة التى نفذتها مع حلف شمال الأطلسى، لم تشعر فنلندا والسويد بالتهديد بشكل خاص من قبل موسكو، لكن ضم شبه جزيرة القرم فى عام 2014، والصراع الروسى - الأوكرانى، أثارا قلقا شديدا فى ستوكهولم وهلسنكى، وصل إلى اتهام موسكو بالرغبة فى إعادة رسم الحدود من خلال السيطرة على الأراضى، التى كانت تحت سيطرتها.

ومنذ غزو أوكرانيا، تعالت الأصوات بوضوح لعضوية منظمة حلف شمال الأطلنطى فى كلا البلدين وسرعان ما صدق برلمانهما على طلب عضوية الناتو، وكان الهدف الواضح هو الحصول على حماية فاعلة فى حالة وقوع هجوم روسى.

< لماذا يعارض الروس بشدة هذه العضوية؟

يشعر الروس بالغضب، لأنهم يعتبرون الناتو منظمة عسكرية معادية ومهددة، ولا يمكنهم تحمل فكرة أن جيرانهم المباشرين يمكن أن يستضيفوا قواعد عسكرية أمريكية، وهذا هو السبب الرئيسى لصراعهم مع أوكرانيا التى أرادت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، وحلف شمال الأطلسى.

ولدى روسيا اليوم، حدود مشتركة صغيرة مع العديد من أعضاء الناتو. دولتان من دول البلطيق وبولندا، لكن بعد انضمام فنلندا أصبحت حدود بطول 1300 كيلومتر، ستتقاسمها روسيا مع أحد أعضاء الناتو، وتقع سانت بطرسبورج، ثانى أكبر مدينة فى روسيا، على بعد 170 كيلومترًا فقط من الحدود الفنلندية، وبالنسبة لهم، فهو تهديد، وتهديد قريب جدًا، ولذلك فما تطلبه روسيا هو أن يعود حلف شمال الأطلنطى إلى تشكيلته التى كان عليها فى عام 1997، أى قبل انضمام الدول التابعة له سابقاً، مثل بولندا ورومانيا وبلغاريا لكنها لن تحصل عليه، إذ لا رغبة لهذه الدول فى العودة، وهى لا تملك معارضة عضوية هذه الدول بما فيها السويد وفنلندا، لكنها تملك الإعلان عن عدم رضاها، حيث توقفت روسيا بالفعل عن توصيل الكهرباء إلى فنلندا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: