Close ad

حكايات من الواقع .. دائرة الصمت!

25-2-2024 | 15:18
حكايات من الواقع  دائرة الصمتأرشيفية
خالد حسن النقيب

اعتادت أن تتواصل مع الدنيا بعينيها ترى ولكنها ترى ما لا يراه غيرها، تملك ناصية الحركة فى شفتى من يتحدث إليها، تخترق ساكن قلبه، تفهم ما يريد وإن أخفى غايته، لكنها هذه المرة تشعر بالعجز عن الفهم أو حتى معرفة ماهية هذا الرجل الذى ظهر فى حياتها فجأة، كل ما تعرفه أن دائرة الصمت التى أحاطت بها منذ نعومة أظافرها وبقيت فيها وحيدة لم تعد مغلقة عليها، كيف اخترق دائرة حياتها وأيقظ النهار فى ليلها الطويل مشرقا بوجوده؟

موضوعات مقترحة

هل تحبه .. ولكن ما هو الحب وكيف يكون؟ هى تدرك تلك النظرات الجائعة لأنوثتها، تفهم أن الحب شراك مخملية ناعمة توقع فريستها فى عنكبوتية خاطفة، تباغت كل دفاعات الضحية، تلتهمها لا يبقى منها غير أشلاء ميته على قيد الحياة.

حاولت أن تراه كما ترى كل الجائعين فى طريقها، لم يكن مثلهم، عيناه صامتتان مثلها غير أنها تقول كل شئ، ما لا تفهمه أو تصدقه، هل يربط إنسان مثله حياته بفتاة خرساء وإن كانت جميلة؟

خيالاتها مازالت تتصارع خوفا وحزرا، قلبها ما زال ينبض نجوى وحيرة، اقترب الواقع منها تشرق فى طريقه ظلمة الحيرة، هو الآن فى البيت، يتحدث إلى أبيها، لا تسمعه لكنها أحست بكل كلمة وأسارير السعادة على وجه والدها، اندفعت إليه، نظرت، أشارت، ابتسمت، عينها تزرف الدمع، لا تدر كيف يرتاح عقلها.

اقترب منها، أزالت أصابعه موضع الدمع من وجنتيها، أشار إلى شفتيه يحركهما فى حديث صامت، أومأ برأسه ناحيتها خجلا، ارتجفت بين يديه، تجمدت أطرافها، أحاطها بكفين دافئتين، أخرج من جيبه طوقه الذهبى واستضاء إصبعها، هدأت، استكانت، ارتفعت عيناها إلى السماء، هى تعرف كيف تتحدث إلى ربها، تشكره، تصلى له، تمتلئ يقينا أنه راض عنها، يبارك زواجها من أحبها بصمتها.

عاشت معه سعادة هى الحلم والعوض عن كل شئ، نبض آخر بات يسكنها، تفهم حركاته كأنه يحادثها، أنا قادم، بعض منك غير صامت هذه المرة، يخرج للحياة رضيعا، يصرخ، تسمعه بقلبها، تهبه رحيق الحياة من روحها حتى يهدأ، لم يعد بيتها الهادئ صامتا، امتلأ صخبا بالصغير ومداعبات الأب له، تنظر إليهما ، تشاركهما اللهو بعينيها، يكبر الصغير وتتسع دائرة السعادة معه حتى يحدث القدر مشيئته، يسقط زوجها مريضا يعجزه الفراش عن الحركة متهالكا، تتلاشى الحياة فى عينيه شيئا فشيئا، أوصاها صامتا، هو يعرف أنها تفهمه وتعرف أنها النهاية، جفف دمعها بيده، تلاشى النور تماما من عينيه، أظلمت معه حياتها، كانت لمسة يده الأخيرة مازالت تدفئ وجنتيها وإن مر عام على رحيله، تنتابها حالة هياج، تحاول أن تصرخ، لا تستطيع، يرتمى الصغير بين يديها، تهدأ له، تنظر إليه خائفة ترتعد، إنها نفس عينيه ولمسته الدافئة، تصرخ صامتة، لم يمت، إنه حى فى عينا وليدها.

ـ حوار صامت ..

كانت برفقة أبيها عندما أتت إلى، حاولت أن أفهم نظراتها المبهمة، تكاد ضربات قلبها المتصارعة تصل إلى مسامعى، فهمت من أبيها أنها تمر بأزمة نفسية حادة فزوجها الراحل كان حب عمرها ونهارها الذى أشرق فى حياتها الصامتة المظلمة، نظرت لها، أعرف أنى لا أستطيع التحدث إليها، كيف يمكن إسداء النصح لها؟ غير أنى اهتديت لفكرة، أمسكت بمصحف كان إلى جوارى، أشرت لها أن تنظر لصفحات القرآن بعض سطور من سورة الزمر، قال لى والدها أنها تعرف القراءة، تحركت شفتاها بما تقرأ "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".

كانت صورة زوجها فى يدها، ترتعد أصابعها حيرة، تضغط على الدبلة فى إصبعها، كتبت لها أن الله أبقاها من أجل الصغير، هل تغادر الدنيا بحزنها وتتركه وحيدا؟ أليس هو أمانة استودعها الله قلبها كما أرسل إليها أبيه من قبل حبا وسعادة؟

أحسست هدوءها سكنت بعض الشئ، أشارت لى أنها تصلى، ترفع يديها للسماء تدعو، ثم ارتمت بين يدى والدها تبكى فى صمت حتى غلبت عليها ابتسامة أشرق لها وجهها، بادرتنى بنظرة هادئة غير التى أتت بها، شددت على يديها وهى تمضى، أشرت لها بيدى قاصدا صغيرها فأومأت أنها سوف تاتى بها فى المرة القادمة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: