Close ad

غيبوبة.. الكبير له احترامه

4-3-2024 | 12:13

هل جاء الوقت الذي أصبح فيه احترام الصغير للكبير موضة قديمة، نتهكم على فاعلها وربما اتهمناه بالضعف؟ والله لو أصبح احترامنا لكبارنا ضعفًا فمرحبًا به فى كل وقت، وأنا أول الضعفاء.

عودتني أمي منذ الصغر أن يسبق ندائي لمن هو أكبر منى سنًا كلمة "آبيه"، وتعود لساني عليها مع كل من يكبرني حتى ولو بخمس أو ست سنوات، ولم تكن الفكرة في الكلمة في حد ذاتها، ولكن فيما يتبعها من التزامات، هذا "الآبيه" عندما يناديني يجب أن ألبي النداء بسرعة، وعندما يطلب مني شيء أقول نعم وحاضر. وإذا وجهني ونصحنى بشيء أستمع إليه بمنتهى الاحترام. 

طبعًا ناهيك عن التعامل مع الكبير على مستوى الأسرة فهو أمر آخر له محاذيره وقواعده، لن أتحدث عن التعامل مع الأب والأم والأقارب، لأنني على يقين أن حديثي عن التعامل مع الأخ الكبير سوف يوضح للقارئ العزيز القواعد الراسخة، أو التي كانت راسخة بالنسبة لهؤلاء، أذكر في ذلك واقعة لعمي مع أخيه الأكبر -أبي- رحمهما الله، عندما ثار أبي عليه في يوم ما وظل يوبخه توبيخًا شديدًا أمامنا، وعمي يجلس ناظرًا إلى الأرض لا ينطق بكلمة ولا يراجعه فيما يقول، إلى أن انتهى والدي وهدأت غضبته، فقام عمي ووقف أمامه بكل أدب وقال له: هل انتهيت؟ عندما تهدأ دعنا نتحدث ونناقش الأمر.

وأتذكر بعد وفاة والدي كيف كان عمي يجلس بيننا متفاخرًا بهذا الموقف ويقول: تعلمون بالطبع أنني كنت قادرًا على الرد على أبيكم، لكننا لم نتربَ على ذلك، هو أخي الكبير، وهي كلمة لها حق والتزام، ومهما فعل لا يمكن أن أرد عليه أمام أحد، وله مني كل الاحترام، وحتى إذا كان كلامه يستحق المراجعة فسوف أعاتبه بيني وبينه.

لم يكن كلامه غريبًا بالنسبة لنا فقد عودتنا أمنا على مثله منذ الصغر، لكن ربما أصبحت له غربة في عيون أجيال أخرى لم يتوافر لأهلهم الوقت للتربية بقدر انشغالهم بأمور أخرى تصوروا أنها أهم بالنسبة لأولادهم.

باعتباري الكبير بين أخوتي أصبحت "آبيه" بالنسبة لأختي الصغيرة التي تصغرني بسبع سنوات، وأتذكر بعد أن كبرت وأصبحنا أصدقاء أنني طلبت منها عدم مناداتي بتلك الكلمة، وحاولت مرارًا وتكرارًا لكنها لم تستطع رغم قربنا وصداقتنا، حتى اضطررت أن أخترع لنفسى اسمًا وأجعلها تناديني به، مقنعًا إياها أنه بديل مرضٍ لي عن "آبيه".

أما أخي -رحمه الله- الذي كتب هذا المقال قبل وفاته، وكنت أتمنى أن يراه فكان يصغرني بسنتين فقط، رغم ذلك كنت أراهن عليه دائمًا عندما أجلس بين أبنائي أعلمهم وأفسر لهم مسألة احترام الصغير للكبير، أراهن على أنني في أي موقف سوف أعنف أخي بشدة أمامهم ولو بدون سبب، وأنه لن ينطق بكلمة ولن يرفع صوته، احترامًا لأخيه الكبير، وأن عتابه ومراجعته لي لن تكون أمام أحد.

بالطبع ليست تلك دعوة لكي يتعنت الكبير على الصغير أو يظلمه دون أن يكون له حق الرد بحجة أنه أخوه الكبير، لكنه حديث عن أسلوب حياة، فللصغير على الكبير حق الرد والعتاب، بل لابد أن يراضيه الكبير إذا كان قد أخطأ في حقه، لكن حديثي عن التعامل والاحترام الواجب أن يعطيه الصغير للكبير وخاصة أمام الآخرين، دون أن يفرط فى حقه.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليسَ منَّا من لَم يَرحَمْ صغيرَنا، و يعرِفْ حَقَّ كَبيرِنا"

المرعب واللافت أن يصبح عدم الاحترام أمرًا عاديًا.

يرى الشخص أن له كل الحق في أن يغلظ القول للكبار مغلفًا كلماته بعبارة "أنا ساكت فقط لأنك راجل كبير"، معتقدًا أن ذلك هو قمة الاحترام، نعم وماذا يفعل أكثر من ذلك؟! ها هو قد قدم لنفسه وبرر وأثبت بالبرهان الواضح والحجة القاطعة أنه شخص يعرف الأصول ويحترمها، هو يدرك أنك رجل كبير، وهذا هو ما يمنعه عن ضربك! أعتقد أنني لا أبالغن فقد سمعنا جميعًا تلك العبارة، بل أزيد من الشعر بيتًا أن أحدهم قد تجرأ في مرة وصرخ قائلًا "يعني إيه ساكت علشان أنا راجل كبير، هل ستضربني، أنا أمامك.. اضرب" حتى هنا كانت الأمور هادئة.. لا مشكلة.. إلى أن أردف قائلًا: "اضرب يا بنى آدم" عندئذ تطاير الشرر من عين الشاب وهجم عليه صارخًا "إنت بتقول بني آدم.. إنت كده غلطت ولازم تتعلم الأدب" ولم يفصله عن الرجل الكبير إلا المارة فى الشارع، الغريب أن هؤلاء لا يرون غضاضة في تصرفاتهم، بل إن انتقاد من حولهم -بالنسبة لهم- هو الأمر الغريب والمثير للتساؤل! هذا هو الأمر الطبيعي الذي نشأوا عليه. 

أفيقوا أيها الناس، أعلم جيدًا أن الأمر لا يرتبط بالألقاب ولا يتوقف عليها، وإن كنت أصر على أنها ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا ولا غضاضة فى تمسكنا بها.

زرت دولًا كثيرة ورأيتهم لا يستخدمون الألقاب ولا يؤثر ذلك على احترامهم لكبيرهم، وزرت دولًا أخرى شرقية الطباع -مثل الهند- يحافظون على الألقاب عند تعامل الصغير مع الكبير ولا ينقص ذلك من نهضتهم وتقدمهم شيئًا، وإذا كانت الألقاب ثقيلة على ألسنتكم ونفوسكم، فأسألكم بالله أن تفعلوها كما يحلو لكم، علموا أولادكم الاحترام بالصيغة التي ترونها مناسبة، لكن لا تهملوا الأمر، لا تتخلو عنهن وإلا فلا تلومُنَ إلا أنفسكم، والله على ما أقول شهيد.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: