Close ad

صلوا في هيروشيما من أجل فلسطين

25-2-2024 | 14:53

4 محرقات بشعة شهدها التاريخ الإنساني المعاصر، سوف تظل عالقة بالأذهان إلى أبد الآبدين، هاجمت –بمرارة- طالبة الدراسات العليا الأمريكية بجامعة هيروشيما، وهي تقف -باكية مع زميلاتها- أمام قبة القنبلة الذرية، بالمدينة اليابانية المنكوبة.

هذا المشهد الحزين كتبته الصحفية، كامياما ماو، مراسلة هيئة الإذاعة والتليفزيون اليابانية، NHK، حيث وقفت الطالبة ربيكا، لمدة 3 ساعات تحت الأمطار، بصحبة عدد من زميلاتها اليابانيات وهن يطالبن بالوقف الفوري لإطلاق النار في فلسطين. 

أجداد ربيكا قتلوا في المحرقة النازية، ووالدها إسرائيلي، ونقلت المراسلة عن الطالبة قولها: "في كل يوم.. وفي كل لحظة يموت المزيد من الفلسطينيين.. لقد نشأت على الاعتقاد بأنه لا توجد سوى إسرائيل، ولا حديث عن فلسطين.. أشعر بالحزن الشديد لقيام الحكومة الإسرائيلية وجيشها بقتل الشعب الفلسطيني".

زميلتها اليابانية، ساتو يو، قالت: "أعتقد أنه يمكننا جميعًا الاجتماع -بهدوء أمام قبة القنبلة الذرية بهيروشيما- للصلاة ونشر كلمتنا شيئًا فشيئًا، والتحدث إلى المارة، لإبلاغهم بأن الفلسطينيين يقتلون، ونريد –حقًا- أن تتوقف أعمال القتل".

في يوم السادس من أغسطس عام 1945، وقع أول قصف ذري، حينما أسقطت القوات الجوية الأمريكية قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما اليابانية، مما أسفر عن مقتل 70 ألفًا في الحال، بالإضافة لمقتل 70- 80 ألفًا آخرين، خلال الأشهر التالية.

بعد مرور 3 أيام - فقط- من محرقة هيروشيما المروعة، أسقطت مقاتلة أمريكية قنبلة ذرية أخرى على مدينة ناجاساكي اليابانية، لتحصد أرواح 74 ألف شخص في الحال، ويلقى آلاف آخرون حتفهم لاحقًا بسبب الإصابات الناتجة عن الإشعاع. 

هاتان المحرقتان الأمريكيتان باليابان سبقتهما بسنوات معدودة، وتحديدًا بدءًا من عام 1941، ما يعرف بـ الهولوكوست النازي، الذي ألغى مواطنة اليهود ونزع عنهم الجنسية، تنفيذًا لقانون نورمبرج، الذي أصدره أدولف هتلر عام 1935.

الموقف الإنساني اللافت، الذي مرت به الطالبة الأمريكية، ودفعها للصلاة مع زميلاتها اليابانيات، أمام قبة القنبلة الذرية في هيروشيما، ربما ناتج عن مشاعر عميقة بالألم، لأنها –بالصدفة- وجدت نفسها طرفًا في المحارق المروعة الأربعة.

في محرقة النازي، كانت ربيكا مجنيًا عليها -هي وأجدادها بكل تأكيد- بقرار عنصري بغيض من هتلر، استهدف اليهود كدين وكعرق. أما المحرقات الثلاث التالية، فقد وقعت اثنتان منهما على أيدي جنرالات الحرب الأمريكان باليابان، والثالثة تدور رحاها بفلسطين بواسطة عصابات صهيونية إجرامية وبدعم أمريكي.

الرئيس التركي أرد وغان، ونظيره البرازيلي لولا دا سيلفا، وصفا جرائم الحرب التي ترتكب في فلسطين بأنها صورة -طبق الأصل- لما اقترفه هتلر في حق اليهود.

خلال أكثر من أربعة أشهر قتلت العصابات الصهيونية وأصابت أكثر من مائة ألف فلسطيني، بالإضافة إلى نزوح نحو مليونين، وتدمير المنازل والمستشفيات ودور العبادة، واتبعت سياسة الحصار والتجويع، بما يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعية.

في الوقت نفسه، يطبق الكيان العنصري الصهيوني قوانين نورمبرج النازية، حيث لا يعترف بمواطنة 6 ملايين من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، ويحرمهم من إعلان دولتهم المستقلة ذات السيادة، بناء على حل الدولتين، فيما يمنح الجنسية لمئات الآلاف من المستوطنين اليهود بالأراضي المحتلة، ذاتها، فقط لأنهم يهود.

العصابات الإجرامية الصهيونية ألقت على الفلسطينيين في غزة أضعاف ما ألقي على هيروشيما في الحرب العالمية الثانية، وبينما كانت القنبلة الذرية تعادل 15 ألف طن من المواد شديدة الانفجار، فقط، ألقي على غزة 69 ألف طن من القنابل.

نتيجة لذلك، كشفت آخر الإحصائيات -الصادرة يوم أمس الأول الجمعة- عن وقوع 2573 مجزرة للفلسطينيين، نتج عنها 36514 شهيدًا ومفقودًا، من بينهم 13 ألف طفل و8800 امرأة، 340 من الطواقم الطبية، 47 من الدفاع المدني، و130 من الصحفيين. أما عدد الإصابات في صفوف الفلسطينيين فقد بلغت 69616 مصابًا.

في جانب الخسائر المادية للفلسطينيين، جرى تدمير 157 مقرًا حكوميًا، و404 مدارس وجامعات، و486 مسجدًا، و3 كنائس، 360 ألف وحدة سكنية، و236 مستشفى ومؤسسة صحية، و124 سيارة إسعاف، و200 موقع أثري وتراثي فلسطيني.
حينما تعرضت هيروشيما وناجاساكي للقصف الذري كانت الولايات المتحدة هي الجانية، وفي محرقة النازي ضد اليهود -كدين وكعرق- كان هتلر هو الجاني، أما في فلسطين فالجناة كثر من العصابات الإجرامية الصهيونية، بدعم عسكري ومادي ومعنوي من: واشنطن ولندن وباريس وبرلين وإيطاليا، بالإضافة إلى 21892 مرتزقًا من تلك العواصم، وآخرين من الهند وإثيوبيا وجنوب السودان وبولندا وأوكرانيا والسلفادور وهندوراس والأرجنتين وإقليم شمال العراق وكندا وتايلاند. 

علما بأن كل مرتزق مجرم واحد منهم يتقاضى 4 آلاف يورو- عدًا ونقدًا- أسبوعيًا.
 
هنا أود أن أشيد بالتقرير الإعلامي الجريء الذي نشرته هيئة الإذاعة والتليفزيون اليابانية من مدينة هيروشيما، المنكوبة بأول قصف ذري بشع في التاريخ، وإن كان هذا التقرير يظل نقطة في بحر مما وجب الإفصاح عنه، لكي يرى اليابانيون بأم أعينهم حقيقة ما وقع -ولا يزال يقع- من محرقة وإبادة جماعية مروعة للفلسطينيين.

سفير فلسطين في اليابان وكوريا، وليد صيام، تحدث أمام ندوة جرت في طوكيو مؤخرًا، مشيرًا إلى أن سياسة اليابان في منطقة الشرق الأوسط كانت متوازنة جدًا على مدار السنوات الماضية، وكانت مصحوبة بتوفير كل سبل الدعم الاقتصادي السخي، والمساعدات والمنح للشعب الفلسطيني، حتى السابع من أكتوبر 2023.

أشار صيام إلى أن الموقف الرسمي الياباني، بات غير متوازن -بكل أسف- منذ أشهر، ويوجه أصابع الاتهام للمقاومة الفلسطينية. وبالرغم من وقوع أكثر من 100 ألف شهيد وجريح (70% أطفال ونساء فلسطينيين) إلا أنه لم يصدر- حتى تاريخه- أي بيان رسمي في طوكيو يدين جرائم الإبادة الجماعية للفلسطينيين بغزة، بل تتوقف المناشدات اليابانية عند حد المطالبة بتقليص حجم العمليات والإصابات!!

يبقى أن أشير إلى أن جريمة الإبادة الجماعية للفلسطينيين-التي تفوق في بشاعتها وأهوالها قصف هيروشيما وناجاساكي بالقنبلة الذرية، وكذلك المحرقة النازية في أوشفيتز- أشير مخلصًا، إلى أنها تستحق نظرة وقراءة أكثر موضوعية -وشفافية وعدلا- من الأصدقاء اليابانيين بطوكيو، والعودة لاتباع سياسة متوازنة بالمنطقة، ولعلهم يتذكرون كلمات ومعاني -رددها سفيرهم السابق في رام الله أوكوبو تاكيشي- منسوبة للشاعر محمود درويش بإحدى قصائده: "كيف أشفى من حب فلسطين؟".

[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة