Close ad

45 عاما على رحيله المأساوي.. الرومانسية الواقعية في (اثنتا عشرة امرأة) ليوسف السباعي

27-2-2024 | 08:19
 عاما على رحيله المأساوي الرومانسية الواقعية في اثنتا عشرة امرأة ليوسف السباعييوسف السباعي
د. سلوى جودة
الأهرام العربي نقلاً عن

ارتبط اسم الأديب يوسف السباعى (1917-1978) فى ذاكرتى بصباح يوم 18 فبراير 1978، عندما صدرت صرخة عفوية مكتومة من جدتى، وهى تتابع الأخبار بالراديو الذى أذاع خبر اغتياله فى أثناء حضوره مؤتمراً بقبرص فى أعقاب معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية، وعشت متأثرة بأجواء الحزن والغضب التى سادت فى أسرتى من جرّاءِ الحادث، وظل الاسم وهذه الصدمة بضميرى، حتى بدأت رحلتى المعرفية بعد ذلك بسنوات، وطلبت من أسرتى شراء رواياته والاطلاع على عالمه، الذى حصره النقاد فى الرومانسية حتى اعتبروه فارسها، وقد استثمرت السينما إقبال جمهور القراء على أعماله التى كانت الأكثر مبيعا فى حينها، إلا أن أهمية أعماله تراجعت عندما بدأت أعمال نجيب محفوظ تلفت انتباه النقاد، وربما كان ذلك نهاية العصر الرومانسى فى الأدب المصري، وقد تحولت رواياته إلى أفلام ووصفت بأنها أكثر أهمية من الروايات نفسها، وكنت أحصى أسماء الأفلام التى يظهر اسمه عليها، حيث ظهر على أفيشات السينما أكثر من ثلاث وثلاثين مرة، وفازت عدة أفلام من أعماله فى اختيار أهم مائة فيلم فى تاريخ السينما منها (الناصر صلاح الدين) و(رد قلبي) و (السقا مات) (واإسلاماه) و(بين الأطلال).

موضوعات مقترحة

تعددت الرؤى النقدية لأعماله بين المؤيد والمعارض، لمحاولته تشريح المجتمع فى تلك الحقبة والكشف عن الفجوات التى تحتاج إلى دعم وترميم وإعادة نظر وربما اعتبار، وكانت المرأة وقضاياها ومخاوفها، هى البوتقة التى ساعدته فى هذا الكشف، فثورة 1952 والتحولات التاريخية والاجتماعية التى مر بها المجتمع المصرى فى حقبة الخمسينيات والستينيات، وحركات الاستقلال والتحرر على اتساع الوطن العربي، جعلت حركة المرأة وتحررها، مواكبة لحركة الوطن وانفتاحه على الآخر، وعلى الحريات العامة والخاصة.

واستطاع يوسف السباعى أن «يكتب المرأة» على حسب تعبير الناشطات النسويات أمثال هيلين سيكسو وجوليا كريستيفا وإلين شولتر اللائى طالبن فيها الكاتبات أن يتناولن قضايا المرأة ومشاعرها وما تتعرض له من المجتمع الذى يهمشها ولا يستمع إليها، المجتمع الذى كان إنصاته أفلاطونى النزعة، والذى رأى أن الإنسانية فى عرف الرجل شيء مذكر، وأن اتصاله مع العالم اتصالا حراً خاضعا لإرادته هو، بينما يعتبر تركيبة المرأة الطبيعية حافلة بالقيود التى تعرقل حركتها، فهو يعتبر نفسه ممثلاً للجنس الإنسانى الحقيقى، أما المرأة فهى تمثل الجنس الآخر أى الأدنى، فيقول صراحة إن “الأنثى“ هى أنثى بسبب نقص الصفات، بمعنى آخر يُعرف الرجل نفسه على أنه “إنسان” والمرأة على أنها “أنثى” وكلما تعاملت مع محيطها “كإنسان” يقال إنها تقلد الذكر.

 لكن السباعي "كتب المرأة" التى يعرفها ويقدرها ويقدسها أيضا، فهو يتفهم دوافعها ومعاناتها فى مجتمع أساء تصنيفها ونفيها والجحود لها ولدورها، فى رومانسية واقعية مريرة أصابتها ورجلها معاً، وكتب السباعى مجموعات قصصية تناولت شخصيات نسائية ورجالية تجمعهم نفس الصفات، فلقد تعرضا لنفس الخبرات المجتمعية ونفس المعاناة التى شكلت وعيهما وإدراكهما.

 وفى مقدمة مجموعته القصصية (ست نساء وستة رجال) كتب ما يدلل على رفضه التصنيف الجائر لأدوار مجتمعية تصلح للرجل وأخرى للمرأة، وأنه لا يستطيع التوقف عن الكتابة عن المرأة أو إقصاءها فيقول: «إن كتبت عن ست نساء فأنا أكتب ضمناً عن ستة رجال، وإن كتبت عن ستة رجال فلا أظن أننى أمنع ست نساء من التسلل وحشر أنفسهن بين السطور»، فكيف للأدب أن يتجاهلها وهى حاضرة فى المعاني، وهى الملهمة، وهى قلب الأحداث ومحورها، وقلب كاتبها لا محالة، وهى الكيان الذى يشغل الحيز الأهم فى رؤيته العامة للحياة وللسعادة، فالسعادة فى محورها أنثى وفى هذا يقول السباعى فى مقدمة مجموعته القصصية (اثنتا عشرة امرأة) 1948: «لا أظن أن الحياة يمكن أن تصبح حياة... وإن الرجل يمكنه أن يكون لديه أمل أو مطمع... لو خلت الدنيا من النساء... وليس هناك من ينكر أنه ما من مطمح للرجل فى هذه الحياة، إلا كانت الرغبة الدافعة إليه هى إرضاء المرأة... مهما حاول الرجل إنكار ذلك».

 وقد شجعت الدكتورة عائشة عبد الرحمن- ابنة الشاطئ (1913-1998) - السباعى على الكتابة عن النساء حيث كتبت إليه رسالة خاصة بعد أن قرأت (إنى راحلة ) 1950 تقول إنها كانت تنتقد فيما سبق كتابة السباعى عن النساء، ولكن بعد قراءتها لهذا الكتاب، وجدت أنه يستطيع أن يكتب عنهن كما يشاء، مع أنها اختلفت معه فى مجموعته القصصية (اثنتا عشرة امرأة) التى صدرت عام 1948 التى تتناول نماذج نسائية متنوعة فى انفتاحها ومعاناتها أيضاً، ووصفه مشاعرهن وأحاسيسهن، كما لو كان يعيش بباطنهن، وأنه كان من الأفضل له الكتابة عن الرجال لكونه رجلاً، مثلهم، مع أن الكثير ممن أثار قضايا المرأة فى الغرب والشرق كانوا رجالا فهناك هنريك إبسن وبرنارد شو ومحمد عبده وقاسم أمين وطه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ومئات من أصحاب الياقات البيضاء من الرجال حول العالم الذين فتحوا الأبواب للحركات النسوية وكانوا مناهضين لمحاولات التخلى عنها وقمعها، وتاريخ الحركة النسوية حول العالم يشهد بذلك.

 وفى مجموعته القصصية (اثنتا عشرة امرأة) التى ترجمت إلى عدة لغات، ولاقت رواجا فى الأوساط الأدبية والثقافية، قدم السباعى اثنتى عشرة حكاية لم تكن البطولة فيها للرجل أو المرأة ولم يكن لأحدهما السطوة والقوة على الآخر، فهما معاُ أبناء حقبة تاريخية وأعراف وقوانين صارمة وتحديات دفعتهما إلى نهايات متوقعة، فهذه القصص القصيرة بطلاتها اثنتا عشرة امرأة مختلفات فى السمات الشخصية والطباع، فمنهن الخاسرة والمحرومة والصابرة والشريفة والثكلى والنائمة، لينكشف عن هذه القصص الكثير من عورات المجتمع وخبايا المرأة وآلامها.

والنماذج التى طرحتها المجموعة تنفى أى صفة مجتمعية متوارثة عبر الأساطير والخرافات عن المرأة، كغاوية أو مصدر للشرور أوحتى كونها ملاكاً رحيماً، فهى نتاج ثقافة شكلت وعيها ومشاعرها ونجاحاتها، وربما أخفقت فى حمايتها واحترامها ودعمها، وأوقعتها فى براثن الشر والرذيلة والحزن.

 وهو فى ذلك يدعم النظرة البوفارية - نسبة إلى سيمون دى بفوار (1908-1986) أحد الرموز المهمة فى حركة تحرير المرأة التى أدركت أن: «الأنثى تولد إنسان ثم تصنع/ تصبح امرأة” فى تأكيد الدور المجتمعى فى الصياغة والصناعة، فلقد كُسرت أجنحتها ثم وجه المجتمع إليها اللوم أنها فشلت فى التحليق، على حسب تعبير دى بوفوار، فالتحليق أو الخضوع بالنسبة للمرأة قرار مجتمعى وليس بنية بيولوجية أو فسيولوجية تسجنها فى أدوار هامشية لا تحقق فيها ذاتها ولا تستمتع بوجودها ولا تساهم بعد ذلك فى حركة التاريخ.

 يسيطر الحس الرومانسى على أعمال السباعى فى مجملها، إلا أن هذه المجموعة بها ملامح الرومانسية الواقعية من حيث جمعها بين المذهبين، فعلى الرغم أن المدرسة الواقعية جاءت رداً على المدرسةِ الرومانسية، فإن هذا الجمع لا يمكن إغفاله فى أعمال روائية لكتاب عالميين، منهم على سبيل المثال لا الحصر رواية (المنبع) لآين راند 1905-1982، و(مدام بوفاري) لجوستاف فلوبير1821-1880، و(وداعا للسلاح) لإرنست هيمنجواى 1899-1961، وهذه المدرسة فى الحقيقة، تمثل قناعاتى الإنسانية فهى تجعل الحياة أكثر إثارة للاهتمام والدهشة والسؤال والتحقق مما هى عليه فى الواقع، والأهم من ذلك أكثر مودة وإنسانية.
 وفى القصة الأولى فى (اثنتا عشرة امرأة) بعنوان (امرأة صابرة) يصف الراوى نموذجا لتضحيات المرأة فى سبيل أسرتها وكأن التضحية لا بد وأن تكون“ أنثى»، والسؤال هو: ماذا لو طبقت القوانين المجتمعية هذه على الرجل أيضا ؟ وفى (امرأة نائمة) ينعتها كل من حولها بالجنون، وهى لا تفعل شيئا سوى أنها تنعس وتحلم، فحياة خاصة ولو فى الغيب غير مسموح لها بها، والسؤال: لماذا تهرب إلى الغيب؟.. ومن حرمها التفاعل الحقيقى والتحقق فى الحياة؟

 وفى (امرأة خاسرة) يقدم السباعى نموذج الفنانة التى بدأت حياتها خادمة، وأحبت أحد أبناء سادتها فاستحقت الطرد، وبعدما خاضت غمار الحياة وأصبحت فنانة مشهورة وميسورة، قابلت سيدها الذى أحبته وتزوجته، ولكنه غادر الحياة، بعد زواجه منها بأيام وتركها هذا المرة “لا خادمة ذليلة بل نفس بالية، وروحا ذارية، وامرأة مخذولة خاسرة “ مرصودة أنت يا سيدتى بالوحدة !
 وفى (امرأة محرومة) تعيش البطلة فى بيت على أطراف المدينة مسكون بالأشباح، وقد استأنست بهم وانزلت عن العالم فى صحبة أبُ وابنه من الأشباح، تُرى من خذلها وحرمها، فحاولت أن تعوض نفسها عن ذلك الحرمان الذى أصابتها به الحياة، حتى لو اتهموها بالجنون فهى راضية: «لوكنت حقا مجنونة كما تقولون… فأنعم بالجنون وطوبى للمجانين».

 وفى (امرأة و رماد) البطلة هى الخياطة التى ضحت بنفسها من أجل تربية أخواتها بعد فقدان أبويها، وقد تخلى عنها حبيبها، وما زالت تحتفظ بابتسامتها، وما زالت تخيط ثوب زفافها وربما ترتق معه ثوب العالم والثقوب التى أحدثها فى روحها، فهى ليست رماداُ كما يحدثنا عنها الراوى «هى كالجمرة التى يكسوها الرماد ومازال جوفها مضيئا مشتعلا، ومازال النور يضيء نفسها، والحرارة تدفئ قلبها” وبعد سنوات طويلة يظهر الحبيب وقد أصبح كهلا وحيداُ حزيناُ ويصف نفسه بأنه الرماد: “ الرماد هنا... الرماد هو ذلك الجسد الذى لم يستطع التضحية... ومل الانتظار... فمل حبيبة العمر وأقبل على أخرى... ماتت بعد مدّة من الزمان... ورأى نفسه يسير بعد ذلك وحيداُ... كالنبت لا أرضاُ قطع ولا ظهراُ أبقى...»، ويعلق الراوي: «أجل لقد كان هو الرماد.

 «وفى (امرأة وظلال) يقدم الراوى سيرة امرأة، تعيش على ذكريات حبها الأول الذى غادرها لغيرها، وعندما عاد إليها رفضت إلا أن تكمل ما تبقى من حياتها فى عالمها فأمثالها كما يقول الراوى «هواة ظلال، وعشاق ذكريات، فهم يعيشون دائما فيما مضي، لا يكادون يحسون بحاضرهم إلا إذا طوته الأيام فأصبح ماضياً، ولا يشعرون بالمتعة إلا بعد أن تصبح ذكرى…» وتتوالى الحكايات التى ترصد أنواعا من المعاناة البشرية أصابت الرجل والمرأة، فلم يكن هذا العالم دائما للرجل، كما يعتقد السباعي، ولم تكن أى من الأسباب التى قُدمت لتبرير معاناة المرأة مناسبة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: