Close ad

غاب صاحب الخيال الطليق.. مجدي نجيب.. الشاعر المشدود إلى القمر

26-2-2024 | 00:27
غاب صاحب الخيال الطليق مجدي نجيب الشاعر المشدود إلى القمرمجدي نجيب
سيد محمود
الأهرام العربي نقلاً عن

لم ينل الشاعر الكبير مجدى نجيب، الذى رحل الأسبوع الماضى عن 88 عاما، المكانة التى يستحقها فى حياتنا الثقافية، وطغت صورته كشاعر غنائى صاحب تجارب متميزة على حساب منجزه الطليعى المتميز فى مسيرة شعر العامية المصرية.

موضوعات مقترحة


منذ بداياته فى كتابة الأغنية، بدا واضحا أن له نبرة شعرية خاصة بعيدة كل البعد عن قاموس الشعراء الذين بدأوا معه، وكانوا جميعا تحت رعاية صلاح جاهين، الذى وفر فى مجلة صباح الخير وقت رئاسته لتحريرها مظلة لرعايتهم.

حاول هؤلاء الشعراء الانتقال بالعامية، من الزجل المعتمد على النقد الاجتماعى الساخر إلى فضاء الشعر بمعناه الطليق، وتزامن هذا المسعى مع خطوات جادة كانت تقطعها قصيدة الفصحى للتحرر من البنية الإيقاعية التى قيدتها فى دائرة الشعر العمودى، وبدأ الشعر الحر بعد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور يجد مساحة فى المنابر الثقافية، خصوصا أن كثيرا من هؤلاء الشعراء تبنوا قضايا المشروع القومى، الذى كانت الناصرية تعبر عنه، وظهرت قصائد صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطى حجازى والسياب والبياتى، تدعم هذا المشروع بوضوح، لكن الطفرة التى أحدثها هؤلاء أظهرت الفجوة بين شعر الفصحى وشعر العامية، فقد كانت قصيدة العامية لا تزال تعانى مع جمهورها التقليدى الذى كان منحازا إلى الزجل برغم الخطوات التأسيسية التى أنجزها فؤاد حداد وصلاح جاهين، وشعر هؤلاء أن عليهم قطع هذا الطريق وإحداث انعطافة أكثر ثورية تقطع صلة قصيدة العامية مع ماضيها الزجلى، وتبنى جسورا من الصلة مع جمهور جديد لا ينظر لها نظرة متدنية، ويراها بنفس العين التى ينظر بها إلى قصيدة الفصحى.


ولعب صلاح جاهين دورا رائدا بما حققه من جماهيرية فى تيسير هذا الانتقال، وكتب قصائد مثل أغنية برمهات أو الشاى باللبن، كاشفة عن نقلة نوعية جادة شجعت جيل الأبنودى ومجدى نجيب وعبد الرحيم منصور وسيد حجاب وفؤاد قاعود، على المضى فى طريق آخر.


فى حين جاء شعر الأبنودى مستندا إلى نبرة إيقاعية تستمد قوة حضورها من شعرية هائلة ولهجة صعيدية غير شائعة، فإن سيد حجاب اختار التعبير عن أجواء الصيادين فى بحيرة المنزلة والحكايات الشعبية وبين الصوتين راهن عبد الرحيم منصور على الأغنية، وتركز مشروع مجدى نجيب على الشعر بمفهومه الخالص، وتبنى مواقف وجودية كانت تحتاج إلى شعرية مغامرة تفصل بين طموحها الفنى ومسعاها الجماهيرى، لذلك أحدثت دواوينه الأولى صدمات متلاحقة، وواجهت رفضا من بعض الأصوات الفاعلة التى عجزت عن التفاعل معها.


ويسرد الكاتب الصحفى شهدى عطية، فى واحدة من مقالاته الأرشيفية على موقع (باب مصر)، قصة طريفة عن المعركة التى قادها الكاتب الراحل محمود السعدنى ضد أشعار مجدى نجيب الأولى، ففى عام 1964، صدر الديوان الأول للشاعر، وقبلها بعام كانت مجلة (صباح الخير) تنشر بعضا من قصائده، لكن ما إن ظهر الديوان حتى كتب محمود السعدنى مقالا فى مجلة صباح الخير بعنوان «تلاميذ هذا الرجل» فى العدد الصادر بتاريخ 10 سبتمبر 1964، قاصدا صلاح جاهين وحمل مقال السعدنى هجوما عنيفا على مجدى نجيب واتهمه بالجهل، وأنه لا يعرف شيئا عن الشعر، وما يقوله هو كلام فارغ، واتهم صلاح جاهين بأنه أفسد الحركة الأدبية بالعشرات، الذين خرجوا دون ولادة يقولون شعرا ولا شعر المجانين، وقال إن آخر هؤلاء التلاميذ – يا ولداه - شاب صغير طيب القلب اسمه مجدى نجيب، أدفع مليون جنيه إنه لا يعرف الفرق بين البحترى وهرم خوفو.


واصل مجدى نجيب كتابة ما يرغب فيها، ومن الواضح أيضا أن نبوءة جاهين فى الرواج الجماهيرى للديوان قد تحققت، بحيث صدر فى طبعة ثانية بعد نحو 6 أعوام ومن يرجع لديوان (صهد الشتا) لن تفوته أبدا الصور الشعرية الغرائبية التى فتن بها، التى كانت تشير إلى ولع واضح بأفكار الماركسية الوجودية، فقد كان جيله القادم من خلفية يسارية مولعا أيامها بكتابات روجيه جارودى وتابع كتاباته فى كتابه (واقعية بلا ضفاف) الذى ميز فيه بين الالتزام السياسى الأيديولوجى والالتزام الفنى، وهى مسألة شجعت الأبنودى الأكثر جماهيرية على كتابة ديوانين صافيين هما (الفصول) و(صمت الجرس) تأثرا بسان جون بيرس وجاك بريفير وأراجون، الذين ترجم فؤاد حداد شعرهما، وبفضل هذه النماذج تشجع مجدى نجيب على خوض المغامرة وكتابة قصائد غير جماهيرية لكنها كانت تعبر عن قلق وجودى خالص وتخاصم النبرة الإنشادية الشائعة، لذلك لم يكن غريبا أبدا أن يتولى تقديمه الشاعر مجاهد عبد المنعم مجاهد، وكان مولعا بالفلسفة الوجودية تحديدا، لكن الأغرب أن مجاهد نفسه وصف أشعار مجدى نجيب بأنها (أشعار غريبة لكن لها حكاية)، وركز فى مقدمته على تعامل الشاعر مع مسألة اغترابه ولفت إلى أن الشاعر وضع يده على منبع ثر للفن العظيم هو الذى لا يقتصر الخيال فيه على أن يكون هناك نهر من عسل، إنما ينطلق حتى يجعل للشتاء صهدا « ويشدد على أن الشاعر لم يستسلم لأشكال التعبير التقليدية فى الموال والبكائيات ويوضح أن مجدى نجيب أراد السير فى مسار جديد يقلل الفجوة القائمة بين قصيدة الفصحى والعامية وبالفعل واصل مجدى نجيب التمسك بفكرة الاغتراب الشائعة فى شعره على نحو لا يمكن تفاديه، كما أنه واصل أيضا كتابة الصورة المتنافرة كما وصفها مجاهد.


وتكاد المقدمة التى كتبها الناقد جلال العشرى لديوان (ليالى الزمن المنسي) تكرر المعنى نفسه وتلح على أن مجدى نجيب كان معنيا تماما بأن تكون قصيدته معاصرة لا تعيد إنتاج النصوص الموروثة، ولا تتوسل فى سبيل كسب القارئ إلى استعمال الأشكال والثيمات الفولكلورية، وتطابقت الصورة الشعرية التى ينتجها مع المضمون الذى يريد أن يقوله عن الواقع الذى قد يراه مفككا أو متنافرا يقبل التفسير، وربما لهذا السبب كانت بدايات مجدى نجيب أكثر شجاعة من قصائده الأخيرة، ففى القصائد الأولى جرأة واضحة فى انتهاك الأشكال الشعرية، وسعى لكتابة أقرب لقصيدة النثر والرهان على السرد الشعرى، بينما فى دواوينه الأخيرة يشيع الميل نحو الإيقاع، وتطغى النبرة الغنائية مع تثبيت واضح أو تأكيد على استمرار فكرة الاغتراب كفكرة مركزية، قادت مشروع الشاعر بشكل عام، وتجلت فى أعماله التى توالت (الحب فى زمن الحرب مقاطع من أغنية الرصاص)، وامتدت من الشعر الخاص إلى الأغنية كما فى أعماله (دهشة) أو ديوان الوصايا.


وتستحق قصة مجدى نجيب مع الأغنيات أن تروى كما ذكرها لى، فقد تحقق كشاعر أغنية بعد أن أخذه محمد الموجى من حديقة معهد الموسيقى وقدمه إلى عبد الحليم حافظ، بعد أن لحن له أغنية (كامل الأوصاف) التى لاقت نجاحا كبيرا وانتقل من عبد الحليم إلى شادية وقدم لها أغنية (غاب القمر) التى قفزت به إلى محطة جماهيرية مهمة ومعها أغنية (قولوا لعين الشمس) التى كانت مثالا فى القدرة على استعمال الأشكال التراثية، وبفضلها تزايد الطلب على أغنياته وغنت له شريفة فاضل (دور لف الدنيا بحالها) ومحمد رشدى، وكلها أصوات كانت فى الصف الأول، كما قدم لسعاد محمد أغنية (أوعدك) الفاتنة، وغامر مع فايزة أحمد ومحمد سلطان فى أغنية (آخد حبيبي)، كما قدم لها مع بليغ حمدى (العيون الكواحل)، التى مثلت نقلة نوعية فى تناول الموضوعات الشعبية، كما رافق بدايات هانى شاكر وكتب الأغنية التى صنعت شهرته وهى (سيبونى أحب) التى لحنها الموجي.


 والمؤكد أن الجماهيرية الحقيقية لمجدى نجيب، ارتبطت بنجاح تجاربه مع محمد منير، حيث كان عمودا رئيسيا من أعمدتها، وساند الطموح من أجل خلق الأغنية البديلة، وكانت أغنية شبابيك هى الميلاد الحقيقى لنجومية محمد منير، ولا تزال هى الأغنية الأولى فى مسيرته برغم أهمية ما قدم من أغنيات، وإلى جوارها كتب أكثر من عشرين أغنية أصبحت من علامات هذا المشروع الغنائى المتفرد، برغم غرابة ما فيها من معان، فقد كتب أغنيات (باعتب عليك، وكان وكان، نص الطريق، يا مراكبي) التى لحنها أحمد منيب، كما كتب القدس التى لحنها هانى شنودة، ثم عصفور وأول لمسة وممكن وليلى يا ليلى مع وجيه عزيز، وبخلاف ما غنى منير لديه تجارب مدهشة مع المغنى الليبى أحمد فكرون مثل أغنية الإسكندرية وانتظار.


والمتأمل فى مشروع الشاعر الراحل، لا يفوته أبدا الانتباه إلى تفرد الصور الشعرية بحكم خلفيته كرسام، وهى ميزة لم تتوافر إلا لصلاح جاهين، لكن رسوم مجدى نجيب كانت بخلاف أشعاره، مستمدة من فنون وأشكال تراثية، فغالبية معارضه كانت تقوم على إعادة إنتاج التجارب التراثية مثل موتيفات الفنان الشعبى فى تعامله مع القصص الشعبية، مثل الأميرة ذات الهمة أو الظاهر بيبرس وأبو زيد الهلالى، وفى مرحلة أخرى مال ناحية رسم العوالم الفانتازية والكرنفالات الشعبية، فى مقاربة حوارية مع أعمال حامد ندا وعبد الهادى الجزار، وبرز هذا الملمح بوضوح فى معارضه الأخيرة، وبالذات معرضه (شبابيك) الذى حاول فيه ربط أغنياته مع منير، برسوم تعبيرية عن عالمها، وفاضت تلك اللوحات بنمط من أنماط السوريالية الشعبية، وتحولت فيها الأجساد إلى أرواح معلقة تهيم فى فضاء لا حدود له، وهكذا عاد الفنان إلى النقطة التى بدأ منها حرا، لا يبالى بقيد أو شرط يحد من حرية إبداعه أو يسقط عنه راية الخيال.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة