Close ad

الغرب يلوح بالتدخل المباشر وروسيا بالنووى.. سنة ثالثة من الحرب.. لا نصر.. ولا هزيمة

3-3-2024 | 23:47
الغرب يلوح بالتدخل المباشر وروسيا بالنووى سنة ثالثة من الحرب لا نصر ولا هزيمةصورة أرشيفية
أسامة الدليل
الأهرام العربي نقلاً عن

 

موضوعات مقترحة

قبل أن تبدأ الحرب الروسية - الأوكرانية عامها الثالث فى 24 فبراير الماضى بساعات، صرح نائب رئيس مجلس الأمن القومى الروسى، ديمترى ميدفيديف، بأنه لا يستبعد نشوب حرب نووية مع الغرب، بطريق الخطأ!  وبعد ذلك بساعات أيضا، أكد الرئيس الفرنسى، مانويل ماكرون، أن هزيمة روسيا ضرورية لأمن أوروبا، وما بين التصريحين الخطيرين مرت ذكرى عامين من الحرب الأكثر عجبا فى القرن الحادى والعشرين، حيث تتواجه قذائف الدبابات مع قذائف العقوبات، بنفس النتيجة التى انتهت إليها فى عامها الأول: لم ينجح أحد، لا روسيا انهزمت ولا العقوبات انتصرت!

كان ميدفيديف يتحدث إلى وسائل إعلام روسية، عندما قال إن تسليم طائرات (إف 16) إلى أوكرانيا قد يكون أحد أسباب الحرب النووية المحتملة، وأن موسكو لا تستبعد وصول قواتها إلى العاصمة الأوكرانية كييف، لتحقيق أهداف (العملية العسكرية الخاصة)، التى بدأت منذ عامين، وهى العاصمة التى وصلت القوات الروسية إلى ضواحيها فى بداية الحرب أصلا فى 24 فبراير 2022، وأضاف أن كييف هى (مدينة روسية) يحكمها أعداء روسيا، وأن نظام كييف يجب أن يسقط.

كان لافتا للنظر فى هذه التصريحات أنه وبرغم مرور 24 شهرا على هذا الصراع الذى تواجه فيه روسيا الغرب بأكمله على مساحة أوكرانيا، أن موسكو لا تعتبر هذا الصراع ( حربا)، وأنها لا تزال تتعامل مع الصراع كمجرد (عملية عسكرية خاصة للدفاع عن إقليم الدونباس)، وأن الهدف الإستراتيجى لهذه العملية لا يزال على حالة القضاء على النازيين الجدد فى أوكرانيا!

والأهم، أنه وبعد مرور عامين على الحرب، تعهد ميدفيديف بالانتقام للعقوبات الاقتصادية الجديدة، التى أعلن عنها الغرب ( 500 عقوبة جديدة تضاف إلى 12 ألف سابقة عليها)، إثر وفاة المعارض الروسى اليكسى نافالنى فى السجن، وكتب على حسابه فى منصة تليجرام: ينبغى أن ننتقم منهم بإثارة مصاعب للاقتصاد الغربى وتأجيج الاستياء العام حيال سياسات سلطات الغرب غير الفاعلة!
إلى الغرب من موسكو، وعلى بعد بضع ساعات، ومئات الأميال، كان الرئيس الفرنسى، يختتم مؤتمرا دوليا فى باريس، لدعم أوكرانيا بحضور أكثر من عشرين من القادة الأوروبيين، وقال فى كلمته إنه ليس من المستبعد إرسال قوات برية غربية، لتحقيق هدف أوروبا المتمثل فى إنزال هزيمة بموسكو، وقال بالحرف: نحن مقتنعون بأن هزيمة روسيا ضرورية للأمن والاستقرار فى أوروبا، سنفعل كل ما يلزم لضمان عدم تمكن روسيا من الفوز فى هذه الحرب، مشيرا فى الوقت ذاته إلى ضرورة إنشاء تحالف جديد لتزويد أوكرانيا بصواريخ وقذائف متوسطة وطويلة المدى.

وما بين الاثنين وفى اليوم نفسه، خرج الرئيس الأوكرانى على العالم ليحتفى بمراسم الذكرى الثانية لبدء الحرب الروسية على بلاده، إلى جانب رؤساء وزراء كندا وإيطاليا وبلجيكا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الذين حضروا إلى كييف لإحياء هذه المناسبة، ليقول: نحارب لأجل ذلك منذ 730 يوما من حياتنا، سننتصر فى أفضل يوم فى حياتنا، أى شخص طبيعى يريد نهاية للحرب، لكن لا أحد منا سيسمح بنهاية أوكرانيا، هذه الحرب ينبغى أن تنتهى بشروطنا مع سلام عادل.

كان زيلينسكى يعانق القادة العسكريين، ويمنح أوسمة لجنود خلال المراسم التى أقيمت فى فناء مطار جوستوميل فى كييف، وهو المطار الذى هاجمته القوات الروسية بالمروحيات فى الأيام الأولى للحرب، ووقف مباهيا بالمطار بقوله: قبل عامين واجهنا، قوة إنزال هنا بالنار وبعد عامين نلتقى هنا بأصدقائنا وشركائنا!   

وبعيدا عن جو الاحتفالات، أقر مسئولون غربيون لوكالة أنباء فرانس برس فى 27 فبراير، بأن روسيا قد تتفوق عسكريا فى الصراع فى العام الحالى 2024، مع نفاد الأسلحة والذخائر لدى الجانب الأوكرانى!
وهذه هى الحقيقة الوحيدة التى انتهت إليها هذه الحرب، بعد عامين كاملين، أزمة ذخائر فى أوكرانيا، وفى أغلب ترسانات الأسلحة فى الاتحاد الأوروبى، وتعثر آخر حزمة مساعدات مالية فى عهد الرئيس الأمريكى جو بايدن، لأوكرانيا تقدر بنحو 60 مليار دولار، لا تجد من يدعمها فى أروقة الكونجرس الأمريكى، وأعجوبة صغيرة أخرى عنوانها، إنهاك الغرب!
لكن يظل الأكثر إثارة، أن كل ما نحن فيه اليوم، كان متوقعا منذ عام بأكمله، وأن كل ما تم التحذير منه، تم تجاهله!

مع سبق الإصرار

قبل عام كامل، كانت كل تفاصيل الصورة التى باتت عليها الأوضاع اليوم فى الحرب الروسية الغربية على الأراضى الأوكرانية، منشورة على الملأ، ويعرفها القاصى والدانى.
ذلك أنه فى نهاية يناير من العام الماضى 2023،  كان الذين يتعهدون اليوم بإنشاء تحالف لإمداد كييف بالصواريخ والقذائف طويلة المدى، هم أنفسهم الذين تعهدوا بتزويد أوكرانيا بنحو 14 من دبابات تشالنجر البريطانية، و14 دبابة ليوبارد الألمانية، و31 دبابة أبرامز الأمريكية، وعدد غير محدد من دبابات لوكلير الفرنسية، فإن محصلة التعهدات بتوريد 380 دبابة غربية متطورة إلى ميدان القتال فى أوكرانيا، بحلول مارس من العام الماضى، ما كان بوسعه أن يغير شيئا فى ميزان القوى بمواجهة 1000 دبابة روسية، (من أصل 15500 تملكها موسكو تمثل 18 بالمائة من دبابات العالم)، عاملة على الأرض الأوكرانية، بما فيها دبابات من طراز تى 90 إم، الأكثر تطورا وتدريعا من الدبابة الأمريكية أبرامز التى – وبحسب مجلة نيوزويك الأمريكية، فى هذا الوقت - تحتاج إلى صهريج وقود يلازمها فى التحرك، وبالذات فى ظل انعدام ثقة الخبراء العسكريين الأمريكيين، فى قدرة أوكرانيا على توفير الوقود، ومع تنامى الدعوات الأوكرانية، بضرورة تزويدها بالطائرات الأمريكية الهجومية من طراز إف 16، ورفض الرئيس الأمريكى بايدن لهذه النداءات، وقد انتهى الكونجرس الأمريكى فى 2 فبراير 2023 الى إقرار حقيقة أن أوكرانيا، ليس بمقدورها تغيير الوضع على الأرض فى ظل هجوم روسى واسع ومحتمل للقوات الروسية بحلول الربيع، (وهو ما حدث فعلا، حيث فشل الهجوم الأوكرانى المضاد فشلا ذريعا، وتمكنت روسيا من الاستيلاء على إفدييفكا)، فضلا عما أكدته إفادة عسكرية من البنتاجون للكونجرس، باستحالة تحقيق مزاعم كييف فى استعادة شبه جزيرة القرم، تحت أى ظرف، وهو ما تحقق أيضا!
كانت 2023، هى السنة التى شهدت سقوط أكبر معرض للصناعات العسكرية الغربية، فى امتحان المواجهة مع السلاح الروسى على الأراضى الأوكرانية، والأهم سقوط حرب العقوبات الاقتصادية، ذلك أن القرار الروسى، الذى اتخذ فى العام الأول للحرب، ردا على تجميد أرصدة روسيا فى الغرب بمئات المليارات من الدولارات، وطردها من منظومة سويفت للتحويلات النقدية، هذا بأن تكون عملة الدفع بالروبل الروسى مقابل الغاز والنفط،  هذا القرار لا يزال ساريا، أى إن الغرب يشترى الروبل من بنك جازبروم، ويدفع ثمن وارداته من ( العدو الروسى )، الذى يلبى طلبات الخصوم الذين جمدوا أرصدته، ويلوحون بمصادرتها لإعادة إعمار أوكرانيا، التى تلقت من العالم كله مساعدات نقدية وعينية لأغراض مدنية وعسكرية بقيمة 130 مليار دولار، 50 مليار دولار منها من الاتحاد الأوروبى وحده، بخلاف 1.1 تريليون دولار تكبدها الغرب كله فى صورة حزم دعم للمواطنين الذين واجهوا معدلات تضخم غير مسبوقة، بحسب ما نشرته أول فبراير من العام الماضى، وكالة بلومبيرج.   
وفى 2023 أيضا، تأكدت كل الفرضيات الغربية بسقوط نظرية إسقاط روسيا، بالعقوبات الاقتصادية، بالضبط بنفس ما ذهب إليه الباحث الاقتصادى لدى رويترز (هوجو ديكسون)، الذى نشر تحليلا فى 30 يناير 2023 الماضى، بعنوان (محاولة تفليس روسيا قد تأتى بعكسها)، إذ قال: إن المزيد من العقوبات على روسيا، بعد عام يحمل مخاطر اقتصادية كبرى، وإن هذه المخاطر قد تقوض قدرة الغرب على مواصلة دعمها العسكرى الفاعل لأوكرانيا،  مشيرا إلى أن الإمدادات الغربية من الأسلحة لكييف بما فيها الدبابات قد تغير من قواعد اللعبة، لكن العقوبات لعبت دورا ضئيلا فى تقويض قوة بوتين، فلا هى حطمت اقتصاد روسيا، ولا دفعت بوتين للانسحاب.
والأخطر أن مقاطعة الغاز والنفط الروسى، أفضت لارتفاع الأسعار، ما منح بوتين ميزة، إذ ضاعفت فوائض روسيا، حتى بلغت 227 مليار دولار، فى 2022، فى حين أن انفلات التضخم العالمى جعل كل مواطنى الاتحاد الأوروبى، ينفقون مبالغ أكبر على مصادر الطاقة التى تأتى من مصدر بديل، ما أفضى لإيجاد عجز لدى حكومات الغرب التى قررت تقديم حزم دعم لمواطنيها، وحدوث تجاذبات وتوترات بين الدول، التى يمكنها تحمل ذلك العجز كألمانيا مثلا، وتلك التى لا يمكنها التحمل، ثم إن وضع سقف لسعر النفط الروسى، لم يفد أحدا سوى الصين، وهو أمر صعب للغاية بالنسبة لأوروبا، أن تستفيد القوة المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية من الطاقة الرخيصة، والأهم أن روسيا يمكنها رفع أسعار النفط عالميا بصورة لا يمكن تحملها، بمجرد التلويح بتقليص حجم إنتاجها،  ويتبقى أن تشديد العقوبات ومضاعفتها، لن يفضيا للإطاحة ببوتين من السلطة، فالدروس لا تزال قائمة فى دول مثل إيران وكوريا الشمالية، حيث لا يتزحزح أحد حتى لو عانت الشعوب، إن القلق الحقيقى الآن عنوانه هو الكساد، الذى يمكن أن يلحق بدول الغرب، القلق يحيط بمعدلات رفع سعر الفائدة، والتضخم والركود، وعجز الميزانيات، ومعها الشكوك بشأن التداعيات السياسية، فالسياسيون من ذوى النزعات القومية من المتعاطفين مع بوتين، قد يجدون المزيد من المؤيدين على ضفتى الأطلسى، والخطر الأعظم أن ينتخب الأمريكيون العام المقبل رئيسا انعزاليا، وبالتالى يتوقف إمداد السلاح لأوكرانيا، وبالنظر الى هذه المعطيات، فإن محاولة تفليس روسيا لا تستحق المخاطرة.
غنى عن الذكر طبعا، أن أسهم ترامب ترتفع حاليا فى سباق الانتخابات الرئاسية المزمع إقامتها فى الخامس من نوفمبر المقبل، وهو ما يؤكد تماما كل فرضيات المخاوف التى ساقها المحلل الاقتصادى لوكالة رويترز، بشأن مستقبل الدعم الأمريكى لأوكرانيا، بخلاف أن الكونجرس الأمريكى لم يصادق حتى وقت كتابة هذه السطور، على حزمة دعم بالغة الأهمية لأوكرانيا بقيمة تتجاوز 60 مليار دولار، على خلفية التشاحن بين الجمهوريين والديمقراطيين، بشأن مزاعم فساد فى تمويل الحرب فى أوكرانيا!
لكن يظل لافتا للنظر أيضا، صدق توقعات المحلل الإستراتيجى الأسترالى الجنرال متقاعد، ميك رايان، فى تحليله الذى كتبه بعنوان (خمسة عوامل تشكل الحرب الروسية - الأوكرانية فى 2023)، الذى نشرته فى 2 يناير 2023، محطة آى بى سى نيوز الأمريكية، والذى قال فيه وبالحرف: إنه على الرغم من أن التنبؤ بمخرجات هذه الحرب، أمر يقترب من المستحيل، فإن هناك خمسة متغيرات سيكون لها أثر بالغ على مجريات الحرب خلال 2023.
■  المتغير الأول والأساس، هو الحاجة للمزيد من الذخيرة، وقدرة الغرب على زيادة الإنتاج العسكرى، ذلك أن الحرب فى أوكرانيا هى الأولى التى شكلت تحديا للصناعة والإمداد الإستراتيجى فى عالم ما بعد الحرب الباردة، إذ شكلت معدلات استهلاك الذخائر الدقيقة وقذائف المدفعية إنهاكا واستنزافا لمخزونات أوكرانيا وروسيا وغيرهما من الشركاء، وبالنسبة للبعض يكون تدريب الأوكرانيين، على القتال بالطريقة الأمريكية هو الحل الأسهل، بحيث يتعلم الأوكرانيون الاقتصاد فى إطلاق الذخائر، لكن ذلك لن يجدى على المدى الطويل حتى لو تدرب المقاتلون على الدقة فى التصويب، لأن استعادة الأراضى الأوكرانية ستتطلب المزيد من الذخائر، الحل الوحيد هنا هو توسيع قدرة الإنتاج فى الصناعات العسكرية الغربية وإلى حد كبير، وحدها الصناعة العسكرية الأمريكية القادرة على أن تعطى مؤشرا على هذه القدرة، وهو أمر سيستغرق عاما على الأقل.
■  المتغير الثانى، هو قدرة كل من أوكرانيا وروسيا، على تدريب ونشر القوات، أوكرانيا قامت فى وقت مبكر بتدريب جنودها، وتحريك قواتها وهى تقوم بتدريبات منتظمة على الهجوم والدفاع، وقد نشرت بالفعل 700 ألف جندى على الأرض، وتحتفظ بميزة فى العدد والحافز، لكن تجهيز المقاتلين بالمعدات يظل تحديا قائما، الروس من جهتهم قاموا بتعبئة جزئية فى سبتمبر 2022، وبرغم ما اتسمت به من عشوائية، فإن موسكو تملك الدفع بالقوات بشكل مستمر إلى أوكرانيا، وتدفق عشرات الآلاف من القوات الجديدة إلى الميدان، وهو أمر سيظل يشكل تحديا كبيرا أمام الإستراتيجية الأوكرانية، وهو أهم متغير فى هذه الحرب.
■  المتغير الثالث، يتعلق بقدرة وعزم الغرب على إمداد أوكرانيا بقدرات دفاعية أرضية وجوية متطورة، صحيح أن الغرب قرر أخيرا إمداد أوكرانيا بالدبابات الحديثة، لكن هل يمكن أن يمدها بالطائرات المقاتلة والصواريخ بعيدة المدى، الواقع أن أمريكا والاتحاد الأوروبى، وضعوا تركيزهم على الأسلحة التكتيكية السهلة الاستخدام، والمنطق هنا هو ضمان التدريب والإمداد للتأكد من أن هذه المعدات داعمة لأطول مدى زمنى ممكن. إن الوصول إلى نقطة التحول فى 2023، ممكن إذا ما تجاوز الغرب منطق أن إمداد أوكرانيا بالمقاتلات الهجومية والقذائف بعيدة المدى، هو (تصعيد)، وليس دعما لأوكرانيا من أجل استعادة أراضيها (وهنا نلاحظ أن الغرب، جاء متأخرا فى إعلانه التفكير فى إمداد أوكرانيا بالصواريخ والقذائف على نحو ما تعهد الرئيس ماكرون أخيرا).
■  المتغير الرابع يتعلق بمدى حيادية الصين فى هذه الحرب، إلى حد كبير، لا تظهر الصين دعما أو إمدادا لروسيا، وهو أمر يمكن إرجاعه إلى علاقات الصين التجارية مع أمريكا، لكن الصين لا تزال تستورد كميات ضخمة من النفط الروسى والفحم الروسى، والغاز الطبيعى الروسى ما يمنح نظام الرئيس بوتين عوائد ثمينة، لكن إذا ما قررت الصين أن علاقتها بروسيا أهم من علاقتها بأمريكا، سنشهد تحولا بارزا فى فرص روسيا فى النصر!
■ المتغير الخامس، يتعلق بالقيادة الإستراتيجية لكل من الرؤساء زيلينسكى وبوتين وبايدن، وقدرة كل منهما على الحفاظ على إرادة شعوبهم، لقد بدأ الأمر بقرار من بوتين، أعقبه قيام زيلينسكى بتوحيد بلاده فى مقاومة المد الروسى، وقد كان للرئيس بايدن دور حيوى فى تعزيز عزم الغرب على التنسيق، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية والعسكرية والاقتصادية والاستخباراتية إلى أوكرانيا. فى 2023 يبدو أن بايدن وزيلنيسكى سيقعان تحت ضغط كبير من أوروبا، وبعض رجال الكونجرس الأمريكى، من أجل العمل على إيجاد حل سلمى للصراع، بالمقابل فإن بوتين يراهن على الوقت على أمل أن ينهك الغرب تدريجيا، ويقلص مساعداته، بالتالى إلى أوكرانيا، وهذا عنصر بالغ الحسم فى نظرية بوتين للنصر، وعليه فإن قدرة بايدن وزيلينسكى، على الإبقاء على أمريكا وأوروبا متحدين فى دعمهم للحرب الأوكرانية، سيكون المتغير الأبرز فى حسم هذه الحرب فى 2023 (وهنا صدقت فرضيات الباحث العسكرى الكبير بالنظر إلى واقع الدعم الموجه إلى أوكرانيا، لكن مسألة الحل السلمى هى موضع شك كبير ).           

نهاية غير متوقعة
اليوم ونحن نبدأ العام الثالث للحرب، ما الذى يحمله الفكر الإستراتيجى من توقعات لعام 2024، وما الذى تتناوله أهم مراكز الأبحاث بشان مستقبل هذا الصراع؟
فى 17 يناير الماضى 2024، صدرت دراسة مهمة عن المركز الدراسات الإستراتيجية والدولية فى واشنطن، للباحث ماكس برجمان بعنوان (أوروبا فى حاجة لتغيير منظور كيفية دعمها لأوكرانيا)، قالت فيها إن نهج أوروبا فى دعم الحرب الأوكرانية، لم يعد صالحا لتحقيق الغرض منه، وإن هناك حاجة ماسة أن تعزز أوروبا صناعاتها العسكرية، وأن المشكلة لا تكمن فى الإرادة السياسية، إنما فى الفشل فى التعاون بين البلدان الأوروبية وكذلك  نقص التمويل، ولذلك فإن الدعم العسكرى لكييف يتباطأ، والمشكلة أن هناك توترا، ما بين فكرة إعادة بناء الجيوش الأوروبية وفكرة  دعم أوكرانيا، وعليه، فإن البلدان الأوروبية اليوم هى أكثر ترددا فى منح أوكرانيا المعدات الأكثر تطورا والأغلى ثمنا، وهى المعدات الأكثر حيوية للدفاع الوطنى، وتحقيق أهداف حلف شمال الأطلنطى .
هذه الدراسة تؤكد، بما لا يدع مجالا للنقاش، أن الاتحاد الأوروبى ليس جاهزا لإقامة نظام إنتاج دفاعى يخص أهدافه العسكرية، وأنه يفتقر للعمل الجماعى وللتمويل، وهو ما يؤشر على وجود إنهاك حقيقى لدى المنظومة الغربية بعد عامين على الحرب، التى هددت ترسانات الاتحاد الأوروبى بنفاد الذخائر، ومن هنا يصبح الدعم لأوكرانيا فى 2024 موضع شك كبير، وبالذات عندما تصدر هذه التقديرات الإستراتيجية من واشنطن.
قبل هذه الدراسة بأيام، وفى 18 ديسمبر 2023، صدرت دراسة أخرى فى مجلة فورين إفيرز الأمريكية بعنوان (إنهاك الحرب الناشئ فى أوروبا)، للباحثين سوزى دينيسون وباول زاركا، قالا فيها: إنه على الرغم من بقاء القادة الأوروبيين على عزمهم فى دعم كييف، فإنه أصبح أكثر صعوبة عليهم أن يحافظوا على نفس مستوى الدعم بين شعوبهم، ذلك أن شواغل (تكاليف الحياة)، باتت تقود الكثير من الأوروبيين إلى السؤال عن استمرارية التمويل المتواصل لأوكرانيا، واندلاع الحرب فى قطاع غزة قد قسم اهتمام الأوروبيين فى الأسابيع الأخيرة، وبرغم تواصل الهجمات الأوكرانية المضادة، فإنها لم تحقق مكتسبات حقيقية على الأرض!
هذه الدراسة كشفت عن موضع الإنهاك، وعن أن أوكرانيا قد نالتها حصة من الشكوك بعد عامين من الحرب، بشأن جدوى الدعم، وكذا وهو الأهم، أن الحرب فى غزة قد اقتطعت نصيبا مهما من الدعم الشعبى فى البلدان الأوروبية، لقضية أوكرانيا!
لكن يظل الأخطر فيما يتعلق بمستقبل الحرب فى أوكرانيا، فى عامها الثالث، دراسة صدرت فى 15 فبراير الماضى للباحث، والخبير الأممى ميشيل فون دير شولنبيرج، المساعد الأسبق للسكرتير العام لللامم المتحدة، بعنوان (الحرب الأوكرانية قد تصل إلى نهاية غير متوقعة)، قال فيها إنه وإن كان القتال لا يزال مشتعلا على الجبهات، فإن التطورات الجارية فى أوكرانيا، تفترض أن الحرب قد تنتهى بطريقة لا يتوقعها الغرب ذاته، من خلال اتفاق روسى أوكرانى، والأمر كله يتعلق بحقيقة أن الحرب يمكن أن تحسم الآن من خلال مدينة كييف لا من خلال الجبهة، والأمر الجوهرى هنا هو، أن البقاء السياسى للرئيس زيلينسكى الذى يعتبر بطلا فى هذه الحرب، قد يتحول (هذا الإحياء السياسى نفسه)، إلى عنصر وهمى للحل العسكرى الذى قد يخاطر بكل مستقبل أوكرانيا!
بالمناسبة هذا الباحث هو صاحب الكتاب الذى صدر فى 2017، بعنوان ( فى بناء السلام إنقاذ الدولة الوطنية والحفاظ على الأمم المتحدة)، وقد سبق له العمل لمدة 34 سنة فى الأمم المتحدة، وخدم لفترة فى منظمة الأمن والتعاون الأوروبى، وسبق له القيام بمهام تتعلق بحفظ السلام فى سوريا والبلقان والصومال، ومنطقة الساحل الإفريقى ووسط آسيا.
يقول شولينبيرج: إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى فى حاجة للسلام فى هذه الحرب أكثر من روسيا، وأنه يتوجب الآن أن تتم المبادرة على وجه الاستعجال وإلا فإن، الاتحاد الأوروبى قد يتفكك على خلفية هذه الأزمة، وأن المشكلة تتعلق بالرئيس زيلينسكى نفسه، الذى يسوق أوهام هزيمة الاتحاد الروسى، وهو هدف غير عقلانى من خلال هجوم جديد يشنه خلال الأشهر الأربعة المقبلة، وفى ذات الوقت يحضر تشريعا بسمح له بتجنيد 500 ألف فرد، بشكل إجبارى دون أن يكون لديه الوقت الكافى لتدريبهم، وهو أمر قد يتحول إلى انتحار جماعى، وأنه يواجه حاليا مقاومة جادة من الأوكرانيين المنهكين الجوعى الذين مزقتهم الحرب، علاوة على أنه أقصى قائد الجيش الذى يحظى بشعبية كبيرة (الجنرال زالوزنى)، وهو أمر خلق أزمة ثقة داخل الجيش الأوكرانى، وهو جيش يدفع ثمنا متعاظما من الدماء ويفتقر مع الوقت للأفراد والذخائر، وهو أمر يهدد بتفكك الجيش الأوكرانى على المدى المنظور، وأنه مع الوقت قد يتحول الشعب الأوكرانى إلى روسيا ذاتها، ليواصلوا مباحثات السلام التى بدأوها فى مارس وإبريل 2022. إن وجود حكومة تخلف زيلينسكى، قد تصل إلى اتفاق سلام مع روسيا، وإن هناك (محاولات سرية فى هذا الاتجاه)، حتى ولو كان الغرب غير راغب فى التحاور مع بوتين، الذى قد يقدم تنازلات حقيقية إذا ما تعاظمت المناشدات الشعبية الأوكرانية إليه، وأن المهم للغاية فى ظل هذا السيناريو (حكومة أخرى بعد زيليسكى ومناشدات شعبية أوكرانية لموسكو)، ألا تقوم الولايات المتحدة، أو الاتحاد الأوروبى بعمل أى شىء من طرفها، فقط على الناتو أن يتوقف عن التقدم شرقا، وبالذات باتجاه أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا، وأن يدعو هذه الدول ومعها البحر الأسود لتقع فى دائرة نفوذ الاتحاد الروسى. إن انسحاب الولايات المتحدة من هذه المناطق وغيرها من شأنه أن يقيم عصرا جديدا، لا مجال لهيمنة الغرب فيه، العالم فى حاجة لتسوية سلمية فى أوروبا لإعادة بناء الثقة والتجارة، وأن نقاتل من أجل حل سلمى دائم يتضمن كل قارة أوروبا .
بعد هذه الدراسة التى وزعتها، وكالة أنباء أوروبية تدعى (إندبث نيوز) فإن الخلاصة التى تبقى بين أيدينا، أنه حتى عام 2024، لن يكون هناك نصر أو هزيمة فى الحرب الأوكرانية - الروسية، ما لم تختف مخاوف الغرب لحساب قيام عالم جديد!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة