Close ad

استعادة (ابن سينا)

24-2-2024 | 11:21

لا شك أنه عبقري.. ولا أحد ينكر أنه موهبة نادرة في القدرة على الحفظ.. وأن مجرد القراءة عنده معناها الحفظ عندنا.

ومن المهم أن نعرف أن أول كتاب حفظه هو القرآن الكريم.. وهي صفة يشترك فيها عباقرة كثيرون نعرفهم.. طه حسين، بنت الشاطئ، على مبارك، وكل علماء الإسلام الذين نعرفهم. فهل كانت قوة الذاكرة هي عطاء رباني لهؤلاء الحفاظ لكتاب الله؟ وهل كان علمهم هو البركة التي منحها لهم حفظهم للقرآن؟
 
على عهد (ابن سينا) كنت ترى ثلاثة أصناف من المدرسين.. شيخ الكتـّاب، و"المؤدِّب" يعني المدرس الخصوصي لأبناء الأغنياء والملوك والأمراء، وعلماء المساجد.. لكن لا توجد مدارس تلزمك بالتعلم وتضع لك منهجًا له.. والكتب ليست سلعة سهلة قريبة من الأيدى.. فالذي يحب أن يكون عالمًا، هو إنسان قرر أن يعيش حياة الكدح والطواف والتعب.

و(ابن سينا) قرر هذا.. والأغرب أنه قرر أن يجتاز هذا الطريق الصعب بسرعة جدًا.. وألا يكتفي بعلم واحد، ولا كتاب واحد، ولا أستاذ واحد.. وأن يتسلق علوم الفلسفة والمنطق والرياضة والطب علمًا علمًا، ويحفظ كل كتاب يقع تحت يده.. وينصت لكل أستاذ متمكن من علمه.

وكان غريبًا أن يقرر بعد بضع سنوات قضاها في السماع والقراءة والحفظ، وقليل من النوم.. أن ينافس أساتذته، ويزاحمهم، ويتفوق عليهم أيضًا، وأن يكون طبيبًا ماهرًا وهو ما زال غلامًا في السادسة عشرة.

لكن المؤكد أن طاقة الإيمان كانت وقودًا يغذيه ويدفعه، وربما كان هذا هو السر الحقيقي وراء عبقريته الفريدة.. فهو يحكي عن نفسه أنه كان إذا تعرقل في مشكلة علمية معقدة أو مسألة صعبة، أو فكرة ملتفة، قام بثلاثة خطوات محفوظة يكررها كل مرة: يعرج على المسجد ليصلى بضع ركعات نفل، ثم يدعو، ثم ينام.. وكثيرًا ما رأى حل هذه المشكلات العويصة في المنام.

و(الرازي) و(الكندي) و(ابن حزم) وغيرهم كثير.. كانوا من نفس ذلك الطراز من الرجال الذين تملؤهم طاقة الإيمان بقوة خاصة ينطلقون بها بقوة وسرعة أكبر من كل الناس.

أحد الكتب وقع مرة في يد (ابن سينا) فقرر أن يقرأه، ولم يفهم منه حرفًا.. الكتاب اسمه (ما بعد الطبيعة)، والكتاب ثقيل معقد، مثل كتب كثيرة نقرؤها ونملّ منها، فنهجرها، أو نقطعها، أو على الأكثر نكرر قراءتها بدافع من التحدي والإصرار.. لكن ابن سينا قرأ الكتاب أربعين مرة! وما زال لم يفهم الكتاب.. لكنه حفظه عن ظهر قلب... وتمر الأيام فيقابل أحد باعة الكتب يدلل على بضاعته الكاسدة، ويلح على (ابن سينا) أن يشتري منه أى كتاب، فيشفق على البائع، ويمد يده يأخذ منه الكتاب الممدود.. فإذا هو كتاب يشرح فيه الفارابى كتاب (ما بعد الطبيعة).. ويقبل ابن سينا على الكتاب يلتهمه بلهفة، فيفهمه ويفهم الكتاب السابق الذي أتعبه وأرهق عقله.

قد تتعجب عندما تسمع ابن سينا يعلق على هذا الذي حدث فيقول: (فرحت بذلك وتصدقت ثاني يومٍ بشىءٍ كثير على الفقراء شكرًا لله تعالى).. فهو لا ينسى أن ينسب الفضل لصاحب النعمة والفضل.

فماذا تعودنا نحن أن نفعل أمام مشكلاتنا في الدراسة والحياة؟ وما هي القوة التى نتزود بها قبل المذاكرة أو قبل أى شيء؟
 الحقيقة أننا نفعل أقل القليل، ثم نشكو من الإرهاق، ونبذل أتفه مجهود ثم نلعن المذاكرة والتسلط وكثرة الأعباء!.. وبعد كل هذا نبخل بالدعاء والشكر والعبادة.. وهذا البخل نفسه هو ما أقعدنا وأرهقنا وسلب منا القوة والحكمة وحب العمل.

والقرآن يصف الإنسان بأنه جهول، وقتور، وظلوم، وعجول.. ويستثني من ذلك المتقين، والمؤمنين، والصالحين من الناس.

و(ابن سينا) كان ينظر إلى الكتب نظرتنا إلى الذهب والمال.. فعندما مرض حاكم بخارى بحث عن أفضل طبيب، وأحضروا له ابن سينا، وشفى الحاكم، وقرر أن يكافئه بما يطلب مهما كان ما يطلبه عظيمًا.. وطلب ابن سينا إذنًا لدخول مكتبة الحاكم الخاصة.. وكانت مكتبة عظيمة، وصفها ابن سينا وصفًا يدل على انبهاره وسعادته الشديدة بما رأى فيها.. وظل يتردد على المكتبة حتى قرأ كل ما فيها، أو على حد تعبيره: "قرأت هذه الكتب، وظفرت بفوائدها".. يعنى هو لا يقرأ كما نقرأ، فيعبر على الكلام.

وإذا كان عقلنا به تلافيف، فعقله به "ملفات" لتسجيل المعلومات وترتيبها وتصنيفها.

حتى إنه جاء في سن الثامنة عشرة - وهي السن التي ينتهي عندها حد الطفولة عند منظمة الصحة العالمية - وأعلن أنه قد انتهى من العلوم كلها، وأنه قرأ وحفظ كل العلم المتاح له!
فليس غريبًا أن نعرف أنه قام بتأليف (276) كتابًا.. وأن كتاب (الشفاء) وحده مكون من (28) مجلدًا.. وكتاب (القانون) في الطب مكون من(14) جزءًا.. وأن علماء الغرب الذين اعتمدوا على هذا الكتاب كمرجع أساسي في الطب بدأوا به نهضتهم، إنه كتاب لا يشبه أى كتاب سابق، وأنه متفرد، وأن طريقته في التنظيم والدقة غير مسبوقة..

لكن ابن سينا هو الوحيد الذى لم يكن يرى نفسه عبقريًا!.. وأنه إنسان عادي بسيط.. وهذا شأن كل إنسان قوي الإيمان، وشأن كل إنسان نفض عن نفسه الكسل والتدلل، وسعى في الحياة بجدية وهمة.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: